"سوبر ميرو".. حكاية مريم التي هزمت الشلل الدماغي بالإبداع والبرمجة

تصوير: فاطمة محمد - مريم علي

كتب/ت فاطمة محمد
2025-06-29 16:29:47

 

بعيونٍ يملؤها الفضول، وعقلٍ لا يكفّ عن طرح الأسئلة، سارت مريم علي، 13 عامًا، في دربٍ مميز من الاكتشاف والابتكار، لم تنتظر كثيرًا كي تعبّر عن حبها للبرمجة، بل أمسكت بخيط الحلم ونسجت أول مشروع لها بيدين صغيرتين وعزيمة أكبر من عمرها.

مشروع مريم، ابنة محافظة أسوان، رغم بساطته يحمل روح الابتكار، آلة حاسبة متخصصة فقط في عمليات الضرب، تعرض بمجرد إدخال أي رقم، سواء أكان عددًا صحيحًا أو عشريًا نتائج ضربه من 1 إلى 10، مشروعها ليس مجرد برنامج، بل انعكاس لطفلة ترى في التكنولوجيا وسيلة للبساطة والفائدة، لا التعقيد والاستعراض.

المشاركة في المسابقة

حصدت مريم مؤخرًا المركز الأول في مسابقة "ابدع ابتكر" التي تنظمها وزارة التربية والتعليم لطلاب الحلقة الإعدادية على مستوى الجمهورية؛ بهدف تنمية القدرات الإبداعية والابتكارية لديهم ودمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم.

في كل خطوة لـ"مريم" نحو المسابقة، كانت تحمل في قلبها شغفًا متوهجًا بالمعرفة، وأملًا بأن يكون لابتكارها أثر، ولو صغيرًا، في عالم كبير ينتظر المزيد من العقول المبدعة مثلها.

حققت مريم هذا الفوز رغم تحدٍّ كبير واجهته منذ ولادتها، حيث أصيبت بالشلل الدماغي الذي سبب صعوبة في الحركة والنطق، وفي المراحل الأولى من تعليمها الابتدائي، لم تتمكن من استخدام يديها في الكتابة، ما دفعها للاعتماد على الهاتف المحمول والتابلت كوسائل أساسية للمذاكرة والقراءة والكتابة، بدلًا من الأوراق والأدوات التقليدية.

تحكي مريم بحماس تجربة المشاركة في المسابقة: "عندما قررت تنفيذ المشروع، أردت أن أبتكر شيئًا مفيدًا للناس، وخصوصًا للأطفال الذين يجدون صعوبة في حفظ جداول الضرب، كنت أطمح إلى أن يكون ابتكاري مميزًا، يلفت الأنظار ويدفعني للفخر بنفسي حين أنجزه، ومن هنا جاءت فكرة تصميم برنامج آلة حاسبة لعمليات الضرب فقط، وبرمجته باستخدام لغة الجافا".

تقول: "عندما أعلنوا نتائج المسابقة على مستوى محافظة أسوان، وعلمت أنني حصلت على المركز الأول، شعرت وكأنني أملك جناحين أود التحليق بهما، لقد واجهت صعوبات كثيرة خلال تنفيذ المشروع، خاصةً عند ظهور أخطاء في الأكواد واضطراري لإعادة تصحيحها، أو أثناء تصميم واجهة البرنامج واختيار الألوان والخلفيات المناسبة، ورغم ذلك، كنت أستمتع بكل لحظة أقضيها في العمل عليه، وأنتظر لحظة إعلان النتيجة بلهفة".

كان أكبر تحدٍ بالنسبة لها هو أن تتمكن من تنفيذ البرنامج وتحقيق المركز الأول، ولكن بدعم والدتها، وتشجيع معلمتها لمادة الحاسب الآلي، استطاعت تجاوز كل الصعوبات وإنجاز المشروع بأفضل شكل ممكن.

لا تنظر مريم علي إلى مشروعها البرمجي كأداة حسابية فحسب، بل تراه انعكاسًا لرغبتها العميقة في تحويل التعليم إلى تجربة ممتعة ومحفّزة، تقول : "برنامجي مش مجرد آلة حاسبة أو لعبة، هو وسيلة تعليمية ممتعة بتصميم جذاب، أي طفل عايز يحفظ جدول الضرب هيقدر يستخدمه بسهولة والمدرسين".

