40 دقيقة من الخوف عاشتها رحمة محمود، من سكان شارع الفيوم في حي دار السلام، وهي تنتظر قدوم سيارة الإسعاف التي تأخرت عن الوصول إلى منزلها، بينما والدتها تعاني من أعراض مشابهة لجلطة في المخ نتيجة ارتفاع ضغط الدم المزمن.
بينما كانت تتدهور الحالة الصحية لوالدتها، ظلّت رحمة في حالة من التوتر الشديد، في انتظار مساعدة كانت تحتاج إليها بسرعة، تقول: "وصلت الإسعاف لكنها لم تستطع الدخول لأن الشارع ضيق وغير مؤهل بسبب الازدحام لذا تفاقمت الحالة".
يعيش سكان حي دار السلام هذا النوع من القلق بشكل يومي، نتيجة صعوبة وصول سيارات الإسعاف إلى الحالات الطارئة بالمنازل في الشوارع الضيقة وغير المجهزة، هذه الأزمة تعكس نقصًا حادًا في البنية التحتية، وتهدد حياة المواطنين في حالات الطوارئ أو إصابتهم بمضاعفات وحرمانهم من تلقي العلاج، في غياب رقابة وزارة التنمية المحلية.

الحق في الرعاية
يخالف ذلك نص المادة 18 من الدستور التي تؤكد على: "لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب، ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل".
بينما يعرف قانون "التأمين الصحي الشامل" رقم 2 لعام 2018 في مادته الأولى، الخدمات الإسعافية بأنها: "الخدمات الطبية السريعة، الثابتة أو المتحركة، التي تقدم للمصاب بشكل فوري لتجنب حدوث مضاعفات خطيرة تؤثر على حياته، وتقدم للأشخاص الذين يعانون من أمراض أو نوبات مفاجئة خطيرة بهدف حمايتهم من التأثيرات التي قد تؤدي إلى وفاتهم".
شُخصت والدة رحمة بجلطة في المخ، كان من الممكن إسعافها لو تمكنت سيارة الإسعاف من الدخول في وقت مبكر كما أوضح لها الطبيب: "الإسعاف لم تستطع الدخول، لذا اضطررت لاستخدام وسائل النقل العامة، وأنا أسند والدتي على كتفي، حيث ركبت التوك توك حتى ميدان المطبعة، ومن ثم انتقلت إلى مستشفى المنيرة العامة، وكل ذلك الوقت ضاعف حالتها الصحية".

يبُعد أقرب مركز إسعاف عن منطقة دار السلام حوالي 4 كيلومترات، ويستغرق الوصول إليه نحو 20 دقيقة إذ كانت شوارع الحي خالية، حيث يقع في شارع 105 بمنطقة المعادي، بالقرب من ميدان الحرية.
في 13 يونيو الماضي، قدم النائب محمد تيسير مطر، عضو مجلس النواب عن حي دار السلام، طلب إحاطة لمناقشة أوجه التقصير التي يعاني منها سكان الحي، أبرزها صعوبة دخول سيارات المطافئ والإسعاف إلى المنطقة في حالات الطوارئ بسبب الزحام الشديد، بالإضافة إلى غياب الرقابة على مواقف الميكروباصات العشوائية، مما يحرم الأهالي من حقوقهم الأساسية في الحصول على حياة كريمة.
يعزو الحسين حسان، استشاري التنمية المحلية والتطوير الحضاري، أزمة حي دار السلام في عدم دخول الإسعاف، إلى غياب التخطيط السليم منذ تأسيس الحي، فضلاً عن البناء العشوائي الذي قام به السكان مع موافقة الحكومة.
ويضيف لـ"صوت السلام" أن حي دار السلام له خصوصية داخل القاهرة، كونه من أكثر الأحياء اكتظاظًا بالسكان، ويعاني من مشاكل كبيرة في البنية العمرانية، ما يتسبب في صعوبة وصول الخدمات الأساسية، على رأسها تلقي العلاج والإسعاف.
مضاعفات خطرة
تُظهر هذه القصور بوضوح، رغم ما كشفته بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء العام 2021، أن عدد مراكز الإسعاف على مستوى الجمهورية يبلغ 1535 مركزًا، منها 143 مركزًا فقط في القاهرة، ويخدم في هذه المراكز 697 مسعفًا، أي بمعدل مسعف واحد لكل 30 ألف مواطن.
كما يوجد 824 سائقًا و279 سيارة إسعاف مخصصة للقاهرة، أي سيارة واحدة لكل 76 ألف شخص، وذلك مقارنة بعدد سكان العاصمة الذي بلغ 21 مليونًا و322 ألف نسمة.
يوضح الدكتور هشام عبدالهادي، استشاري أمراض الباطنة، خطورة تأخر وصول عربات الإسعاف للحالات الطارئة في منطقة دار السلام بأنه يعرض المرضى إلى مضاعفات طبية خطيرة، مؤكدًا أن أصحاب الأمراض المزمنة، مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، هم الأكثر عرضة للخطر، لأن عدم تلقي العلاج الفوري يؤدي إلى جلطات وغيبوبة.
يقول لـ"صوت السلام": "قد يفقد المريض حياته، أو على الأقل يعاني من مضاعفات خطيرة تجعل علاج الحالة أكثر صعوبة، وتترك آثارًا جانبية شديدة بعد التعافي".
ذلك ما حدث مع يوسف عبدالرحمن، من سكان شارع الجسر البراني، عندما تعرض لغيبوبة سكر مفاجئة. طلب أبناؤه عربة إسعاف، ولكنها لم تتمكن من دخول الحي بسبب ازدحام الشوارع بالباعة الجائلين، لذا، لجأوا إلى طلب سيارة إسعاف خاصة، ولكنها رفضت أيضًا، ما يبرز تدهور الوضع في الحي.

