في فبراير الماضي، استيقظت رانيا محمد، 33 عامًا، مبكرًا كعادتها، واصطحبت أبناءها الثلاثة إلى مدرسة المنيرة الابتدائية بالسيدة زينب، بعد رحلة يومية تقطعها من حي دار السلام باستخدام المترو ووسائل النقل المختلفة، لتصل قبل طابور الصباح.
لكن صباح ذلك اليوم لم يكن كغيره؛ فوجئت رانيا بحديث متداول بين أولياء الأمور أمام بوابة المدرسة عن صدور قرار بنزع ملكية المدرسة يطبق بعد العام الدراسي الحالي، دون وجود معلومات واضحة لدى الإدارة أو المدرسين حول مصير الطلاب. حاولت الاستفسار، إلا أنها لم تحصل على إجابات حاسمة.

ارتفاع وتيرة نزع ملكية المدارس
وحين تأكدت من أن المدرسة وقعت في نطاق نزع الملكية دون أن يُحدد للطلاب بديل، قررت نقل أبنائها إلى مدرسة أخرى قريبة، وهي تعلم أن استقرارهم الدراسي بات مهددًا: "القرار صدر بشكل مفاجئ بدون ما يكون فيه بديل أو مدة للبحث عن بديل وأنا مش هستنى لما العيال متلاقيش مكان تدرس فيه لازم أنقلهم السنة دي".
ما حدث لأبناء رانيا جاء في أعقاب قرار الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، رقم 191 لسنة 2026، بشأن نزع ملكية مدرسة المنيرة الابتدائية الرسمية للغات التابعة لإدارة السيدة زينب التعليمية. وأكد أن قرار الاستيلاء المؤقت على موقع المدرسة جاء في إطار قانوني واضح، بهدف ضمان استمرار العملية التعليمية دون تعطيل، إذ أن المدرسة محل القرار مملوكة ملكية خاصة وتُدار من خلال وزارة التربية والتعليم وفقًا له.

بينما الدستور المصري في المادة 19 يؤكد على حق كل مواطن في التعليم المجاني بمراحله المختلفة داخل مؤسسات الدولة التعليمية، مع إلزاميته حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها.
لكن خلال السنوات الأخيرة، لم يعد قرار نزع ملكية المدارس حالة فردية، بل أصبح يتكرر في أكثر من محافظة، مما انعكس بشكل مباشر على استقرار العملية التعليمية وأثار مخاوف أولياء الأمور بشأن مصير أبنائهم.
وفق قاعدة بيانات أنشأتها معدّة التقرير من خلال حصر قرارات نزع ملكية الأبنية التعليمية المنشورة في أرشيف الصحف، نزعت الحكومة المصرية ملكية 46 مدرسة على مستوى الجمهورية خلال الخمس سنوات الماضية، بينها 5 مدارس في عام 2022، و4 مدارس في 2023، و9 مدارس في 2024.
وتشير هذه الأرقام إلى تزايد ملحوظ في وتيرة هذه القرارات، وهو ما يضع الأسر أمام تحديات جديدة، أبرزها اضطرار الطلاب للانتقال إلى مدارس بديلة، وما يصاحبه من أعباء مادية ونفسية.

دون معلومة واضحة
نفس المصير تعرضت له ميرفت عباس، 41 عامًا، مُدرسة رياضيات بمدرسة المنيرة وولية أمر لابن بالصف الخامس الابتدائي، تقول إن المدرسة لم تُطلعهم على مصيرهم كمعلمين أو على مصير الطلاب والطالبات، ما دفعها إلى اتخاذ قرار بنقل نجلها إلى مدرسة أخرى بالسيدة زينب وإنهاء العام الدراسي الحالي في مدرسة المنيرة، لتجنب خسارة عام دراسي كامل.
وتشير ميرفت إلى أن عملية النقل من مدرسة إلى أخرى وإعادة قيد ابنها تعتبر مرحلة مرهقة وطويلة، نظرًا للجهد المبذول والتكاليف المادية: "في احتمال إني أفقد عملي كمعلمة، لكن برغم كل ده، أعتقد أن نقل ابني هو القرار الصح في ظل عدم إعلان المدرسة رسميًا عن نقل الطلاب إلى مدارس بديلة".
يتسق ذلك مع دراسة نُشرت في ديوان العمران بعنوان "باسم المنفعة العامة: 492 فدانًا من الملكيات الخاصة تحت قرارات الدولة"، والتي أوضحت أن عام 2025 سجّل أعلى عدد في قرارات نزع الملكية، حيث نُزعت ملكية 24 مدرسة بمساحة تقارب 91,437.638 مترًا مربعًا، ما أثر على حياة 215 شخصًا متضررًا.
حددت الدراسة القطاعات الأكثر تأثرًا بقرارات نزع الملكية، وجاء قطاع الأبنية التعليمية في المرتبة السادسة، عبر قرارات موزعة على تسع محافظات، بينها الجيزة، الإسكندرية، البحيرة، الدقهلية، الغربية، المنوفية، دمياط، الشرقية، بني سويف، وقنا.
وعلق إبراهيم عز الدين، مؤسس ديوان العمران، إنه لا يوجد حصر واضح لإعادة تخصيص أو نزع ملكية أراضٍ مملوكة لوزارة التربية والتعليم لصالح مشاريع قومية، بسبب غياب المعلومات الدقيقة عن نوع العقار المنزوع، مؤكدًا أن السنوات الخمس الأخيرة لم تشهد أي حصر محدد لعدد المدارس التي نزعت ملكيتها.
وأضاف عز الدين لـ"صوت السلام" أن الأزمة تكمن في أن العديد من أراضي المدارس ليست مملوكة للدولة، إذ تكون المدارس قائمة على عقد إيجار مع مالك الأرض، ويبدأ سيناريو نزع الملكية بعد انتهاء مدة العقد ورفع المالك قضية لاسترداد الأرض، كما حدث في نموذج مدرسة المنيرة الابتدائية.

