في قرية هادئة بصعيد مصر، حيث تتداخل حكايات الواقع بأنسجة الخيال الشعبي، استقرت هند مع زوجها، بعد أن عاشت لسنوات في المدينة الكبيرة تدرس الفلسفة. امرأة شابة تؤمن بالمنطق الصارم وترفض بعناد التصديق بأي شيء لا يخضع للتجربة والملاحظة. كان لدراستها عامل كبير في إيمانها أن لكل ظاهرة تفسيراً، وأن العلم وحده من يملك مفاتيح الفهم الحقيقية. كانت تقضي لياليها تقرأ بشغف في كتب الطب والفلسفة الوضعية، مؤمنة أن الخوف يجب أن يُبنى على الحقائق الملموسة، لا على أساطير بالية.
تتذكر جيداً يوم أن جاءت إحدى جاراتها تبكي بحرقة، وتقول إن "عين حسودة" أصابت ابنها الصغير، فغطته بالملح الخشن ودارت به حول المنزل سبع مرات، تتمتم بتعاويذ غير مفهومة. حينها قالت لها هند، وهي تمسك بكتاب في يدها: "بدل ما تلفي بيه زي التايهة، خديه لأقرب دكتور، يمكن عنده نقص كالسيوم حاد! الملح مش علاج يا أم سامي، دي خرافات قديمة".
ضحكت الجارة باستهزاء ، لكن في النهاية، وبعد إلحاح من زوجها، ذهبت للطبيب فعلاً، ووجدت أن الطفل يعاني من نقص حاد في فيتامين د، ووصف له الطبيب علاجاً بدأ يؤتي ثماره تدريجياً.
وفي مرة أخرى، كانت الحاجة عائشة، والدة حسام زوج هند، تحذرها بجدية من ترك المقص مفتوحاً طوال الليل على منضدة الخياطة، قائلة :"بيقص البركة من البيت يا بنتي!".
لكن هند ردت بابتسامة ساخرة وهي تغلق المقص بعناية:"أنا بقص بيه قماش يا حاجة، مش بركة!."
حتى في ليلة زفافها، حين أصرّت بعض النسوة على كسر طبق خزفي أمام عتبة منزلها الجديد "لطرد الحسد وجلب السعد"، رفضت هند تماماً هذا الطقس الغريب.
قالت بهدوء وثقة: "أنا متعلمة يا جماعة، ومش هدوس على حاجات مكسورة عشان أوهم نفسي بالأمان. الأمان بيجي بالاحتياط والتوكل على الله."
كان الجميع ينظر إليها بإعجاب ممزوج بالتحفّظ التقليدي، لكنهم يعرفون أن "هند بنت المثقفين" مختلفة، لا تؤمن إلا بالدليل القاطع، ولا تخشى إلا المرض الحقيقي والمنطق السليم.
كانت حياتها مستقرة وهادئة حتى جاء اليوم الذي أخبرها فيه الطبيب بابتسامة واسعة: "مبروك يا مدام هند، أنتِ حامل في تؤام!" لم تصدق نفسها من فرط الفرحة، وضمّت صورة الأشعة الثلاثية الأبعاد إلى صدرها بحنان بالغ وكأنها تحمل كنزاً ثميناً. لكن هذه الفرحة العارمة لم تدم طويلاً. لم تكن تعلم أن حملها الثمين هذا سيضعها قريباً في مواجهة خرافة صعيدية قديمة، آمن بها الجميع في القرية لدرجة جعلتها حقيقة راسخة في عقولهم لا يقبل أحد إنكارها أو حتى التشكيك فيها.
عندما عاد حسام إلى المنزل في ذلك المساء، وجد أمه الحاجة عائشة تجلس مع بعض نساء الحي، يتبادلن أطراف الحديث بصوت خفيض. وبمجرد أن علموا بالخبر السعيد، تبدلت تعابير وجوههن تدريجياً، ولم تمر سوى لحظات قليلة حتى همست الحاجة عائشة بصوت خافت لكنه محمل بالتحذير والقلق العميق:
"لازم تجيبي قفص خشب كبير من دلوقتي يا بنتي!"
