تتصفح ريهام محمد، 40 عامًا، هاتفها بين لحظة وأخرى، علّها تجد رسالة القبول التي تنتظرها من التأمين الصحي فرع القاهرة، إذ إنها قدمت خلال يوليو الماضي طلب حجز سرير داخل مركز أورام هرمل (مستشفى دار السلام العام) لإجراء عملية استئصال جزئي لورم في الثدي، لكنه ما زال "قيد الانتظار".
أوضح لها موظف بالمستشفى أن التأمين لم يعد يغطي الإقامة في مستشفى "جوستاف روسيه"، الذي تولّى إدارة وتشغيل مركز هرمل بعد تحويله إلى منشأة تُدار بنظام استثماري: "قالوا أن أسِرّة الرعاية مكتملة ولا يوجد مكان آخر بعد أن أصبح التأمين لا يغطي الإقامة".
إدارة خاصة… وأسرة رعاية لا تصل للمرضى
يعود هذا التحول إلى قانون تنظيم منح إنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية رقم 87 لسنة 2024 "قانون تأجير المستشفيات"، الذي منح المستثمرين حق إدارة وتشغيل المستشفيات العامة في مصر لفترات تتراوح بين 3 و15 عامًا.
وبموجب هذا القانون، وقّعت وزارة الصحة في فبراير الماضي عقدًا مع المعهد الفرنسي جوستاف روسيه لإدارة وتطوير مستشفى هرمل لمدة 15 عامًا.

لكن هذه الخطوة -بحسب خبراء ومرضى- قلّصت فرص الحصول على سرير رعاية في مستشفى حكومي، وأدخلت المرضى في دوامة من الانتظار الطويل أو رفض العلاج على نفقة الدولة، بعدما أصبحت بعض المستشفيات الحكومية تُعامل إداريًا كمنشآت خاصة.
- يضم هرمل 16 سرير رعاية عامة، و5 أسرة تنفس صناعي، و18 سرير رعاية مركزة لمرضى الأورام، إلا أن هذه الأرقام لم تعد تعني شيئًا للمرضى المسجلين في قوائم التأمين الصحي بعد دخول المستشفى ضمن نطاق الإدارة الخاصة.
بالنسبة لريهام التي تقطن في مدينة السلام بالقاهرة، لم يكن الانتظار مجرد مسألة وقت، بل خطرًا على حياتها، إذ أنها بعد 20 يومًا من الانتظار، أُجريت لها الجراحة في مستشفى هرمل ولكن متأخرة عن موعدها وفق ما أكده طبيبها المعالج، الذي شدد على أن حالتها كانت تتطلب تدخلًا عاجلًا، ورغم ذلك، طُلب منها مغادرة المستشفى في اليوم التالي للعملية، بحجة أنها لم تعد بحاجة إلى متابعة طبية.
- تنص المادة 18 من الدستور على أن: "حق المواطن في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، كما يُلزم الدولة بالحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة وتوسيع نطاقها الجغرافي العادل".
ويُظهر القطاع الصحي في مصر تراجعًا واضحًا في عدد الأسرّة خلال الفترة من عام 2018 حتى 2021، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في عام 2018 بلغ عدد الأسرّة على مستوى الجمهورية 95,683 سريرًا، ليتراجع في العام التالي إلى 92,599 سريرًا، أي بانخفاض نحو 3 آلاف سرير خرجوا من المنظومة الصحية.
وفي عام 2020 استمر التراجع ليسجل العدد 88,597 سريرًا، بانخفاض يقارب 4 آلاف سرير إضافي، ثم وصل في عام 2021 إلى 83,034 سريرًا فقط، ما يعكس تدهورًا تدريجيًا في القدرة الاستيعابية للمستشفيات العامة خلال أربع سنوات متتالية.
وتدخل مستشفى مبرة المعادي، وهليوبوليس، والعجوزة، والشيخ زايد آل نهيان، وأورام دار السلام (هرمل)، ضمن قانون تأجير المستشفيات، حيث أعلن وزير الصحة خالد عبد الغفار، في مايو 2024، أن الوزارة طرحهم للقطاع الخاص.
