في نهاية كل عام دراسي لطلاب الصف الثاني الثانوي، يبرز التساؤل الذي يزلزل عقول الطلاب، ممن لا يهتمون بدخول الشعبة الأدبية: علمي علوم أم علمي رياضة؟
هو صراع يتجاوز مجرد اختيار مواد دراسية، ليصبح خطة طويلة المدى للمستقبل، بين مشرط الجراح وبُرْج المهندس.
هذا الاختيار يبدأ من فهم طريقة تفكيرك؛ فإذا كنت تجد متعتك في تفكيك الأشياء وفهم "المنطق" الذي يحرك الآلة، وتمل من الحفظ، فأنت مهندس بالفطرة. أما إذا كان يستهويك فهم "الحياة" في أدق صورها، وتمتلك صبرًا على استيعاب التفاصيل الحيوية المعقدة، فأنت تميل إلى جانب البالطو.
أما عن المستقبل المهني، فلم يعد الأمر مقتصرًا على الطب والهندسة بالمعنى التقليدي؛ فمسار العلوم يمتد ليشمل الصيدلة والعلاج الطبيعي والعلوم الحيوية وطب الأسنان وحتى التمريض، بينما يفتح مسار الرياضة أبواب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وفنون العمارة.
ويظهر الفارق الجوهري هنا في "فلسفة الرحلة" والزمن؛ فالطب طريق "طويل النفس" يتطلب سنوات من الدراسة والامتياز قبل الاستقرار المهني، بينما الهندسة مسار يسمح باقتحام سوق العمل وبناء الكيان المادي بسرعة أكبر فور التخرج.
وفي حين يظل القطاع الطبي هو الأكثر استقرارًا وطلبًا، نجد أن لغة العصر تهرول نحو "الأكواد" التي يبرع فيها طلاب الرياضة. لكن المثير في نظامنا التعليمي الحديث هو ذوبان تلك الحدود الحديدية؛ حيث أصبح بإمكان طالب العلوم دخول كليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي (قسم المعلوماتية الحيوية)، كما تفتح كليات تكنولوجيا العلوم الصحية والعلوم وحتى الاقتصاد والعلوم السياسية ذراعيها للقسمين معًا، مما يتيح لك أن تكون "تقنيًا بروح علمية" مهما كان تخصصك.
ولكي تحسم قرارك الآن، توقف عن النظر إلى المجموع واسأل نفسك: هل تتقبل فكرة المسؤولية المباشرة عن أرواح البشر والتعامل مع معاناتهم يوميًا، أم تفضل التعامل مع لغة الأرقام والآلات؟
هل يزعجك الجلوس لساعات لحل معضلة رياضية واحدة، أم يزعجك الجلوس لساعات لحفظ تفاصيل شفرة وراثية؟
تذكر أن المستقبل لا يعترف بمن دخل "كلية قمة" ليرضي المجتمع، بل بمن وجد نفسه في المكان الصحيح؛ فالعالم يحتاج إلى من يرمم أجساد البشر بقدر حاجته إلى من يبني مدنهم.