هند نظرت إليها بدهشة وبعض الاستغراب: "قفص؟ ليه يا حاجة؟ هنربي فراخ جديدة ولا إيه؟"
"عشان التوأم يا بنتي، ربنا يتمم لك على خير. التوأم بيتغيروا لقطط سودة بالليل، ولو حد أذى قطة منهم، لا قدر الله، ممكن الطفل التاني يموت بنفس الأذى!"
ضحكت هند بسخرية خفيفة، محاولة تبديد هذا الهراء بعقلها المنطقي، لكنها لم تجد في عيون النساء المحيطات بها أثراً للهزل أو حتى الشك. حاولت أن تشرح لهن أن العلم الحديث لا يقول بذلك، وأن هذه مجرد أساطير لا أساس لها من الصحة، لكنهن لم يكنّ في حاجة إلى العلم أو المنطق، فقد كانت لديهن القصص المتوارثة، شهادات حية من الماضي.
"عارفة حسن بتاع البلد اللي جنبنا؟" قالت امرأة مسنة تجلس في الزاوية، صوتها يحمل نبرة اليقين: "كان عنده توأم زي القمر، وفي ليل من الليالي حد غضبان في البلد ضرب قطة سوداء بالعصاية كسر رجلها، تاني يوم الصبح لقوا ابنه الصغير ميت بنفس الكسرة اللي كانت في رجل القطة!"
امرأة أخرى هزت رأسها مؤكدة القصة وأضافت بجدية: "وأنا كنت صغيرة، شفت بعيني توأم جيراننا الله يرحمهم وهما خارجين من بيتهم في جنح الليل في هيئة قطط سوداء بتتمسح في الحيطان!"
هند لم تكن تؤمن بالخرافات، لكنها وجدت نفسها محاطة بها من كل جانب، كأنها محاصرة بسور من المعتقدات الراسخة. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالنساء البسيطات، بل حتى بعض الرجال المتعلمين في القرية كانوا يؤمنون بتلك الحكايات الغريبة.
ذات مساء، وبينما كانت تتحدث مع جارهم الحاج منصور، وهو رجل مُسنّ متعلم ويحظى باحترام الجميع في القرية، حاولت أن تستخدم سلاحها المعتاد، المنطق، وقالت له ممازحة:
"أنت راجل متعلم ومحترم يا حاج منصور، أكيد متصدقش الكلام ده عن القطط والعيال!"
لكنه نظر إليها بجدية وعينيه تحملان نظرة قلقة، وقال بصوت منخفض:
"فيه حاجات في الدنيا دي يا بنتي ما ينفعش العلم وحده يفسرها، يا هند مش كل حاجة مكتوبة في الكتب هي الحقيقة المطلقة!"
"يعني انت مصدق بجد إن الأطفال التوأم ممكن يتحولوا لقطط بالليل؟ ده كلام مش منطقي أبداً!"
هز رأسه ببطء وقال بنبرة تحمل شيئاً من التحذير: "انا شوفت حاجات بعيني يا بنتي، ومش عايزك تستهتري بيها. الدنيا فيها أسرار أكتر ما نعرفها." كان كلامه أشبه بوخزة باردة اخترقت صدرها، كيف لرجل عاقل ومحترم مثله أن يصدق مثل هذه الخرافات؟
لكن ما حدث بعد ذلك، بدأ يهز قناعتها الراسخة وجعل عقلها المنطقي يتوقف عن المقاومة الصلبة…
في إحدى الليالي الهادئة، زارتها صديقتها سعاد، وهي تحمل على وجهها مزيجاً غريباً من الخوف والدهشة والقلق.
"أنا مش عايزة اخوفك يا هند، بس فيه حاجة غريبة لازم تعرفيها."
"إيه يا سعاد؟ قلقتيني!"
"امبارح بالليل، ابني يوسف كان نايم كويس زي الملاك، وصحي الصبح مش قادر يحرك رجليه، كأنه جسمه مش فيه روح. قعدت أفكر طول الليل هو إيه اللي حصل لابني فجأة، لحد ما افتكرت…"
بلعت سعاد ريقها بصعوبة ثم همست بصوت مرتعش: "بالليل، وأنا برمي الزبالة برا البيت، شفت قطة صغيرة مرمية في التراب، حد كان ضاربها بعصاية غليظة، ودمها كان مغرق الأرض. وقتها زعلت عليها بس ما فكرتش في حاجة تانية، لكن الصبح ابني مش قادر يتحرك، كأن روحه مش موجودة في جسمه!"