يوضح أحد أبناء عبدالهادي: "بعد انتظار نصف ساعة طلبنا من أحد الجيران المساعدة بسبب امتلاكه سيارة، ووصلنا إلى معهد السكر بعد وقت طويل ونحن نشعر بالخوف والعجز، وبعد إجراء الإسعافات عاد أبي في تاكسي وليس إسعاف، ومن وقت الغيبوبة وأنا مش حاسس بأمان في المنطقة، وخايف أبويا يتعب تاني لأن ممكن محدش يلحق يسعفه".
حاولت "صوت السلام" تجربة طلب سيارة إسعاف عبر بعض تطبيقات التوصيل الخاصة، والتي لا تتبع هيئة الإسعاف الحكومية، ورغم إبلاغ السائقين بأن هناك مريضًا بحاجة للنقل، من دار السلام إلى مستشفى هرمل أو المنيرة في السيدة زينب، رفض عشرة منهم تنفيذ الرحلة، بسبب ضيق الشوارع وصعوبة الوصول، ما يعكس تحديًا إضافيًا في الحصول على وسيلة إنقاذ بديلة داخل الحي.
وهنا يوضح الحسين أن الحلول التي تقدمها الحكومة حاليًا، مثل تلقي مبلغ التصالح عن المباني المخالفة، هي حلول محلية لا تسهم في تحسين حركة الحي، وتستمر أزمة المرور في دار السلام، مما يعرض حياة السكان للخطر، حيث أن الوصول إلى الإسعاف، وهو حق أساسي لهم، يظل صعبًا وغير مضمون.
حلول عاجلة
يؤيده الدكتور محمد خليل، رئيس مؤسسة "الحق في الصحة" (غير حكومية)، أن تلقي العلاج حق أصيل لكل مواطن، وتوفير الخدمة الإسعافية مسؤولية مباشرة على هيئة الإسعاف، التي يجب أن تضمن وصولها للحالات الطارئة في الوقت المناسب دون عوائق.
ويضيف لـ"صوت السلام" أن المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، مثل حي دار السلام، تحتاج إلى حلول استثنائية، خاصة أن القاهرة تُعدّ من أكثر المحافظات ازدحامًا في مصر، ومن الطبيعي أن تواجه طرقها تكدسًا مروريًا دائمًا.
بينما لا ينكر الدكتور عمرو راشد، رئيس هيئة الإسعاف، أن نقل المرضى إلى المستشفى في الأحياء الشعبية التي تعاني من اختناقات مرورية يواجه تحديات كبيرة، لا سيما أنه ما تزال العملية تعتمد على سيارات الإسعاف التقليدية.
ويوضح أن الهيئة تعمل على تعزيز الوعي المروري والمجتمعي لدعم حركة سيارات الإسعاف في المناطق المزدحمة، مشيرًا إلى أن هناك حلولًا بديلة نفذتها مثل "سكوتر الإسعاف" الذي أطلقته وزارة الصحة في عام 2022، لتقديم الإسعافات الأولية للمريض داخل منزله.
لكن "سكوتر الإسعاف" لم يكن طوق النجاة لما حدث مع صالح محمود، أحد سكان شارع حلوان الزراعي في دار السلام، إذ أن ابنه شُخص بالصرع منذ عام، وتتطلب النوبات الشديدة التي يتعرض لها تدخلًا طبيًا فوريًا لتجنب مضاعفات خطيرة قد تهدد حياته.

