أنا اللغة العربية. ذات يوم كنت سيدة البيان بلا منازع، كنت في عز قوتي في العصور القديمة، أفخر بشعرائي الذين سطّروا أروع الكلمات في مختلف العصور.
أتذكر شعراء العصر الجاهلي؛ فرسان الكلمة الذين استلهموا من قاموسي سيوفاً من البلاغة، مثل امرؤ القيس وعنترة بن شداد وغيرهم، ممن علقت روائع أشعارهم على أستار الكعبة المشرفة بماء الذهب، دلالة على قوتها وقدسيتها. وفي العصر العباسي، ازدهرت حدائقي بأزهار فريدة كإبن الرومي وأبي نواس، يروون القلوب بجمال البيان. وفي فجر الإسلام، أنجبت فرسان الحق كـ كعب بن زهير والخنساء، الذين سخروا كلماتي للدفاع عن العقيدة ونصرة الحق.
لكن الزمن يمضي، والأمواج تتلاطم. الآن، أشعر بغربة في دياري، وكأنني ضيف ثقيل. تم استبدالي تدريجياً بلغات أخرى، غزت ساحتي، وسلبت مني بريق حضوري. ومن بين هذه اللغات الغريبة، لغة دخيلة تُدعى "الفرانكو"، تشوه جمال كلماتي، وتحول حروفي الأنيقة إلى خليط مشوه من حروف وأرقام إنجليزية. حتى كلماتي العربية الأصيلة، تلك التي كانت تترنم بها الألسن فخراً، باتت تُكتب بحروف غربية قاسية، وكأنها أسيرة في سجن غريب.
أرى أطفالاً عرباً صغاراً، نشأوا في بيئة رقمية تغذيها هذه اللغة الهجينة، وقد اعتادوا عليها حتى أنهم يجدون صعوبة بالغة في كتابة لغتهم الأم بحروفها الأصلية؛ لغتهم الأم، التي كانت يوماً رمز هويتهم، تتلاشى من ذاكرتهم شيئاً فشيئاً.
أسباب نسياني كثيرة ومتشعبة؛ أرى اهتماماً متزايداً باللغة الإنجليزية، يتجاوز حدود الحاجة، مصحوباً بتجديد مستمر في مناهجها التعليمية، بينما مناهج اللغة العربية تركن إلى القدم، لا تواكب روح العصر. ومع تطور التكنولوجيا، أصبحت معظم الاختراعات الحديثة تتحدث بلغة أجنبية، فينشأ جيل يرى في لغتي عبئاً وتخلفاً.
أتذكر ذات مرة، كنت أستمع إلى حوار بين شابين. كان أحدهما يكتب لصديقه رسالة نصية مليئة برموز "الفرانكو" الغريبة. سأله صديقه باستغراب: "لماذا تكتب هكذا؟ ألا تعرف العربية؟" فأجاب الشاب بلامبالاة: "إنها أسرع وأسهل. العربية معقدة وحروفها كثيرة." شعرت حينها بسهم يخترق قلبي، كيف يمكن لغة بهذه العراقة والجمال أن تُختزل إلى مجرد تعقيد وصعوبة؟
أتمنى، بكل جوارحي، أن يعود لي وهجي، وأن تستعيد اللغة العربية الأصيلة مكانتها الرفيعة في قلوب أبنائها. أتوق إلى أن أرى كتّاباً وشعراء يستلهمون كنوزي الدفينة، ويصوغون بها إبداعات تخلد في التاريخ كما فعل الأجداد. أتمنى أن تتطور مناهجي التعليمية، وأن أواكب التكنولوجيا الحديثة، وأن أُستخدم في مجالات العلوم والابتكار كما تُستخدم اللغات الأخرى.
أتمنى أن يستيقظ أبنائي من سباتهم، ويدركوا قيمة هذا الكنز اللغوي الذي بين أيديهم، وأن يعودوا إلى ينابيعي الصافية يرتووا من عذوبتها، ويستلهموا من جمالها، ويعيدوا لي عز الماضي وألق الحاضر، لأعود كما كنت، لغة الضاد الأصيلة مرة أخرى..