تنجار.. قصة القرية الأخيرة التي صعدت من النيل إلى الجبل في النوبة

تصوير: فاطمة محمد - قرية تنجار

كتب/ت فاطمة محمد
2025-04-27 14:13:36

في أقصى الجنوب، حيث يكتمل حضور الشمس وتتناثر الرمال على ضفاف النيل، لا تزال قرية "تنجار" أو "تنقار"، تروي قصة بقاءها صامدة كأحد القرى النوبية التي يم تغرقها المياه كما فعلت مع  جيرانها بعدما ارتفع منسوب المياه في 1970 خلال أول ملء للسد العالي في جنوب محافظة أسوان.

بين السد العالي وخزان أسوان، تستقر القرية، التي تحيط بها المياه من ثلاث اتجاهات، ويحدّها الجبل في اتجاهها الرابع، ليكون مصدر صمودها حيث صعد إليه السكان وأعادوا بناء قريتهم هربًا من ارتفاع منسوب مياه النيل الذي أغرق ما يجاورها من قرى.

و"تنجار"، تعني "القرية الواقعة غرب الشاطئ"، في اللغة النوبية، التي لا يزال أهل القرية يتحدثون بها ويتمسكون في توارثها وتعلمها. ويتردد اسم القرية في السنوات الأخيرة كأحد القبلات السياحية التي لفتت إليها الأنظار، بسبب مناظرها الطبيعية وجمال النيل فيها، ورغم أن ذلك قطع إلى حد ما عزلة القرية التي عاشت فيها لسنوات طوال، إلا أن ذلك لم يؤثر على حكايات وقصص لأهلها لا تزال في جعبتهم، تحمي ثقافتهم وتراثهم. 

الطريق إلى تنجار

الوصول إلى تنجار ليس أمرًا سهلًا. يصل إلى القرية طريقين؛ الأول هو طريق "السد"، ولا يعد طريقًا رسميًا لأنه في الأصل خاص بالسد العالي وخدماته، وغير متاح لمرور السيارات التي عادة تكون خاصة بالسد نفسه، إلا بين الساعة السادسة صباحًا وحتى الخامسة مساءً. 

أما الطريق الثاني فهو طريق "الخزان"، الذي تسلكه السيارات الخاصة والأجرة، لكن الأخيرة تكون محطتها الأخيرة موقف "صحاري"، الذي يبعد عن تنجار مسافة 6 كيلومتر، ومن هناك لو كنت سعيد الحظ ستجد "توك توك" أو سيارة خاصة تؤجرها للوصول إلى القرية، أو لا تجد -مثلي- لتضطر أن تسير حوالي ساعة إلا ربع على أقدامك للوصول إلى القرية، وهو عادةً اختيار أهل القرية الذين إما لا يجدون هذه الوسائل بسهولة أو لا يستطيعوا تحمل هذه التكلفة ذهابًا وإيابًا في كافة مشاويرهم.

وتحت شمس أسوان الشديدة، وبينما لم أجد سيارة تقلني إلى القرية من موقف "صحاري" آخر محطات السيارة الأجرة، ورغبة أن أصل إليها وأعود في وقت لا تزال الشمس تنير الطريق المرصوف بينما تحيط جانبيه رمال الصحراء، اضطررت أن أمشي، بخطوات سريعة، هربًا من وحدة الطريق وحرارة حارقة ممتزجة بالرمال تلفح وجهي، واستطعت أن أختصر المسافة إلى نصف ساعة فقط. وبينما أتناول قطرات مياه بين الحين والآخر ترطيبًا لجسدي من ارتفاع الحرارة كنت أفكر فيما يفعله أهل القرية كبارهم وصغارهم في حياتهم اليومية أمام هذا التحدي.

داخل القرية، استقبلتني زينب أحمد، مواليد عام 1976، تجلس أمام بيتها الصغير المسقوف بجريد النخل والطين، وهي المواد الغالبة على بناء المنازل في تنجار، تروي قصة قريتها بفخر: "أنا اتولدت هنا، واتجوزت هنا، وعاداتنا إحنا النوبيين إننا نتجوز من بعض، مفيش غريب في تنجار، إحنا كلنا أهل وأقارب". 

"إحنا القرية النوبية الوحيدة القريبة من السد العالي اللي ما اتهجّرتش وقت الفيضان وصمدت قدام المياه، مع أول ملء للسد العالي ارتفع منسوب المياه وأغرق قرى كثيرة". تستعيد زينب برفقة فاهيتا أحمد، 60 عامًا، تاريخ القرية مع شعورهن بالفخر.

تقول فاهيتا: "في الماضي، كان من يريد الذهاب إلى أسوان يضطر إلى السير على قدميه، لأن وسائل النقل لم تكن متاحة بسهولة، هناك مراكب لكنها كانت مكلفة ولم تكن في متناول الجميع، والآن أيضًا نجد صعوبة في التنقل".

تضيف: "الطريق يستغرق ما لا يقل عن أربع ساعات سيرًا على الأقدام، كنا نغادر بعد الفجر، ولا نعود إلا عند المساء، ولم نكن نذهب إلى أسوان إلا في حالات الضرورة القصوى".

