أسر فقيرة تُجبر على تسريب فتيات من التعليم في سوهاج

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت حبيبة حجازي
2026-06-09 17:00:01

"كنت في الخامسة عشرة من عمري، أحلم باستكمال تعليمي والالتحاق بالثانوية العامة وتحقيق هدفي في أن أصبح طبيبة في المستقبل، لكن الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار حطمت هذا الطموح"، بهذه الكلمات تسرد أروى محمد، 16 عامًا، حكايتها مع التسرب من التعليم.

في بداية العام الدراسي الحالي، اضطرت أروى التي تعيش في نجع العرب بمحافظة سوهاج، إلى ترك الدراسة بعد أن أصبح والدها غير قادر على تحمل تكاليف تعليمها، رغم حصولها على مجموع 269 من 280 بنسبة 96% في الشهادة الإعدادية، وهو ما كان يؤهلها للالتحاق بالثانوية العامة واستكمال حلمها.

فتيات خارج المدرسة

تقول أروى: "كل الأسعار مرتفعة، من الكتب الخارجية إلى الدروس الخصوصية ومستلزمات الدراسة، ووالدي يعمل مدرس لغة عربية في مدرسة حكومية ويتقاضى راتبًا يبلغ 6800 جنيه، بالكاد يوفر لنا الطعام والشراب أنا وأشقائي الذكور". 

تعكس حكاية أروى واقعًا مأساويًا تعيشه فتيات في المناطق الريفية بمحافظة سوهاج، حيث تدفع الضغوط الاقتصادية العديد من الأسر إلى إخراج بناتهن من التعليم المتوسط، ما يحرمهن من استكمال دراستهن وتحقيق طموحاتهن المستقبلية، في ظل غياب برامج الدعم الكافية من وزارة التربية والتعليم.

- بحسب البنك الدولي، تراجع الإنفاق على مراحل التعليم قبل الجامعي في مصر، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 2.8% عام 2016 إلى 1.8% عام 2020.

كما تظهر الأرقام أن عدد المتسربين كليًا من التعليم في المرحلتين الابتدائية والإعدادية خلال عام 2023-2024، وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ 59 ألفًا و497 طالبًا، منهم 32 ألفًا و840 في المرحلة الابتدائية و26 ألفًا و657 في المرحلة الإعدادية. 

تؤكد أروى أن الاختيار وقع عليها هي للخروج من التعليم دونًا عن أشقائها: "كان نفسي أكمل تعليمي، وأدخل ثانوي وأحقق حلمي، لكن الظروف كانت أقوى مني".

تشير البيانات إلى أن نسب تسرب الفتيات تفوق الذكور في المرحلة الإعدادية (المتوسط)، إذ بلغت نسبة التسرب بين الإناث 1.9% مقابل 1.6% للذكور. 

وعلى مستوى محافظة سوهاج، شهدت أعداد المتسربين من الصف الإعدادي زيادة ملحوظة، حيث ارتفع العدد من 2482 طالبًا وطالبة في العام الدراسي 2021-2022 إلى 5094 في 2022-2023، مما يعكس تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي في المحافظة.

فجوة تعليمية

تصف الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، هذه الأرقام بأنها ضخمة ولها تأثير سلبي مباشر على الأسر والمجتمع في الحاضر والمستقبل من الناحية الاجتماعية: "تسرب الفتيات من التعليم يساهم في تعميق أزمات الفقر وزيادة التفكك الأسري، إلى جانب انتشار ظواهر الزواج المبكر والعنف الأسري".

بينما تشير دراسة صادرة عن المركز المصري إلى أن معدلات تسرب الإناث من التعليم شهدت تراجعًا أقل مقارنة بالذكور، مرجعة ذلك بالأساس إلى ظاهرة الزواج المبكر، فيما أوضحت إحدى الدراسات المنشورة في مجلة العلوم الاجتماعية أن الفقر يمثل السبب الرئيسي وراء تسرب الفتيات من التعليم مقارنة بالذكور.

تصل نسبة الأمية في محافظة سوهاج حتى عام 2024 إلى 24.9% من إجمالي عدد السكان البالغ 5 ملايين و896 ألفًا و259 نسمة، ما يعني أن عدد الأميين بالمحافظة يُقدَّر بنحو مليون و468 ألف شخص تقريبًا.

يؤكد محمد سيد، الباحث في ملف التعليم بـالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الظروف المادية تعد السبب الرئيسي وراء تسرب الفتيات من التعليم في الريف، إذ تشكل الحالة الاقتصادية للأسر العامل الأساسي في هذا التسرب، موضحًا أن زيادة المراحل التعليمية ترتبط بارتفاع حجم الإنفاق على التعليم.

تنص المادة 19 من الدستور المصري لعام 2014 على: "التعليم حق للمواطن وهدف لبناء الشخصية والمواطنة، وهو إلزامي ومجاني حتى المرحلة الثانوية".

يضيف لـ"أهل سوهاج": "في كثير من الأسر تفضل استمرار تعليم الذكور على الفتيات، باعتبار أن تعليم الفتاة لا يمثل أولوية، ما يدفع بعض العائلات إلى إخراج البنات من التعليم أولًا عند التعرض لأزمات اقتصادية أو ارتفاع تكاليف الدراسة".

