فن وغربة.. نساء سودانيات يرسمْن ذاكرتَهن بالحنّة في أسوان

تصوير: فاطمة محمد - رسم الحنة في أسوان

كتب/ت فاطمة محمد
2025-06-25 12:16:56

 

في زاوية بيتٍ صغير بمحافظة أسوان، تجلس وصال ضيف الله، سيدة سودانية تبلغ من العمر 40 عامًا، انحنى جسدها قليلًا، لكن أناملها لا تزال تحتفظ بخفة الطفولة التي بدأت منها رحلتها مع الحنة، أربعون عامًا من الحياة، وثلاثة عقود من رسم النقوش التي تسكن فيها الذكريات قبل أن تسكن في الأكف.

بدأ تاريخ وصال بالحنة وهي طفلة لا يتجاوز عمرها 11 عامًا لم تكن البداية عادية؛ كانت تصنع أدواتها بنفسها، تغلي الصابون على النار ليصبح شبيهًا بـ"المديدة - الحلبة السودانية"، ثم تتركه يتماسك قليلًا، تسكبه في أكياس تشكلها على هيئة قرطاس، تفتح منه ثقبًا دقيقًا وتبدأ بالرسم لتتعلم.

لكنها لم تتوقف عند تلك المحاولات البدائية، بل كانت تبتكر أدوات أخرى من أبسط ما حولها؛ تعجن القليل من الدقيق بالماء، وترسم به على أيدي زميلاتها في المدرسة، دون أن تضيف أي لون، لأن استخدام الحنة كان ممنوعًا هناك. 

كانت النقوش تظهر بيضاء على البشرة، وحين تدق أجراس الحصة، يغسلن أيديهن، ثم تعود وصال لترسم لهن من جديد بعد انتهاء الدروس، تقول: "من شدة براعتي في الرسم، كانت المعلمات يطلبن مني أن أرسم لوحات تُعلّق في الفصل أو تُستخدم في الشرح".

الحنة لغة ثقافية

تتقن النساء السودانيات في مدينة أسوان رسم الحنة بأدوات بدائية، حتى أنها أصبحت حرفة تتوارثها الأجيال، وتحمل كل رسمة فيها بصمة من الذاكرة والحنين، تُعبّر عن جذور لا تنقطع رغم الغربة، الحنة بالنسبة لهن ليست زينة مؤقتة، بل لغة ثقافية تنطق بالانتماء والهوية.

في هذا التقرير، نسلط الضوء على حضور فن الحنة السوداني في مدينة أسوان، وكيف نجحت نساء الجالية السودانية في نقل هذا الإرث الجمالي وتطويره، حتى بات جزءًا من المشهد الثقافي المحلي، ومصدرًا للرزق والهوية عبر أجيال من الحرفيات.

مع الوقت، تحولت موهبة وصال الصغيرة إلى مشروع، حيث فتحت محلًا صغيرًا لممارسة ما تحب، وبعد الزواج، خصصت ركنًا من بيتها ليكون كوافيرًا منزليًا، واليوم، ترسم وصال الحنة في شارع الشواربي، وفي بيتها، وورّثت هذا العشق إلى بناتها الثلاث، حتى أن ابنتها الكبرى باتت ترسم عرائس وتبتكر تصاميم.

تقول وصال: "أنا برسم بأسلوبي السوداني الثقيل، اللي فيه حشو كتير، لكن في مصر، الزبائن بيحبوا الرسم البسيط، أشكال الطيور والحيوانات والطبيعة، قدرت أتأقلم مع ده، بس ما نسيتش جذوري".

تتشابه طفولة وصال مع رقية يحيى، 60 عامًا، إذ نشأت في بيتٍ يعبق برائحة الحنّة وماضي بلاد النيلين، حيث أحبت رسم الحنة منذ أن كانت مراهقة في السادسة عشرة من عمرها، حين أمسكت قرطاس الحنّة للمرة الأولى، لتبدأ علاقة فريدة مع فنٍّ لم تتعامل معه كمجرد زينة، بل كامتداد لجذورها وهوية تفتخر بها.

كانت الطفلة رقية دائمًا متميزة في حصة الرسم، تنال الدرجة النهائية دون عناء، وتجد متعة غامرة في تزيين المساحات البيضاء، لم تكن تعلم حينها أن هذا الشغف الطفولي سيتحوّل بمرور السنين إلى مهنةٍ، حيث بدأت تعجن الحنّة يدويًا، تصنع قراطيسها بنفسها، وتجرب الرسم على يد شقيقتها الصغيرة، ثم على أيدي أطفال العائلة.

تقول: "شيئًا فشيئًا، صارت الرسومات أكثر ثباتًا، والأشكال أكثر تعقيدًا، إلى أن وجدت نفسي قادرة على خلق تصاميم تنتمي للتراث السوداني العريق، لكنها تحمل بصمتي الخاصة، رسم الحنّة يحتاج إلى بال طويل، لكنه في النهاية يصنع منك إنسانًا مبدعًا، لذا كنت أسافر بنفسي لجلب البضائع".

