في غرفة صغيرة تملأها الأوراق ورسومات الدوائر الكهربائية، تجلس فرحة مصطفى، 19 عامًا، وعيناها تتلألأان بشغف لا يخطئه من عرف معنى الإصرار والفضول، فلم تنتظر أن تُكمل تعليمها الجامعي أو أن تحصل على شهادتها الرسمية لتبدأ مشوارها، إذ إنها طالبة في الفرقة الأولى بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة أسوان لكنها عشقت منذ الصغر الاختراعات.
بدأ ذلك الشغف يطلّ قبل ثلاثة أعوام، خلال إحدى المسابقات المدرسية برعاية وزارة التربية والتعليم في المرحلة الثانوية، حين وجدت نفسها وجهًا لوجه مع أطفال وشباب من ذوي الإعاقة السمعية في مدرسة الأمل للصم والبكم بأسوان، وهي إحدى المدارس المشاركة في المسابقة.
حاولت وقتها الاقتراب منهم، تبادل حديث أو ابتسامة، لكنها اصطدمت بحاجز لغوي وإنساني حين علمت أنهم من ذوي الإعاقات السمعية. من هنا بدأت تحويل شغفها إلى واقع ملموس، مدفوعة بعدم قبولها أن يُحرم أي شخص من أبسط وسائل التواصل.
توصلت فرحة، بعد رحلة من البحث والمشاهدة والتجربة، إلى تصور مبدئي لجهاز يحويل لغة الإشارة إلى صوت والعكس، كما يحوّل الصور إلى إشارات يفهمها الصم، وشاركت به في العديد من المؤتمرات العلمية كان آخرها عرضه في مؤتمر IEEE بكلية الهندسة – جامعة أسوان خلال مايو 2025، إلا إنها لا تزال تبحث عن الدعم المالي لتنفيذه.

بداية الرحلة
تقول: "بينما كانت زميلاتي منشغلات بامتحاناتهن في العام الدراسي الأول من المرحلة الثانوية، كنت أقضي ساعات أمام شاشة هاتفي المتواضع، أتصفح فيديوهات ودروسًا ومقالات عن الذكاء الاصطناعي ومعالجة الإشارات، شيئًا فشيئًا، بدأت الفكرة تتبلور في رأسي حول هذا الجهاز".
في مدرستها، وجدت أخصائيين اجتماعيين ومشرفين شجعوها وشاهدوا فيها بذرة مختلفة، وحين وصلت إلى الجامعة التحقت بفرع نقابة المخترعين في أسوان، وهناك شعرت لأول مرة أن حلمها يجد من يحتضنه.
تضيف: "قدم لي المدربون والمهندسون دعمًا تقنيًا حقيقيًا، خاصة سامح عبده مهدي، أمين لجان نقابة المخترعين بأسوان، ومحمد زين، نقيب المخترعين، اللذان ساعداني على التفكير بطريقة علمية، وتحويل فكرتي من مجرد رسم أولي على ورقة إلى مخطط جهاز متكامل يمكن عرضه في مسابقات ومؤتمرات علمية".
مسؤولية أكبر وطموح مستمر
مع كل خطوة تخطوها، كانت مسؤولية الفكرة تكبر: "التعامل مع فئة حساسة مثل ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاج وعيًا كبيرًا، والتقنية نفسها تتطلب دقة عالية".

بدأت فرحة بدراسة بعض أساسيات البرمجة الإلكترونية، وتعلمت التعامل مع الحساسات وأجهزة القياس، وأصبحت تقضي ساعات طويلة في التجربة والإصلاح، لكن التحدي الأكبر كما تؤكد يظل الموارد المالية: "النموذج العملي لجهازي يحتاج إلى شرائح متقدمة وأجهزة استشعار دقيقة، وهذه مكونات ليست في متناول فتاة بسيطة مثلّي، لا أملك إلا إصراري".
ورغم ذلك، تقول: "أكثر ما يمنحني القوة هو أسرتي، التي لم تتخل عني لحظة، وقدمت لي الدعم المعنوي والمادي مهما كان بسيطاً، أشعر أن كل خطوة أخطوها ليست لي وحدي، بل لهم أيضًا وللمجتمع الذي أريد أن أرد له الجميل بفكرة قد تغيّر حياة الكثيرين".
وترى فرحة أن مشروعها أكبر من كونه مجرد ابتكار تقني: "طلاب الصم وضعاف السمع يواجهون تحديات يومية في التعلّم والتفاعل، وعدم وجود وسيلة شاملة يجعل الصعوبات مضاعفة، أريد أن يكون اختراعي جزءاً من حل يربط التكنولوجيا بالخدمة الاجتماعية، ويمنح هذه الفئة فرصة التعلم بكرامة وسهولة، دون أي حاجز".
إنجازات سابقة
لم يقتصر نشاط فرحة على الأفكار والرسومات على الورق، بل امتد إلى المشاركة في سلسلة من المعارض والمؤتمرات العلمية التي أضفت لمشروعها بعدًا عمليًا ومعرفيًا أعمق، منها معرض "ISEF" للعلوم والهندسة 2024، ومؤتمر "جنيسكو" بمكتبة مصر العامة برعاية الأكاديمية الأمريكية 2024، بالإضافة إلى مشاركتها في معرض ومبادرات "TICO" بأسوان 2025، وتسجيل مشروعها ضمن أقسام التكنولوجيا والابتكار بمكتبة مصر العامة في نفس العام.
تطمح فرحة الآن للحصول على دعم أكبر من محافظة أسوان أو حاضنات الأعمال، لتنتقل من مرحلة الرسومات والبرمجة الأولية إلى تصنيع النموذج الحقيقي وتجربته مع الفئة التي صُمم من أجلها: "أنا مؤمنة أن الفكرة دي لو لقت دعم بجد، هتتحول لاختراع يغيّر حياة ناس كتير، مش بس في أسوان في مصر كلها".
وهكذا، وفي زمن تتسارع فيه التقنيات دون أن تلتفت كثيرًا إلى احتياجات الفئات المهمشة، تمضي فرحة في طريق مختلف، يبدأ من قلب أراد أن يرى الآخرون ما لم يروه يومًا.