إنشاء مستشفيات وانتشال القمامة.. وعود للتنفيذ أم دعاية انتخابية؟

صورة أرشيفية لأعضاء مجلس النواب

كتب/ت مريم أشرف
2025-10-19 14:30:00

في الثالثة فجرًا، تقف كريمة عبداللطيف، 49 عامًا، من سكان حي دار السلام بالقاهرة، أمام مستشفى المنيرة، تتألم من نوبة فتق حادة لازمَتها منذ ثلاث سنوات، بعدما أجبرها الألم على مغادرة منزلها، بحثًا عن مستشفى طوارئ حكومية تستقبلها، لم تجد أمامها سوى المنيرة التي تبعد عن الحي 8.2 كيلومترات وتخدم أيضًا سكان منطقة السيدة زينب، ما يجعل الحصول على الخدمة الطبية هناك أمرًا شاقًا على سكان دار السلام.

في العام الأول من مرض كريمة، نصحها طبيب في المنيرة بضرورة المتابعة الدورية لكن بعد المسافة حال دون ذلك: "المنيرة بعيدة عليا ومفيش في دار السلام طوارئ حكومي والعيادات الخاصة مقدرش عليها، أنا يدوب مربية أطفال وبنضف البيوت.. بيطلع لي في الشهر 5 آلاف وعندي تلات عيال في المدارس".

لا تقتصر معاناة بُعد المستشفيات الحكومية على كريمة وحدها، بل هي أزمة يعيشها سكان حي دار السلام بأكمله، إذ يفتقر الحي لوجود مستشفى عام يخدم سكانه، رغم تكرار وعود نواب الدائرة منهم محمد مطر، عضو لجنة حقوق الإنسان عن دائرة دار السلام، بإنشائه أكثر من مرة. 

هذه الأزمة تمثل جزءًا من صورة أوسع لوعود انتخابية لم تتحقق خلال الدورة التشريعية الماضية 2020-2024، من بينها حل مشكلة المواقف العشوائية وإنشاء موقف ميكروباصات منظم ومستشفى عام وأزمة القمامة، وتعود هذه القضايا إلى الواجهة مع اقتراب انتخابات مجلس النواب التي تُعقد في نوفمبر المقبل.

افتقار للخدمات الصحية

يؤكد الدكتور محمد حسن خليل، رئيس جمعية الحق في الصحة، أن الحل في حالة حي دار السلام لا يكمن فقط في إنشاء مستشفى عام قريبة من الحي، بل في بناء هرم متكامل للخدمات الصحية، وتوفير مركز طبي قريب من السكان يقدم الرعاية الأولية والعلاج لأنه حق أصيل لكل مواطن.

- تنص المادة 18 من الدستور المصري على أحقية كل مواطن في الرعاية الصحية المتكاملة، وفقًا لمعايير الجودة.

دعاية انتخابية في دار السلام

ويضيف خليل في تصريحاته لـ"صوت السلام" أن المشكلة الأعمق ترتبط بتراجع قطاع الصحة في مصر بشكل عام، ونقص المستشفيات العامة، مبينًا: "لذا كان على النواب الاهتمام بقطاع الصحة كأولوية في التشريع الماضي لاسيما في الأحياء الفقيرة".

في يناير 2021، قدم النائب البرلماني محمد مطر طلب لتحويل مكتب صحة دار السلام "أبو أشرف" إلى مستشفى مجهز، مؤكدًا أن الحي الأكثر كثافة سكانية في القاهرة ويستحق مستشفى مركزي، وفي 2022، كرر الطلب لرئاسة المجلس ووزارتي الصحة والتنمية المحلية بسبب غياب المستشفى المركزي، وفي أبريل الماضي، حصل حي دار السلام على قطعة أرض بميدان المطبعة لتشييد مستشفى جراحات اليوم الواحد

دعاية انتخابية في دار السلام

لكن هذه المطالبات لم تتجاوز حدود الخطابات والمراسلات الرسمية، ولم تُترجم إلى خطوات تنفيذية على الأرض، وظل مشروع إنشاء المستشفى المركزي حبيس الوعود، وفق جولة ميدانية قامت بها "صوت السلام" في تلك الأرض.