بداية مريم

خلف حكاية مريم ونجاحها تقف والدتها عبير علي: "مريم ابنتي وبطلة حياتي، رهان عمري الذي لم أخسره يومًا"، بهذه الكلمات المؤثرة استهلت والدة الطفلة مريم حديثها.

تحكي الأم أن شغف مريم بالتكنولوجيا بدأ مبكرًا، قبل حتى أن تخطو أولى خطواتها في المدرسة الابتدائية، في سن صغيرة، بدأت تتعرف على عالم الحاسب الآلي والبرمجة، وهو ما شكّل نقطة تحول في حياتها. 

منذ طفولتها، أظهرت مريم شغفًا بالاكتشاف وإعادة التدوير، وكانت تفكك ألعابها وتعيد تركيبها بطرق مبتكرة، وحولت فانوسًا قديمًا إلى أباجورة، واستخدمت رسومات كتبها لصنع لوحات فنية.

لم يتوقف إبداعها عند الأشغال اليدوية، بل امتد إلى التقنية، فبدأت بتحويل دروسها إلى فيديوهات كرتونية وتصميم ملصقات تعليمية باستخدام "فوتوشوب"، لتجمع بين حبها للرسم وشغفها بالتكنولوجيا، وتثبت دومًا أنها مميزة في كل ما تفعله.

تقول: "التحقت مريم خلال العام الأخير من المرحلة الابتدائية ببرنامج براعم مصر الرقمية وهناك بدأت تضع أولى لبنات مشوارها البرمجي بجدية وشغف ثم برنامج أشبال مصر الرقمية، ثم رحلة التعلم الذاتي وتطبيق ما تعلمته نظريًا".


حلم بسيط يُعطّله الروتين

رغم خضوعها إلى 6 عمليات جراحية في سبيل أن تتمكن من الحركة، لا تزال مريم تُواجه عوائق بيروقراطية تحول دون حصولها على أبسط حقوقها، إذ لم تتمكن والدتها حتى الآن من استخراج "كارنيه الإعاقة" أو "فيزا الخدمات المتكاملة"، بسبب ما تصفه بـ"الطلبات التعجيزية" من القومسيون الطبي.

تقول الأم: "أنا لا أطلب الفيزا ولا الكارنيه من أجل دعم مادي، مصاريف علاج مريم أتحملها بالكامل وسأواصل ذلك برضا، كل ما أريده هو إثبات رسمي بسيط، يمنح ابنتي الحق في المنافسة العادلة داخل المسابقات والبرامج التدريبية والأنشطة التي تُهمّشها دون هذا المستند".

اليوم، تدرس مريم في فصول الدمج بمدرسة كيما الإعدادية، فهي لا تعاني من أي إعاقة ذهنية، لكنها لا تذهب إلى المدرسة إلا وقت التقييمات الشهرية، بعدما اضطرت للاعتماد على الدروس الأونلاين هربًا من التنمر الذي واجهته من بعض زملائها. 

لا يتوقف طموح مريم عند هذا الحد، فهي تعمل حاليًا على تطوير البرنامج ليشمل جميع العمليات الحسابية، ليكون أكثر فائدة وشمولًا، تقول: "راسلت إدارة جوجل بلاي علشان أرفع البرنامج على المتجر، لكنهم طلبوا 50 دولار، فقررت أطور البرنامج الأول، وأسميه (سوبر ميرو)، لأنه قريب من اسمي وبحب شخصية سوبر ماريو، ونفسي أعمل مع أمي فيديوهات توعية عن الشلل الدماغي".

تواصل مريم تطوير برنامجها بشغف لا ينطفئ، في رحلة تثبت فيها للعالم أنها ليست مجرد طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، بل بطلة حقيقية كتبت فصول قصتها بالإصرار والأمل، مدفوعة بقلب أم لم تعرف يومًا معنى التراجع، وآمنت دومًا أن لابنتها مكانًا يليق بها بين المبدعين.

 

تصوير: فاطمة محمد - مريم علي