- تبلغ الطاقة الاستيعابية لمستشفى المبرة 116 سريرًا و13 عيادة تخصصية، وتخدم نحو 60 ألف مواطن سنويًا، كما تُجري ما يقرب من 11 ألف عملية جراحية كل عام، وتقع المستشفى في شارع 6 بحي المعادي، ما يجعلها الأقرب جغرافيًا لسكان حي دار السلام.
مساحة واسعة للمستثمر داخل المستشفيات
يؤكد عمر عيد، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لـ"صوت السلام"، إن أزمة قانون تأجير المستشفيات تكمن في المساحة الواسعة التي يمنحها للمستثمرين داخل المنشآت الصحية، إذ تسمح المادة الثانية بتشغيل ما يصل إلى 25% من العمالة وإدارة المنشأة بالكامل لمدة تصل إلى 15 عامًا.
ويرى أن تطبيق القانون في ظل تراجع الخدمات الصحية العامة وتزايد شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على سرير أو رعاية مناسبة، يجعل منه قانونًا لا يتناسب مع واقع المنظومة الصحية الحالية.
يتفق معه محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء: "توسّع الحكومة في خصخصة القطاع الصحي سيؤدي إلى احتكار القطاع الخاص للخدمة الطبية وتقليص عدد الأسرّة المتاحة للمرضى"، موضحًا أن عدد أسرّة الرعاية المركزة في المستشفيات الخاصة بلغ 40 ألف سرير قبل تطبيق قانون الخصخصة".
فقدت المنظومة الصحية في مصر 12,649 سريرًا خلال ثلاث سنوات فقط، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في حين ارتفع عدد الأسّرة الخاصة ليصل إلى 34,470 سريرًا عام 2021
ظل إسلام شوقي، 39 عامًا، يسابق الوقت بحثًا عن سرير رعاية لوالده الذي كان يعاني من أمراض مزمنة متعددة، بينها ارتفاع ضغط الدم والقلب والسكري، ومع تدهور حالته الصحية قبل وفاته بأسبوع خلال شهر أغسطس الماضي بسبب خلل في وظائف الكبد والكلى، أصبح بحاجة ماسة إلى سرير رعاية مركزة.
يحكي شوقي، الذي يقطن في حي السيدة عائشة، أنه تنقل بوالده فاقد الوعي على كرسي متحرك بين مستشفيات القصر العيني ومعهد ناصر والدمرداش، في محاولة يائسة للعثور على سرير، لكن الرد كان واحدًا في كل مرة: "مفيش سرير لوالدك"، اتصل شوقي بالخط الساخن 127 التابع لوزارة الصحة لتوفير سرير رعاية لوالده، وبعد تسجيل بياناته أُبلغ بأن حالته على قوائم الانتظار، لكنه لم يتلق أي رد خلال يومين، ليفارق والده الحياة دون أن يحصل على الرعاية اللازمة، إذ لم يتمكن من نقله إلى مستشفى خاص، نظرًا لارتفاع تكلفة السرير التي تبلغ في المتوسط نحو 15 ألف جنيه لليلة الواحدة.
- تنفق الأسر المصرية نحو 6407 جنيهات سنويًا على الخدمات الصحية، بينما يبلغ متوسط إنفاقها على الطعام والشراب 19,229 جنيهًا سنويًا، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف ما يُنفق على الصحة.
الخصخصة تقوّض حق الرعاية الصحية
يوضح محمود فؤاد: "ما زاد الأمر تعقيدًا هو أن مخصصات الصحة ما زالت ثابتة عند 3% من الناتج القومي منذ سنوات، رغم أنه من المفترض أن تصل إلى 7% أو 8% لمواكبة النمو السكاني وارتفاع تكاليف التشغيل"، مشيرًا إلى أن تكلفة سرير الرعاية المركزة وصلت إلى نحو 7 ملايين جنيه.