يقول محمود إنه كثيرًا ما يضطر إلى التوجه بابنه إلى أقرب مستوصف في الحي، رغم علمه بعدم تخصصه في التعامل مع حالات الصرع، بسبب الحاجة العاجلة للرعاية وعدم قدرة الإسعاف على الدخول: "أعداد السكوتر مش كتير، وأنا عارف إن مفيش دكتور مخ وأعصاب موجود دايمًا، لكن أروح المستوصف أحسن ما أسيبه يموت أو يقطع لسانه بسبب النوبة، لأن الإسعاف مش بتوصل بسرعة".
ويوضح الدكتور محمد حسن خليل، رئيس جمعية الحق في الصحة، أن تلك الوقائع تكشف عن واقع طبي معقد، موضحًا أن بين 20% و40% من حالات الجلطات والأزمات الصحية تكون فترة الاستجابة المثالية لها ما بين 20 دقيقة إلى ساعة، بينما قد تتوفى بعض الحالات في وقت أقل.
بينما يؤكد الدكتور هشام عبد الهادي، طبيب الباطنة، أن حالات الصرع من بين الأكثر حاجة إلى تدخل طبي سريع، لأن التشنجات المصاحبة للنوبات قد تؤدي إلى فقدان الوعي لفترات طويلة، أو إصابات جسدية مثل قطع اللسان، ما يجعل تأخر سيارة الإسعاف خطرًا مضاعفًا على حياة المريض، مشددًا على ضرورة توفير رعاية متخصصة وسريعة لهذه الفئة من المرضى.
ماذا يفعل المسعفون؟
لذا يناور بعض المسعفين لإنقاذ الحالات الطارئة في حي دار السلام، وفق مسعف -تحفظ على ذكر اسمه- يعمل في وحدة إسعاف المعادي في شارع 105، وهي الوحدة المسؤولة عن تغطية حي دار السلام: "الوضع خطير نستغرق 40 دقيقة للدخول إلى شوارع الحي الضيقة وكذلك الخروج منها والتوجه نحو أقرب مستشفى".
ويخدم مركز الإسعاف الوحيد في الحي حوالي 567 ألفًا و516 نسمة (تعداد دار السلام وفق جهاز الإحصاء)، ويتلقى يوميًا ما بين 3 إلى 4 بلاغات من الحي، وفق المسعف، مما يدل على الحاجة الملحة إلى إصلاح البنية التحتية: "تعاملنا مع الحالات أشبه بمهمة مستحيلة، بسبب تكدس الشوارع بالباعة، في شوارع أحمد زكي والفيوم ولا تلقي صفارات الإسعاف استجابة بسبب غياب التنظيم المروري".
يتسق ذلك مع تأكيد اللواء صفوت كامل، خبير المرور، أن أزمة حي دار السلام لا يمكن حلها فقط من خلال الحملات المرورية، لأن الشوارع بالأساس غير ممهدة، مما يجعل تدخل المرور إجراءً مؤقتًا لا يدوم تأثيره.
ويشير لـ"صوت السلام" إلى أن الحل الجذري يكمن في إعادة تخطيط المنطقة عمرانيًا، بما يضمن سيولة مرورية دائمة، مشددًا على ضرورة بناء مركز إسعاف داخلي في الشوارع الرئيسية للحي، بما يسمح بوصول أسرع للحالات الطارئة، إلى حين تطوير البنية التحتية وتمهيد الطرق بشكل فعلي.

بينما يرى حسان، خبير التنمية المحلية، أن الحل يكمن في توجيه أموال التصالح في المخالفات إلى تحسين البنية التحتية لطرق الحي، بما يضمن تفادي كوارث مثل وفاة مريض بسبب تأخر وصول الإسعاف، مؤكدًا: "لا أدعو لهدم المنازل، بل لتحسين الطرق، لأن دار السلام أمر واقع في القاهرة، ويكفي ما تعرض له من تجاهل".
ويقترح الدكتور هيثم خليل، مدير مركز الحق في الصحة، الاستفادة من تجربة دولة أيرلندا التي تواجه تحديات مرورية مشابهة، لكنها نجحت في تطوير نظام إسعاف ذكي يتيح للسيارات فتح الإشارات المرورية تلقائيًا عبر أجهزة تكنولوجية متقدمة، وهو ما ساعد في تقليل عدد الوفيات الناتجة عن تأخر الإسعاف.
ويعد الدكتور عمرو راشد، رئيس هيئة الإسعاف: "نحاول إنشاء مراكز إسعاف قريبة من المناطق المكتظة بالسكان، لتقليل زمن الاستجابة، لكن في النهاية، يظل نقل المريض مرتبطًا بسيارة أو بطائرة هليكوبتر، ولا توجد حتى الآن آلية واضحة للتنسيق الكامل بين المحليات وهيئة الإسعاف لحل هذه الأزمة جذريًا".
حاولت "صوت السلام" التواصل مع منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، وإبراهيم صابر، نائب محافظة القاهرة للمنطقة الجنوبية عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، لمعرفة خططهم حول تطوير البنية التحتية، لكننا لم نتلق ردًا، بينما خالد قاسم، المتحدث باسم الوزارة، رفض التعليق.
فيما أوضح حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، في رده لـ"صوت السلام" على أزمة دخول الإسعاف: "ممكن يعتمدوا على سكوتر الإسعاف كبديل سريع"، لكنه رفض التعليق على سؤال كيفية التعامل مع الحالات الحرجة التي لا يمكن إسعافها بهذه الوسيلة؟.
ما زالت والدة رحمة تعاني من مضاعفات الجلطة التي أصابتها، بسبب تأخر وصول الإسعاف وعجزه عن دخول الشارع، بينما يوسف لم ينس لحظات القلق والعجز التي عاشها وهو يحمل والده في سيارة جارهم، خوفًا من أن تتكرر الغيبوبة دون وجود من ينقذ حياته، بينما سكان دار السلام يواجهون وحدهم مصيرهم في شوارع خانقة، .وبنية تحتية متهالكة تقييد حقوقهم في الرعاية الصحية