تهديد الحق في التعليم
وأربك القرار دعاء عبد الله، ولية أمر طالبة في مدرسة المنيرة الابتدائية، والتي قررت البدء في تغيب ابنتها عن اليوم الدراسي وحضور الدروس الخصوصية فقط حتى تتعود، كما شرعت في إجراءات نقل أوراقها إلى مدرسة علم الدين الابتدائية التابعة لإدارة السيدة زينب التعليمية.
وأوضحت أنها سألت إدارة المدرسة أكثر من مرة عن مصير الطلاب، لكنها لم تحصل على رد واضح، ما دفعها للبحث عن بدائل لضمان استمرار تعليم ابنتها خوفًا من أن تغلق المدرسة بشكل مفاجئ هذا العام".
وقالت دعاء: "أنا قلقانة أتفاجى في الشهور الجاية إن المدرسة اتقفلت، ويكون وقت التقديم في المدارس خلال فترة الصيف انتهى، مقدرش أضحي بسنة من عمر بنتي".
ويشير الدكتور محمد كمال، المتحدث باسم نقابة هيئة التدريس المستقلة والمتخصص في الحق في التعليم، إلى أن قرار نزع ملكية المدرسة يؤثر بالسلب على الطلاب وأولياء الأمور، ويعرضهم للتوتر والقلق بشأن خسارة العام الدراسي.
ويوضح كمال لـ"صوت السلام" أن الوزارة ملزمة بتوفير مدرسة بديلة للطلاب قبل تنفيذ قرار نزع الملكية، على أن تتبع نفس الإدارة التعليمية ولا تبعد كثيرًا عن محل سكنهم.
ويؤيده عمر عيد، محامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة لم يوضح موقف المدارس ضمن قرارات النزع، إذ يسمح القانون بنزع ملكية العقار بغض النظر عن نوعه أو وظيفته، شريطة أن يكون ذلك في إطار مشروعات المنفعة العامة.
وأضاف أن هذا الأمر يحوّل العملية إلى تواصل داخلي بين الجهات المسؤولة فقط، مثل هيئة الأبنية التعليمية في وزارة التربية والتعليم والمحافظة، بعد صدور القرار، دون إشراك أو إعلام أولياء الأمور أو الإدارات المدرسية بشكل واضح.
بينما يؤكد المتحدث باسم النقابة أن مثل تلك القرارات تُسبب قلق عام لدى أولياء الأمور نتيجة القلق من فقدان العام الدراسي.
وتنفق الأسرة المصرية سنويًا نحو 5,361 جنيه على التعليم، بما يمثل حوالي 8.6% من متوسط إنفاقها، مقابل 21,282 جنيهًا على الطعام والشراب بنسبة 34.2%، و11,380 جنيهًا على المسكن ومستلزماته.
كما تنفق نحو 1,953 جنيهًا سنويًا على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية، وفق إصدار "إنفاق الأسرة المصرية على التعليم" لعام 2017/2018 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

موقف الأبنية التعليمية
ووفق أرشيف الأخبار، شهد عام 2026 نزع ملكية أربع مدارس حتى الآن، من بينها مدرسة المنيرة الابتدائية الرسمية للغات. ويجيز قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990، في مادتيه الأولى والثانية، نزع الملكية لتنفيذ مشروعات المنفعة العامة.
وفي سياق أوسع للأزمة، لم تقتصر قرارات نزع ملكية المدارس على مدرسة المنيرة فقط، إذ قامت وزارة التربية والتعليم بنزع ملكية مدرسة طه شبرا الابتدائية بمحافظة المنوفية في فبراير الماضي، بمساحة قدرها 502.31 متر مربع، كما شملت القرارات مدرسة العبابسة الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية في يناير الماضي، بمساحة 962 متر مربع وهي أبرز القرارات التي صدرت خلال العام الحالي حتى الآن.
ويوضح المحامي عمر عيد لـ"صوت السلام" أن القانون لا يوفر أي ضمانات لحق الطلاب في التعليم، وأن الجهات المعنية تعتمد على قلق أولياء الأمور من خسارة أبنائهم عامًا دراسيًا، ما يدفعهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى قبل تنفيذ القرار، دون أن توفر لهم الدولة مدرسة بديلة.
ورفضت أسماء سعيد، مديرة مدرسة المنيرة، مقابلة معدة التقرير لتوضيح عدد الطلاب ومصيرهم الحالي. وأكد أحد أفراد أمن المدرسة أن "المديرة ترفض المقابلات الصحفية منذ صدور قرار نزع الملكية".
ويشير تقرير الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026 إلى أن مخصصات التعليم بلغت 315.1 مليار جنيه، ما يمثل 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن النسبة العالمية للإنفاق على التعليم وصلت إلى 3.5% في عام 2023، بحسب بيانات مجموعة البنك الدولي.
وحاولت "صوت السلام" التواصل مع محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، عبر الهاتف وواتساب، للحصول على رد الوزارة بشأن موقف مدرسة المنيرة وسبب زيادة وتيرة نزع ملكية الأبنية التعليمية، لكنها لم تتلق ردًا. كما تواصلت مع شادي زلطة، المتحدث باسم الوزارة، ومحافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، دون تلقي أي رد.
وفي ظل هذا الغموض، تعيش دعاء وميرفت ورانيا قلقًا مستمرًا على مستقبل أبنائهن الدراسي، وسط ارتفاع وتيرة نزع ملكية المدارس، وما يترتب على ذلك من تهديد مباشر لحق الطلاب والطالبات في التعليم.