هند شحبت فجأة، وشعرت بقلبها يدق بسرعة جنونية. حاولت أن تجد تفسيراً منطقياً لما قالته سعاد، لكن عقلها رفض بشدة الربط بين الأمرين، رغم أن شيئاً غريباً في داخلها بدأ يهتز ويتزعزع.
لم يمر يومان ثقيلان حتى جاءت جارتها أم محمود إلى منزلها وهي ترتجف ارتعاشاً واضحاً.
"يا هند، فيه حاجة غريبة أوي بتحصل في بيتي!"
"إيه يا أم محمود؟ طمنيني!"
"امبارح بالليل كنا بنسخّن الفرن الطين عشان نخبز العيش البلدي، وأول ما النار ولعت كويس، التوأم بتوعي، محمود وأحمد، قعدوا يصرخوا بهستيريا، كأن في حاجة بتحرقهم! حاولت أهديهم وأضمهم، لكنهم فضلوا يعيطوا بصوت عالي لحد ما طفيت النار، وساعتها… سكتوا فجأة كأن مكنش فيه حاجة!"
هند شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها، رغم حرارة الجو. حاولت أن تقول لنفسها إنه مجرد صدفة غريبة، لكن عندما رفعت رأسها لتنظر إلى السماء، رأت قطة سوداء تجلس بثبات على سطح منزلها، تراقبها بعينين لامعتين وبنظرة ثابتة كأنها تفهم كل شيء. "القطة دي كانت بتبص علينا يا هند! كانت مركزة معايا أنا والعيال كأنها عارفة كل اللي حصل!"
لكن الدليل الأقوى والأكثر إيلاماً لم يأتِ من حكايات الآخرين، بل رأته هند بعينها ذات صباح. استيقظت على صوت بكاء مكتوم يأتي من غرفة ابنها الصغير. هرعت إليه لتجده يمسك بكتفه الصغير وكأنه يشعر بألم حاد. عندما كشفت ملابسه برفق، وجدت خدشاً أحمر طويلاً على جلده الناعم، كأنه أثر جرح قديم بدأ يلتئم، رغم أنها متأكدة تماماً أنه لم يكن موجوداً قبل نومه. في الليلة السابقة، كانت تسمع أصوات صراخ قطط عالية ومزعجة في الخارج، وعندما خرج حسام ليرى ما يحدث، وجد قطة سوداء مصابة بجرح غائر ينزف في نفس المكان تماماً الذي ظهر عليه الخدش الغريب على كتف ابنهما في الصباح!
لم تعد هند قادرة على التفكير بوضوح ومنطق. كل دليل جديد كان يدفعها خطوة أخرى نحو حافة التصديق بشيء كانت ترفضه بكل جوارحها. معقول كل هذه الأحداث الغريبة والمتزامنة تكون مجرد صدفة؟
حسام، الذي كان يحاول طوال الوقت تهدئتها وطمأنتها بضرورة البحث عن تفسير طبيعي، بدأ هو الآخر يشعر بشيء من الارتباك والقلق. لم يعد متأكداً تماماً من أن لكل شيء تفسيراً علمياً بسيطاً.
وفي إحدى الليالي المظلمة، استيقظت هند على صوت مواء ناعم ورقيق يأتي من خلف نافذة غرفة نومها. اقتربت ببطء شديد، ورفعت طرف الستارة بحذر، فرأت قِطَّتين صغيرتين، سوداوين كالفحم، تجلسان على حافة النافذة، تحدقان بها بأعين مضيئة وخضراء تخترق ظلمة الليل. شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدها، ويدها التي تمسك بالستارة ترتجف ارتعاشاً لا إرادياً. نظرت بعينين مذعورتين إلى السرير بجوارها، فوجدته فارغاً تماماً.
في تلك اللحظة المروعة، لم تعد هند تعرف على وجه اليقين إن كانت تعيش في عالم الواقع الذي تؤمن به، أم أنها سقطت فجأة في بحر الخرافات المرعبة التي بدأت تكتسب ملامح الحقيقة الملموسة أمام عينيها.