يجيب الدكتور مختار الغباشي، المحلل السياسي ورئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، على تساؤل، هل ينتهي دور النائب بتقديم الطلبات للجهات المعنية فقط؟، بتوضيحه: "دور النائب لا يقتصر على تقديم طلبات الإحاطة فحسب، بل يمتد إلى متابعة هذه المطالب منذ لحظة تقديمها وحتى تنفيذها على أرض الواقع".

وعود انتخابية الدكتور مختار غباشي المحلل السياسي

ويوضح لـ"صوت السلام" أن التجربة خلال الفصل التشريعي الماضي، كشفت عن أن معظم النواب لم يكونوا على قدر كافٍ من الكفاءة في تمثيل ناخبيهم، إذ إن العضو -إلى جانب تقديم طلبات الإحاطة والمناقشات- يمتلك صلاحيات أوسع مثل سحب الثقة أو استجواب الجهات أو المسؤولين المعنيين حتى يجبر السلطة على تنفيذ الحلول المطروحة.

-تنص المادة 130 من الدستور المصري، على حق أي عضو بمجلس النواب في استجواب رئيس الوزراء أو نوابه أو الوزراء حول مسائل ضمن اختصاصهم، على أن يُناقش الاستجواب خلال مدة بين 7 أيام و60 يومًا، إلا في حالات الاستعجال وبموافقة الحكومة.

بينما يؤكد المحامي الحقوقي نجاد البرعي، أن أداء نواب الفصل التشريعي الماضي أدى إلى حرمان الناخبين وأبناء الدائرة من حقوقهم الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والتنقل والسكن، وهو ما يتعارض مع الدور الرقابي والتشريعي للنواب.

ويوضح لـ"صوت السلام" أن بعض النواب في الدوائر الانتخابية بالأحياء الفقيرة يستغلون ضعف الخدمات كوسيلة للدعاية الانتخابية، لكن بعد فوزهم لا تُنفذ تلك الوعود.

المواقف العشوائية

على صعيد المحليات لم يكن الأمر أفضل، إذ طالب سكان حي دار السلام منذ سنوات بضرورة توفير موقف "ميكروباصات" منظم دون استجابة، من بينهم سمير محمد، أحد سكان منطقة فايدة كامل، الذي يواجه معاناة مستمرة بسبب غياب موقف منظم لـ "ميكروباصات" المنطقة. 

المواقف العشوائية والدعاية الانتخابية

يسكن سمير في عقار يطل مباشرةً على موقف عشوائي لـ "الميكروباصات" في الشارع، ما يتسبب في زحام دائم أمام منزله ويعطل حركة المرور، بعدما اختار السائقون هذا المكان بديلًا لغياب موقف رسمي.

يصف سمير إحدى المواقف التي واجهها قائلًا: "كنت بحاول أطلع عفش لبيتي عن طريق ونش في الشارع، لكن حصلت خناقة مع السواقين، لأنهم شايفين إن الونش بيعطلهم"، مشيرًا إلى أن الأزمة قائمة منذ سنوات دون حل، فضلًا عن الضوضاء المستمرة التي تزيد من معاناته.

ويضم حي دار السلام موقفًا منظمًا وحيدًا في ميدان المطبعة، يخدم سكان جزيرة دار السلام وشارع مصر حلوان الزراعي، فيما لجأ السائقون إلى مناطق أمام كوبري دار السلام وأمام شارع عبد الحميد مكي، وحوّلوها إلى مواقف عشوائية بديلة.

وفي أبريل 2023، قدّم النائب مطر، طلب إحاطة لوزارة التنمية المحلية حول غياب الخدمات في حي دار السلام، مشيرًا إلى أن المواقف العشوائية تزيد من الازدحام، مطالبًا بإنشاء موقف منظم، إلا أنه وعد لم يتحقق إلى الآن.