تمهيد الطريق الرئيسي ساعد أهل القرية في ألّا تكون مسافة سيرهم هذه على طريق غير ممهد، لكن توافر مواصلة عامة لا تزال تحدي بالنسبة لهم، خصوصًا أن أغلب الخدمات الرئيسية التي يحتاجون إليها موجودة في منطقة سحاري نفسها، مثل المدارس والصحة والبريد.

في فترة الظهيرة يغلب على القرية هدوء تام، بينما لا يزال الطلاب في مدارسهم في منطقة "سحاري". وكان السؤال: كيف يذهبون إليها؟ فأهل القرية لديهم حرص على تعليم أبناؤهم. أخبروني أنهم إما يذهبوا سيرًا على الأقدام، صباحًا وعودة. وهناك من يتفق مع "توك توك" أو سيارة خاصة لإقلال الأطفال جماعيًا، ذهابًا وعودة. 

عادات أهل القرية

اعتمدت القرية في ذلك الوقت على الزراعة وتربية الماشية والدواجن، وكان نمط الحياة يدور حول الاكتفاء الذاتي، فلم يكن هناك رفاهية في التنقل أو التسوق. الرجال عادة يعملون في الزراعة أو التجارة بين أسوان والسودان حاملين معهم ثقافة النوبة ودفء القرية إلى المدن البعيدة.

ترى زينب أنه رغم تحول القرية مؤخرًا إلى وجهة سياحية هادئة، يقصدها من يبحث عن أصالة العيشة النوبية وهدوئها، إلا أنها لا تزال تعاني من أزمات شتى. وعمومًا لم تنعكس هذه الرحلات السياحية على القرية وسكانها بعد، فعادة تأتي إلى المنطقة الواقعة قرب شاطئ النيل نفسه، وليس منطقة المنازل التي تعلو في الجبل نفسه، فضلًا عن أن المنظمين أيضًا من خارج القرية وليس أبناؤها.

أما المياه، كما تقول زينب، لم تدخل منازل تنجار إلا بعد عام 1991، قبل ذلك، كان الأهالي نساءً ورجالًا يتوجهون مرتين في اليوم إلى النيل، مع طلوع الفجر وغروب الشمس، حاملين الجرار الفخارية على رؤوسهم في رحلة يومية شاقة، لكنها كانت جزءًا من تفاصيل الحياة البسيطة التي تعود عليها الجميع.

وفي الوقت الراهن كما تحكي فاهيتا، يعمل معظم رجال القرية في شركات المياه والكهرباء، مستفيدين من القرب الجغرافي من السد العالي، ومع ذلك، لا يزال الحنين إلى الماضي حاضرًا في القلوب، خاصة عندما يتذكر الناس دفء العلاقات وبساطة الحياة.

بساطة الحياة

تشتهر القرية بالخبز "السناسر" و"الشمسي"، وهو خبز تحضره النساء من الأمهات والجدات، يشترون القمح ويطحنونه ثم يخبزونه في طقس يومي يعكس تمسكهم بالعادات القديمة.

وتواصل فاهيتا حديثها، وعيناها تلمعان بذكريات الماضي: "كانت تنجار دائمًا عامرة بأهلها، رغم بساطة الحياة وقلة الإمكانيات، كنا نزرع ونربي الدواجن والمواشي، ونتناول مما تنتجه أيدينا، لم نغادر القرية إلا للضرورة، سواء للعلاج أو لشراء الملابس ونعيش كعائلة واحدة، وقلوبنا متصلة ببعضها".

ورغم التغيرات التي طرأت على نمط الحياة، لا تزال "تنجار" تحتفظ بالكثير من ملامحها الأصيلة. بها ثلاثة مساجد، تنادي أهل القرية للصلاة يوميًا بتنسيق وتآلف، وجمعية أهلية وملعب بسيط لكرة القدم مغطى بالرمال بالقرب من المسجد، يلعب فيه الأطفال كل مساء.

تقول فاهيتا مبتسمة: "الملعب ليس كبيرًا، لكنه يفي بالغرض، هو المتنفس الوحيد للأطفال ليفرغوا طاقتهم".

ولا تزال الحياة هنا تقوم على التكافل الاجتماعي، على الرغم من أن بعض البيوت قد أغلقت أبوابها: "إذا مرض أحد، تجد الجميع إلى جانبه، صحيح أننا لم نعد نختلط كما في السابق، لكن وقت الشدة نكون جميعًا لبعضنا البعض"، تؤكد فاهيتا أن عدد بيوت القرية لا يتجاوز الثمانين، وكل بيت يحمل قصة وذكرى، وكل جدار يحمل صدى الضحكات والدموع.

وحتى وقت قريب، لم يكن أحد يعرف "تنجار" سوى القرى المجاورة، لكن في السنوات الأخيرة، بدأ السياح يتوافدون على القرية، يجلسون على ضفاف النيل، يلتقطون الصور للبيوت الطينية الملونة، ويشاهدون الحياة النوبية كما لم يعرضها أحد من قبل.

حتى أهل أسوان أنفسهم أصبحوا يأتون للاستجمام والراحة، وكأنهم وجدوا في القرية ملاذًا هادئًا بعيدًا عن صخب المدينة. تظل تنجار بمثابة شاهد حي على تاريخ النوبة وأصالتها، حيث تجتمع فيها بساطة الحياة مع عمق التراث.

تصوير: فاطمة محمد - قرية تنجار