ذلك ما حدث مع ملك حشمت، 16 عامًا، من مركز المراغة بمحافظة سوهاج، إذ فضّل والدها إخراجها من التعليم العام الماضي وهي في الصف الثاني الإعدادي، مقابل استمرار أشقائها الذكور في الدراسة، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأسرة.

- يشير تقرير البنك الدولي إلى اتساع الفجوة التعليمية بين الأطفال وفقًا للوضع الاقتصادي للأسر المصرية، إذ بلغ معدل التحاق أطفال الأسر الأكثر فقرًا بمرحلتي رياض الأطفال والثانوية نحو 22%، مقابل 55% بين أطفال الأسر الأعلى دخلًا. 

يعمل والد ملك "فاعلًا" بأجر يومي يبلغ 250 جنيهًا، لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية أو نفقات التعليم: "كان نفسي أكمل تعليم لكن بسبب التكلفة المادية على والدي فضل تعليم باقي إخواتي على تعليمي".

تصل نسبة الإنفاق على التعليم إلى 2.1% بين الأسر التي يعولها "أمي"، و3.2% لمن يقرأ ويكتب، و4.2% للحاصلين على شهادة أقل من المتوسط، فيما ترتفع إلى 5.5% لدى الحاصلين على مؤهل متوسط أو أقل من الجامعي، وتصل إلى 10.2% بين الحاصلين على شهادة جامعية، بحسب الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد السيد، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

أسر تحت ضغط الفقر

يوضح السيد أن هذه الأرقام تعكس وجود علاقة مباشرة بين المستوى التعليمي لرب الأسرة وحجم الإنفاق على التعليم، مشيرًا إلى أن معدلات الإنفاق في الريف تظل أقل مقارنة بالحضر، نتيجة ارتفاع نسب الفقر في القرى والمناطق الريفية، وهو ما ينعكس على زيادة معدلات تسرب الطلاب من التعليم، خاصة الفتيات.

ويضيف: "الفقر يعد أحد نتائج السياسات الاقتصادية، وأن انخفاض إنفاق الأسر على تعليم أبنائها يؤثر بشكل مباشر على فرصهم في استكمال التعليم".

- حتى عام 2022 وصل متوسط ما تنفقه الأسرة المصرية على التعليم وملحقاته نحو 12.5% من إجمالي دخلها السنوي، بإجمالي إنفاق يصل إلى 12 ألفًا و829 جنيهًا سنويًا.

لم تكن تهاني محمد، تتجاوز العشرين من عمرها حين أصبحت أمًا لثلاثة أبناء، بعدما قادها التسرب من التعليم إلى الزواج المبكر في سن صغيرة. تقطن تهاني في مركز المراغة بمحافظة سوهاج، وكانت قد تركت الدراسة في الصف الأول الإعدادي عقب وفاة والدها، بعدما عجزت والدتها عن تحمل نفقات تعليم خمس فتيات.

وبصفتها الابنة الكبرى، اضطرت تهاني إلى ترك التعليم والعمل داخل أحد محال السوبر ماركت لمساعدة والدتها في توفير احتياجات الأسرة واستكمال تعليم باقي أشقائها.

وبعد عامين فقط من تسربها من التعليم، انتهى بها الأمر إلى الزواج المبكر، لتجد نفسها مسؤولة عن أسرة وأطفال في سن صغيرة. 

وتوضح الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، أن الفتاة تصبح الحلقة الأضعف داخل الأسرة عند التعرض لأزمات اقتصادية، إذ يُنظر إلى تعليمها باعتباره أمرًا يمكن الاستغناء عنه مقارنة بالذكور، ما يدفع بعض الأسر إلى إخراج البنات من التعليم والزج بهن في سوق العمل أو تزويجهن في سن مبكرة لتخفيف الأعباء المعيشية.

 - يستمر طفل واحد فقط في مصر من كل طفلين من الأسر منخفضة الدخل في التعليم، مقارنة بما يقرب من 90% من أطفال الأسر الأعلى دخلًا، فيما لا يُكمل نحو 48% من أطفال الأسر الفقيرة المرحلة الإعدادية. 

يقترح محمد سيد، الباحث في ملف التعليم، دعم الحكومة للأسر غير القادرة على تعليم أبنائها ماديًا ما يضمن استمرارهم في التعليم، وتنفيذ مجانية التعليم بشكل واقعي، وتتفق معه الدكتورة جيهان النمرسي، التي ترى أن هناك ضرورة لوجود بحوث اجتماعية حول الأوضاع المادية للأسر غير القادرة على إبقاء أبنائها بالمدارس في ظل التضخم.

يظل الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة عائقًا يحرم آلاف الفتيات من حقهن في التعليم، ويدفع بعضهن إلى العمل أو الزواج المبكر في سن صغيرة.

أُجريت المقابلات في حضور ذوي الفتيات ممن هن أقل من 18 عامًا

جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهن وحفاظًا على هويتهن