على وقع رائحة الدخان وصيحات الاستغاثة، استيقظ محمد أحمد، أحد سكان عزبة خير الله بالقاهرة، بعدما عاد لتوه من عمله كحرفي، ليجد النيران تلتهم جزءًا كبيرًا من منزله في 16 يونيو 2026. وعلى مدار ساعة، حاول بمساعدة عدد من الأهالي إخماد الحريق قبل وصول قوات الحماية المدنية، التي تمكنت من السيطرة عليه.
لكن النيران كانت قد أتت على منزل عائلته المكون من ثلاثة طوابق، فيما أصيب محمد بحروق في يده في أثناء محاولته إنقاذ المنزل، ويقول إن الحريق بدأ من تراكمات قمامة، قبل أن يمتد إلى مصنع أخشاب ملاصق لمنزله، ثم ينتقل إلى العقار.

حرائق تلتهم المنازل
ولم تكن خسائر محمد استثناءً. في 16 يونيو الماضي، اندلع حريق داخل مصنع أخشاب "مغلق" بعزبة خير الله، قبل أن يمتد إلى خمسة عقارات مجاورة، ملحقًا خسائر جسيمة بالمصنع والمنازل، ومعرضًا عشرات الأسر للخطر، فيما أعلنت محافظة القاهرة عدم وقوع إصابات أو وفيات.
يعاني سكان عزبة خير الله من انتشار مصانع الأخشاب أسفل العقارات ووسط الكتل السكنية، رغم طبيعة نشاطها القابل للاشتعال. وخلال السنوات الماضية، تسببت هذه المصانع في حرائق متكررة أسفرت عن تدمير منازل وإصابة سكان، وسط غياب معايير السلامة والوقاية من الحرائق.

تقع عزبة خير الله، جنوبي القاهرة، ضمن نطاق أربعة أحياء هي: مصر القديمة، ودار السلام، والبساتين، والخليفة، نظرًا لاتساع مساحتها التي تبلغ نحو 480 فدانًا. ويقطنها ما يقرب من 650 ألف نسمة.
- تكفل المادة 78 من الدستور حق المواطنين في سكن آمن يحفظ الكرامة الإنسانية، وتُلزم الدولة بوضع خطة وطنية للإسكان تراعي الخصوصية البيئية، بما يضمن توفير بيئة سكنية آمنة للمواطنين.
زيادة وتيرة الحوادث سنويًا
ولم يكن أحمد هو الضحية الوحيدة لحرائق "مغالق" الأخشاب. في العام 2021، أصيبت فاتن محمود، إحدى سكان عزبة خير الله، بحروق في قدميها، بينما تعرض طفلها لحروق في يده، إثر حريق اندلع بمنزلها الكائن بشارع نجاح، بجوار المعهد الديني، حيث يجاور المنزل "مغلق" أخشاب ومخزن.
تقول: "لم انتبه لإصابتي وقت الحريق لانشغالي مع الأهالي بمحاولة إخماد النيران، وبعد ذلك ظللت عام كامل أنا وطفلي في رحلة علاج للتعافي من آثار الحروق".