- يصل متوسط عدد الأسرّة في المستشفيات العامة 1.2 سرير لكل ألف نسمة، رغم زيادة مخصصات القطاع الصحي في الموازنة العامة للدولة لعام 2025/2026 إلى 617.9 مليار جنيه، مقارنة بـ128.2 مليار جنيه في العام السابق.

ورغم هذا الارتفاع، ما زالت مخصصات الصحة أقل من النسبة الدستورية الملزمة -وهي 3% من الناتج القومي الإجمالي- في وقت يبلغ فيه متوسط الإنفاق الحكومي العالمي على الصحة نحو 10.8%.
إلا أن مصطفى عنتر، 30 عامًا، من مدينة حلوان فقدّ صديق عمره بسبب عدم توفر سرير رعاية مركزة في مستشفيات الدمرداش العام وقصر العيني، إذ تعرّض صديقه "حسن" لحادث دراجة بخارية على الطريق الدائري، أُصيب على إثره بارتجاج في المخ، فلجأت أسرته إلى مستشفى خاص طلبت 9 آلاف جنيه لليلة الواحدة، لتدفع الأسرة 45 ألف جنيه خلال 5 أيام قبل أن تُجبر على إخراجه لعجزها عن تحمل التكاليف.
- لا يتجاوز عدد أسِرّة الرعاية المركزة في القاهرة 936 سريرًا فقط، يخدمون 10,390,238 نسمة.
بلغ إجمالي عدد المستفيدين من التأمين الصحي 53.651 مواطن حتى عام 2021، بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كما قُدرت عـدد المستشفيات التابعة للقطاع الحكومي 664 مستشفى في عام 2021، بينما المستشفيات الخاصة بلغت 1145 مستشفى.
بحث عنتر عن سرير رعاية لصديقه في مستشفيات القاهرة لكن دون جدوى، وظل يتصل على الخط الساخن 137 أكثر من 50 مرة يوميًا على مدار يومين دون استجابة، حتى تلقى اتصالًا من والدة صديقه تخبره بوفاته: "حسن كان صاحبي القريب.. حاولنا بكل الطرق، لكن مكنش فيه سرير متاح".
يتسق ذلك مع الملاحظات التي نشرها مشروع حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة في تقرير له بعنوان "مستشفيات مصر العامة للبيع وصناعتها عالية الجودة مهملة"، أبرزها غياب آلية واضحة لتسعير الخدمات بعد نقل إدارتها للقطاع الخاص، ما يتيح للمستثمرين رفع الأسعار، فضلًا عن أن القانون يؤسس لشراكة غير محددة الملامح بين القطاعين العام والخاص.
كما أشار التقرير إلى أن الإنفاق الحكومي على الصحة لم يتجاوز 1.6% من الموازنة العامة منذ عام 2016، مخالفًا للدستور الذي يُلزم الدولة بإنفاق 3% من الناتج القومي، إلى جانب تجاهل مصير العاملين من أطباء وتمريض حال تقليص العمالة، واختتم التقرير بتوصيات تدعو إلى زيادة عدد الأسرة بالمستشفيات العامة ورفع مخصصات الصحة بما يتوافق مع نص الدستور.
تواصلت "صوت السلام" مع خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، عبر الهاتف وواتساب، للحصول على تعليق حول تراجع أعداد الأسرّة وعلاقته بقانون "تأجير المستشفيات"، لكنها لم تتلقَ أي رد، كذلك لم نتلق ردًا من أشرف حاتم، رئيس لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب.
يؤكد فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، أن المنظومة الصحية في مصر بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة، لأن الخصخصة بصورتها الحالية تُضعف الحق في الرعاية الصحية وحق المريض في سرير علاج.
أما المرضى وأسرهم، فما زالوا يعيشون معاناة الفقد؛ ريهام تخشى أن يُطلب منها إجراء عملية جديدة لا يغطيها التأمين، وعنتر لا يزال يشعر بالذنب لفقدان صديقه دون رعاية، بينما شوقي لا ينسى صوت الخط الساخن وهو يكرر: "لا يوجد سرير".