قبل خمسة عشر عامًا، استقرت رقية في مدينة أسوان، حاملة معها تراث الحنّة السودانية، الذي يتقاطع في تفاصيله الدقيقة مع ثقافات أخرى مثل الهندية واليمنية، لكنه يظل محتفظًا بطابعه الثقيل والمليء بالحشو كما تسميه، وهو الأسلوب الذي بدأ يحظى بإعجاب النوبيين والمهتمين بالتراث في أسوان.

بينما وصال استقرت في أسوان قبل عشر سنوات، بعد أن كانت تزور المدينة بشكل متقطع للعلاج: "كنت أروح وأرجع، فقلت بدل ما أضيع وقتي، أجيب معايا بضاعة سودانية مستحضرات تجميل وعناية بالبشرة وأبيعها، وبعد ما خلصت علاجي، قررت أرجع السودان، لكن الحرب منعتني، ومن ساعتها ما شفت أمي، رغم إنها تعبانة".

طرق إعداد الحنة

لكلٍّ منهما طريقة مختلفة في إعداد الحنة السوداني. تصف رقية طريقة إعداد الحنّة بأنها فن في حد ذاته، يبدأ بخلط المكونات الأساسية مثل "المحلبية" و"السراتية"، وتترك العجينة تتخمر حتى تصبح سوداء داكنة، قوية في لونها وثباتها. 

لكنها لا تُخفي حزنها على تراجع الإقبال على هذا الفن، مع انتشار الحنّة الجاهزة: "زمان كنا نروح ونرجع بسهولة، وكان الرزق مفتوح ليوم كل شيء بقى صعب".

بينما تشرح وصال طريقتها في التحضير: "بغلي نشا مع مية لحد ما القوام يتقل، بعدين أضيف صبغة ومواد تثبيت زي المحلبية والسرتية، وأرسم، الحنة دي بتنفع للعروسة اللي عايزة تعمل دخانية، وهي طقس سوداني أصيل، بتحط العروسة في أوضة فيها حفرة فيها حطب مولّع، يديها نضارة ولون أسود ثابت، ويزيل الرطوبة من الجسم"، تخمر الحنة يومًا كاملًا قبل استخدامها، وكلما طال التخمير، زادت قوتها وثباتها.

رغم اختلاف الأعمار والتجارب، تجمع وصال ورقية حكاية واحدة تشاركهم فيها زكية يحيى، 60 عامًا، سيدة سودانية، تنقش في بيتها بمدينة أسوان الحنّة كما لو كانت ترسم ملامح ذاكرتها، بكل تفاصيلها الصغيرة التي بدأت منذ الطفولة. 

تقول بابتسامة تحمل دفئًا قديمًا: "من وأنا صغيرة كنت بحب التلوين والرسم، دايمًا أرسم على الكراسات بألواني، ومع الوقت، بدأت أجرب أرسم الحنة بإيديا، كنت أخلط شوية ميّة مع شوية حنّة وأرسم بيهم على الجلد من غير أي مثبت، بس علشان أتعلم إزاي أمسك القرطاس".

حين وصلت إلى المرحلة الثانوية، كانت يدها قد ألفت الحركة، ولم تعد بحاجة إلى رسم أولي بالقلم، بل صار الرسم يخرج تلقائيًا من بين أناملها، كأن الحنة تعرف طريقها وحدها، ومن هواية بسيطة، تحولت الموهبة إلى هدف، لذا التحقت زكية بكلية الفنون الجميلة في أسوان، وجمعت بين الموهبة والدراسة الأكاديمية.

تقول بثقة: "الحنة مش بس شغلانة بالنسبة لي، دي شغف وهواية من وأنا طفلة، ودراستي ساعدتني أفهم الشكل والخط والظل، وده فرق كتير في شغلي".

بعد تخرجها، سافرت زكية إلى الإمارات للعمل، لكنها لم تترك الحنة جانبًا، واصلت الرسم كهواية تمارسها في أوقات فراغها، وعند كل مناسبة سودانية كانت ترسم لصديقاتها وتعيد إحياء التراث السوداني، الذي تقول إنه "جزء لا يتجزأ من هوية المرأة المتزوجة في السودان". 

ومع اندلاع الحرب، عادت زكية إلى مصر، واستقرت في أسوان، ولجأت إلى الحنة كمصدر دخل رئيسي، مستفيدة من شغفها وخلفيتها الفنية: "أنا أقدر أرسم أي شكل يطلبه الزبون، لأن ده مجالي وحبي في نفس الوقت، ومفيش فرق كبير بين القلم والقرطاس".