يوضح أحمد صلاح، خبير التنمية المحلية، أن مواقف الميكروباصات العشوائية هي البديل الوحيد لشبكات التنقل المنظمة التي لم توفرها الدولة في الأحياء، لذا على مجلس النواب التعامل بجدية مع هذا الملف بالتنسيق مع المحليات، نظرًا لتعقيداته، إذ تقدم هذه المواقف خدمة حيوية للمواطنين رغم ما تسببه من أزمات مرورية. 

- بلغ عدد المركبات المرخصة في مصر العام 2023 نحو 9.95 مليون مركبة، وتحتل القاهرة المرتبة الأولى بـ2.6 مليون مركبة، وبلغ عدد سيارات الخدمة العامة "الميكروباصات" في القاهرة 30.722 سيارة.

ويضيف لـ"صوت السلام": "لا بد من البحث عن حلول من خلال إشراف ومراقبة المحليات، مع تحرك النواب لتقديم طلبات رسمية، يمكن أن يساهم في معالجة هذه المشكلة بفاعلية".

تؤيده نشوى فؤاد، المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، إذ ترى أن عضو مجلس النواب يجب أن يتمتع بالأهلية القانونية، باعتباره ركيزة أساسية في التشريع، إضافةً إلى خبرته في مجال عمل اللجنة التي يمثلها، ودوره داخل الدائرة التي يترشح عنها، موضحةً لـ"صوت السلام": "النائب لا يجب أن يكتفي فقط بالطلبات ولكن عليه إيجاد حلول فعالة".

أزمة القمامة

يشترك حي دار السلام مع معظم الأحياء الشعبية بمصر في معاناة تراكم القمامة، خاصة في شوارع المحجر ومحمد عبدالكريم والفتح، حيث يلجأ السكان إلى التخلص منها بإلقائها عشوائيًا في الشوارع، نتيجة بُعد صناديق القمامة التابعة لهيئة النظافة عن تلك المناطق.

يقول عاطف حسان، 55 عامًا، من سكان شارع الفتح، إن مشهد القمامة أصبح مألوفًا للسكان، إلى جانب انتشار الروائح الكريهة والحشرات، مضيفًا: "دفعنا مبلغًا لعمال القمامة بشكل خاص عشان يشيلوا القمامة، لكن كل ما تتشال ترجع تتراكم تاني عشان مفيش صناديق خاصة".

دعاية انتخابية في دار السلام

وشارك النائب مطر في اجتماع لجنة حقوق الإنسان مع وزيرة البيئة السابقة، ياسمين فؤاد، في مايو 2021، حيث طالب الوزيرة بالتدخل لحل أزمة القمامة في الحي، لكن في الواقع لم تُتخذ خطوات ملموسة لوضع آليات لمعالجة المشكلة، وظلت إلى الآن القمامة مكدسة في الشوارع رغم مرور ما يقارب أربع سنوات على الاجتماع.

يتوقع البرعي أن استمرار عدم الوفاء بهذه الوعود سيؤدي إلى فقدان ثقة ناخبي الحي في المرشحين، داعيًا السكان إلى اختيار نائب أو نائبة يمتلك خطة واضحة لتوفير الحقوق الأساسية وحل أزمات الحي، بعيدًا عن استغلال فقر الخدمات كأداة دعاية.

بينما يعلق المحلل السياسي الغباشي على الفصل التشريعي السابق، قائلًا: "كانت هناك حلقة مفقودة في السياق التشريعي، إذ كنا أمام صناعة نواب لمجرد شغل مقاعد المجلس، أكثر من كونهم ممثلين حقيقيين عن دوائرهم".

وتشير نشوى فؤاد، المحامية، إلى أن وعود النواب وطلباتهم تشكل جزءًا من علاقتهم بالناخبين، لذلك تنصح الناخبين بالاطلاع على البرنامج الانتخابي لكل مرشح لمعرفة من يستحق منحهم أصواتهم.

لا تهتم كريمة وسمير وعاطف بالبرنامج الانتخابي أو بهوية المرشح القادم عن دائرة الحي في انتخابات مجلس النواب، بقدر ما يهمهم ما إذا كان سيحل مشكلاتهم اليومية، مثل تراكم القمامة وتدهور حالة الطرق وضعف خدمات الصحة والتعليم وتوفير وسائل النقل.