في اللحظة التي يتوق فيها العقل إلى هدنة، يُعلن الصخب حربه على الجميع، حين يسعى طالب لتثبيت معلومة، أو مريض لالتقاط أنفاسه من وجع، تنفجر مكبرات الصوت، كأنها طلقات تطارد السكون.
كنت أجلس ذات يوم مع صديقاتي، ومرت بجوارنا "زفة" عروس، كادت أصوات مكبرات الصوت تخترق أذاننا، فتذكرت إحدى صديقاتي وتدعى "سلمى" عندما كانت طالبة في الثانوية العامة، وتستعد لامتحان مصيري، تحاول اقتناص ساعة تركيز وسط ضغط المذاكرة وتراكم الدروس، لكن صخب الحفل المجاور قاطعتها، حتى أصبحت القراءة أشبه بمحاولة التفكير داخل إعصار، فما كان منها إلا المغادرة إلى مكان آخر، أملًا في الهروب من الضجيج، لكنه كان يحاصرها في كل مكان.
وبدلًا من تضييع الوقت، قررت سلمى الذهاب إلى أحد المقاهي على أمل العثور على ركن هادئ؛ لمراجعة ما تبقى من دروس، ولكن عندما جلست حاصرتها الموسيقى الصاخبة، ونقاشات بأصوات مرتفعة، جلست في صمت محاطة بضجيج لا يرحم.
عادت "سلمى" إلى المنزل من دون تحقيق شيء يذكر، وفي اليوم التالي داهمتها أصوات من نوع آخر، توفي أحد الجيران، وارتفع النواح من جهة، وتلاوة القرآن الكريم في مكبرات الصوت من جهة.
ما عاشته سلمى ليس مجرد موقف عابر بل نموذج حي لتلوث سمعي يؤثر على ملايين الأشخاص،
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن التعرض المستمر لمستويات صوت تتجاوز 85 ديسيبل لمدة ثماني ساعات يوميًا يشكل خطرًا على الصحة السمعية والجسدية.
كما أظهرت دراسة نشرت في مجلة Environmental Health Perspectives، أن الأطفال والطلاب الذين يعيشون في بيئات صاخبة يعانون من بطء في الاستيعاب، وتراجع في الأداء الأكاديمي، وزيادة في القلق والتوتر مقارنة بمن يعيشون في بيئات هادئة.
أما الوكالة الأوروبية للبيئة فتقدر أن التلوث السمعي يسهم في أكثر من 12000 وفاة مبكرة سنويًا في أوروبا، نتيجة للإجهاد المزمن و أثر الضوضاء على القلب والمناعة وجودة النوم.
رغم خطورة هذا التلوث على الصحة العامة يبقى الصمت القانوني حاضرًا في المشهد المصري، فالمادة 42 من قانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994 تنص على ضرورة ألا تتجاوز الضوضاء في المناطق السكنية 55 ديسيبل نهارًا و45 ليلًا، لكن الواقع يحكي شيئًا آخر، فمكبرات الصوت في الأفراح والمآتم ووسائل المواصلات تتجاوز في أحيان كثيرة 100 ديسيبل دون وجود رقابة أو تطبيق فعّال للقانون.
لم تكن معاناة سلمى استثناء بل انعكاسًا لمجتمع لم يعد يرى السكينة ضرورة، ولم يعد الصوت المرتفع مجرد ضجيج، بل بات سلوكًا اجتماعيًا يمارس علنًا ويبرر تحت لافتات الفرح أو الحق في التعبير أو "كل الناس كده"، حيث أصبح الاحتفال إعلانًا قسريًا، والحزن غزوًا صوتيًا، وكأن الخصوصية في المشاعر لم تعد خيارًا مطروحًا.
هذا كله ليس فقط تعدٍ على الهدوء بل إنهاك تراكمي للأعصاب والنفس والعقل يمارس بلا وعي ويبرر باسم الاعتياد، فخفض الصوت لا ينقص من بهجة الفرح، ولا يقلل من مشروعية الحزن، ولا ينتقص من قوة الشعور، لكنه يعبر عن شيء أعمق، وهو إدراك بأننا نعيش معًا وأن حدود راحتنا تنتهي حيث تبدأ راحة الآخرين، والسكينة ليست رفاهية هي حاجة إنسانية مثل الماء والنوم والهواء، والضوضاء المستمرة ليست تفاصيل مزعجة يمكن تجاهلها بل شكلًا من أشكال التعدي الصامت الذي لا يُرى، لكنه يتعب، ويشتت، ويرهق من لا يملك إلا أن يتحمل، فلعل بيننا من يحتاج أن يسمع صوت نفسه، أو يستعيد أنفاسه بهدوء.