وكانت "صوت السلام" رصدت في عام 2021 حريقًا اندلع داخل ورشتي أخشاب، امتد إلى ثلاثة عقارات مجاورة، فيما أفاد سكان، بتدمير معظم أثاث منازلهم، إلى جانب تعرض بعضها للسرقة عقب الحريق.
اليوم، يعيش محمد أحمد التجربة نفسها بعد احتراق منزله بالكامل: "خسرت بيتي وبيت والدتي وأختي، وحاليًا بنام في مساحة لا تتخطى مترين لأن باقي البيت مدمر، غير الحروق اللي في إيدي. أنا محتاج تعويض من المحافظة ببيت جديد وعلاج، لأن وجود مغالق الخشب بجوار منزلي مش مسؤوليتي".
ورغم تنفيذ محافظة القاهرة مشروعًا لتطوير عزبة خير الله عام 2021 بتكلفة بلغت 57.6 مليون جنيه، لم تتضمن أعمال التطوير نقل "مغالق" الأخشاب من المنطقة، وذلك رغم اندلاع حريق في العام نفسه. واقتصرت الأعمال على تطوير المدخل الرئيسي للعزبة، وعدد من الشوارع، من بينها عمر بن الخطاب، والإمامين، والخيالة، وعبد الخالق الطحاوي، والمحجر، إلى جانب تطوير وحدتي الرعاية الصحية بالمنطقة.
وتكشف جولة ميدانية أجرتها "صوت السلام" انتشار ما بين 10 و12 مغلقًا للأخشاب بشارع نجاح والشوارع المتفرعة منه، إذ يعمل بعضها في الطابق الأرضي للعقارات السكنية، بينما يقع بعضها الآخر في أراضٍ ملاصقة للمنازل، بما يزيد من مخاطر امتداد الحرائق إلى الكتلة السكنية.
ويأتي ذلك رغم أن المادة 49 من قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 تُلزم بتطبيق اشتراطات تأمين المباني ضد الحرائق وفقًا للكود المصري لأسس التصميم وشروط التنفيذ، فيما تشترط المادة 5 من قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 استيفاء متطلبات السلامة المهنية والحماية المدنية قبل الترخيص بمزاولة النشاط.
لا خطط للنقل
ويرى الدكتور مجدي صليب، المدير السابق للمركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية، أن وجود مصانع ومخازن الأخشاب داخل الكتل السكنية يمثل خطرًا جسيمًا على حياة السكان، واصفًا إياها بأنها "بؤر نار" وسط الأحياء.
ويوضح لـ"صوت السلام" أن اشتراطات السلامة المطبقة في المناطق الصناعية تختلف عن تلك الواجب توافرها داخل المناطق السكنية، مؤكدًا أن استمرار نشاط "مغالق" الأخشاب في عزبة خير الله يعرّض السكان لمخاطر صحية وبيئية، فضلًا عن احتمالات الحرائق التي قد تسفر عن إصابات أو وفيات، ما يستوجب نقلها إلى منطقة صناعية مخصصة.
وبحسب دراسة أنثروبولوجية وعمرانية أصدرها مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) عام 2022، تطور النشاط الصناعي في عزبة خير الله مع انتشار "مغالق" الأخشاب على امتداد أحد المحاور الرئيسية بالمنطقة، وهو طريق ضيق وغير ممهد.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الورش تضم منافذ لبيع الأخشاب، إلا أن غياب الضوابط واشتراطات السلامة يجعلها أكثر عرضة لاندلاع الحرائق، وهو ما يثير مخاوف السكان باستمرار.
وتتكرر هذه المخاطر في شهادات السكان. ففي عام 2018، قضى أحمد عبد الله، أحد سكان العزبة، نحو ثلاث ساعات يحاول إخماد حريق اندلع في مصنع أخشاب مجاور وامتد إلى منزله، ما أدى إلى احتراق أكثر من نصف أثاثه وإصابة زوجته بحروق في كتفيها.
يوضح أنه طالب محافظة القاهرة آنذاك بتعويض عن الخسائر ونفقات علاج زوجته، لكنه لم يحصل على أي تعويض، قبل أن يقضي عامين في علاجها وإعادة تأثيث منزله.
في المقابل، يرى أحد مالكي "مغالق" الأخشاب، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن نقل الورش من المنطقة لا يمكن أن يتم دون توفير بديل مناسب، موضحًا أنه يعمل في العزبة منذ 14 عامًا، ويمتلك مصنعًا ومخزنًا يوفران فرص عمل لنحو 100 عامل. ويحمّل المحافظة مسؤولية توفير منطقة بديلة، معتبرًا أن تراكم القمامة هو السبب الرئيسي لاندلاع الحرائق التي تمتد لاحقًا إلى الأخشاب ثم المنازل.
وبحسب مراجعة أرشيف الصحف المحلية، شهدت عزبة خير الله حرائق متكررة بمصانع الأخشاب خلال السنوات الماضية، من بينها حريق عام 2018 الذي طال ثلاثة مصانع على مساحة ألف متر مربع، وحريق عام 2021 الذي امتد إلى ثلاثة عقارات، ثم حريق يونيو الماضي الذي ألحق أضرارًا بخمسة عقارات.
تُلزم المادة 251 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 المنشآت باتخاذ جميع احتياطات الوقاية من الحرائق وفقًا لاشتراطات وزارة الداخلية.
لم تتلقَّ "صوت السلام" ردًا من الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، رغم التواصل معه هاتفيًا وعبر تطبيق "واتساب" للاستفسار عن إجراءات المحافظة لمعالجة الأزمة.
يحاول محمد التعايش داخل منزله المدمر والحروق التي طالت يده، بينما أحمد أمضى عامين يعيد بناء ما فقده ويعالج زوجته، ولا تزال فاتن محمود تعيش على وقع الخوف من أن يتكرر الحريق مرة أخرى، هذه المرة بالقرب من أطفالها، في واقع لا ذنب لهم فيه.