"لماذا؟" التي لا يسمعها أحد

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت جنة الله أشرف عطية
2025-10-19 13:57:27

في أي حوار هناك كلمة تفتح أبواب النقاش وهي "لماذا؟"

لكنني اعتدتُ أن هذا السؤال يتردد على لسان أشخاص في نفس سني، دون انتظار إجابة.

كغيرها من الأسئلة الأخرى التي تصنع حوارًا حقيقيًا مثل؛ "ما الذي تشعر به؟" و"كيف يمكنني أن أفهمك؟" أو "هل هناك ما يزعجك؟" -فهي غائبة- وكأنها وُلدت في لغة لا نتحدثها.

وأشارك في أحاديث لا تكتمل ولا تنمو، تبدأ بطلب بسيط أو رغبة إنسانية وتنتهي بمقارنة... مقارنة تخنق أي محاولة للحديث.

قبل عامين فقط، كنت الفتاة التي لديها أصدقاء كثيرين، كنت محورًا في فصلي، والآن... لا أحد، لا يوجد معلم يسمعني ولا زميلة تحتضنني ولا بيئة تمنحني الأمان، كل شيء أصبح طاردًا وخانقًا ومرهقًا.

فكرت أن الحل قد يكون الانتقال من مدرستي، إذ شعرت أن المكان لا يُضيف لي شيئًا وأن وقتي يُهدر بلا فائدة، لم يكن ذلك السبب الوحيد… بل لأنني أشعر بالعزلة الكاملة، باقي الفتيات في الفصل لا يتحدثن معي بل يرمقنني بنظرات ساخرة، يضحكن من ظهري وأحيانًا أمامي.

لم يستمع لي أحد أو يحاول تفهم ألمي، انهالت المقارنات عليّ بزميلاتي، شعرت وكأن المشكلة معي أنا، بل أحيانًا، خاصةً مع اقتران الحجج في أثناء النقاش بطرح صفات إيجابية في أخريات، دون الإشارة إليّ، وكأنني السبب، والخلل ناتج مني.

لم يستمع أحد لي حول كيف أفكر، فبالنسبة للآخرين ما زلت غير ناضجة. لمدة طويلة لم يشيد أحد بأي إنجاز فعلته أو حتى محاولاتي، مثل حصولي على المركز الأول العام الماضي على مستوى المدرسة، بدرجات نهائية في جميع المواد، شعرت بالفخر بنفسي وبصبري وجهودي، وتمنيت أن يحتفل بي أحد، بشكل مميز دون أن يؤثر على هذا الإنجاز كون زميلتي حصلت على نفس المجموع.

لم أسمع كلمة "مبروك" ولا "أحسنتِ"، بل سُئلت باستهجان: "كيف يمكن لتلك الفتاة أن تكون في نفس الصدارة معك؟! إنها لا تمتلك قدراتك ولا تعليمك ولا فهمك!".

وفي هذه اللحظة فقط، سُمِح لأدوات الاستفهام أن تظهر... لكن ليس لتفهمني بل لتُشككني بنفسي.

حينها، أردت أن أقول الحقيقة الصامتة: ما الذي يمنع ذلك؟ وهل هذا يقلل من حصولي على الدرجة النهائية؟.. لكنني لم أتكلم.

الآن، من غير وعي، أصبحت أقارن نفسي بالآخرين دون توقف، صارت المقارنة سُمًّا يتسرب إليّ، يهزّ ثقتي ويمزق روحي ويستهلكني نفسيًا وجسديًا.

لماذا لا أكون كافية وأمنح القبول حتى وإن لم أقم بأي إنجاز؟

لماذا لا يُقال: "انظري إلى مدى نضجك وتفكيرك، إلى قوتك في التعبير وإصرارك في الصمت، رغم كل شيء؟"

لماذا لا يرونني كاملة كما أنا، دون ميزان أحد آخر؟

في داخلي، تتكدّس كلمات كثيرة لا أجرؤ على قولها، أود أن أقول: "ربما كانت الحياة فيما سبق مختلفة، وربما كان هناك سُبل راحة لم تعد موجودة، وربما نحن جيل نحتاج إلى فهم مختلف، لا صلابة فقط".

لكنني أصمت، لأنني أعلم أنني إن تكلمت، فلن تُسمع كلماتي، بل ستُعاد نفس المقارنة، وتُغلق نفس الأبواب.