رغم تفوق النساء الثلاث في رسم الحنة، إلا أنهن ربات بيوت أيضًا. وصال أم لأربعة أبناء، أكبرهم في الثانية والعشرين وأصغرهم في الثانية عشرة، تربيهم وحدها منذ انفصالها عن زوجها قبل تسع سنوات: "اضطريت أزود نشاطي، أبيع منتجات تجميل بجانب الحنة، لأن سوق الحنة اليوم مش زي زمان، مش كفاية لوحدها مصدر دخل".

ورقية رزقت بثمانية أبناء، ولم تكن الأمومة بالنسبة لها مهمة سهلة، لأنها فقدت زوجها مبكرًا، وكان أكبر أطفالها حينها لا يتجاوز السابعة من عمره، لكنها لم تستسلم، لعبت دور الأم والأب في آن واحد، كانت تعود إلى السودان كل شهر محمّلة بالبضاعة، تبيعها في أسوان، ترسم الحنّة في الأسواق والبيوت، وتعود بما يكفي لإعالة أطفالها شهرًا كاملًا.

أما زكية لديها طفلين، وتوفى زوجها منذ سنوات لذا لجأت إلى مهنة الحنة اليدوية حيث ترى أنها الأفضل من حيث الجودة والثبات، إذ تدوم على الجلد قرابة شهر كامل، بعكس الحنة الجاهزة التي قد تتلاشى خلال أسبوعين، تصف طريقتها قائلة: "بخلط الحنة الحمراء مع المحلبية والسرتية، وأسيبها تتخمر قبل الاستخدام علشان تدّي لون ثابت، ولو الزبونة مستعجلة، ممكن استخدم الجاهزة بناءً على طلبها، لكن الأفضل دايمًا هو اليدوي".

بينما وصال لا تساوم حين يتعلق الأمر بجودة الحنة: "بستعمل الحنة اليدوية لأنها بتقعد أكتر على الإيد، مش زي الجاهزة اللي بتبهت بعد 15 يوم، صحيح الجاهزة أسهل للناس اللي بترسم بسرعة، لكن أنا ما بقدر أترك اليدوي".

تأثير الحرب على النساء الثلاث

تأثرت النساء الثلاث بالحرب في السودان وبالثقافة الأسوانية على حد سواء، تقول وصال: "أهل أسوان تأثروا بينا وإحنا كمان، بقوا يحبوا الرسومات المليانة حشو، اللي إحنا بنرسمها في السودان، خاصة النوبيين اللي عندهم نفس الذوق".

ورغم الغربة والحنين، لا تزال وصال تنقش الحنة كما لو أنها تنقش ملامح وطنٍ لم تره منذ اندلاع الحرب، تقول بنبرة يختلط فيها الحنين بالألم: "ما رحت السودان من يوم ما الحرب بدأت، ومش قادرة أزور أمي، حتى وهي تعبانة بس كل رسمة حنة بحسها زي رسالة مني ليها، ومن السودان لأسوان".

بينما تؤمن زكية أن البيئة لها تأثيرها، في أسوان تعلمت أنماطًا جديدة من الرسم، مثل الرسومات البسيطة والطبيعية والتاتوهات، لكنها تحتفظ بأسلوبها السوداني الغني بالتفاصيل: "أهل النوبة بيحبوا شغلنا، الرسومات المليانة تفاصيل، وده بيشجعني أكتر".

ولأن الحنة ليست فقط موسمية، تحرص زكية على ابتكار رسومات تتماشى مع المناسبات المختلفة، مثل الهلال والنجمة في رمضان، أو "تاتو الخروف" في عيد الأضحى: "أجمل حاجة إن الناس هنا بيحبوا شغلنا، وبحس إني بنشر ثقافتنا برسمة بسيطة، بس ليها معنى كبير".

أما رقية حين اندلعت الحرب في السودان، اضطرت إلى جلب أبنائها إلى أسوان، ومنذ ذلك الحين، لم ترَ أمها، التي تعاني من المرض هناك: "كان حلمي أرجع وأفرح بأولادي في بلدي، لكن الحرب منعتني".

اليوم، تواصل رقية نقش الحنّة كما لو كانت تكتب بها رسالة حب طويلة إلى وطن لم تعد قادرة على معانقته، وفي كل قرطاس تمسكه، تلمع في عينيها دمعة قديمة، فهي تعرف أن في الصبر قوة، وفي الفن عزاء.

هكذا، تمضي رقية وزكية ووصال في نقش الحنة كما ينقشن الذاكرة على الجلد، يروين حكايات الغربة والانتماء بلغة الرسومات الدقيقة والخطوط المتعرجة، التي لا تمحوها الأيام، لم تكن رحلتهن سهلة، لكنها كانت صادقة، محفورة كالنقوش السودانية على أجساد النساء.



تصوير: فاطمة محمد - نساء سودانيات يصنعن الحنة