تبرعات إجبارية.. مدارس حكومية تفرض رسومًا غير معلنة على أولياء الأمور

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت سلمي الهواري
2026-06-25 12:08:24

في العام الماضي، توجّه محمد مصطفى، 35 عامًا، إلى إحدى المدارس الرسمية للغات لتقديم أوراق نجله للالتحاق بالصف الأول الابتدائي، لم تكن الخطوة سهلة بالنسبة له، إذ كان مثقلًا بالديون بعدما اضطر إلى الاستدانة لتدبير المصروفات الدراسية التي بلغت 25 ألف جنيه، في ظل عمله بأحد المحال التجارية واعتماده على راتب شهري يبلغ 12 ألف جنيه.

وخلال إجراءات التقديم، فوجئ محمد بطلب المدرسة سداد 10 آلاف جنيه إضافية، وعندما استفسر عن سبب المبلغ، أُبلغ بأنه "تبرعات للمساهمة في تطوير المدرسة"، يقول: "تقدمت بشكوى إلى سلام الشرقاوي، عضو مجلس النواب آنذاك عن دائرة المنصورة، والذي بدوره رفعها إلى مديرية التعليم بالدقهلية، لكن ما حدث بعدها كان مرهقًا للغاية".

مبالغ غير رسمية

تفرض مدارس رسمية للغات على أولياء أمور مبالغ مالية إضافية دون إيصالات رسمية وتحت مسميات مختلفة، مثل التبرعات أو المساهمات أو دعم المدرسة، بالتزامن مع إجراءات القبول والتحويل، ويضع ذلك الأسر أمام أعباء مالية جديدة تتجاوز المصروفات الدراسية الرسمية المعلنة، في ظل خضوع المدارس للرقابة من قبل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.

عقب تدخل عضو مجلس النواب، حصل محمد على أوراق تحويل نجله وتوجه بها إلى المدرسة: "رفضت استلام أوراق التقديم مني بحجة عدم توفر مقعد، ووضعوني على قائمة الانتظار لمدة ثلاثة أسابيع، حتى جاء الرد بالقبول بعد متابعتي للشكوى. ورغم ذلك لم تتنازل المدرسة عن طلب التبرعات، لكن جرى تخفيضها إلى 5 آلاف جنيه لتجديد الفصول وتوفير مقعد لابني".

تعلن وزارة التربية والتعليم سنويًا المصروفات الدراسية للمدارس الحكومية والخاصة ونسب الزيادة المقررة عليها، دون أن تتضمن بندًا خاصًا بالتبرعات أو المساهمات الإضافية، وتعتبر المدارس الرسمية للغات هي مدارس حكومية خاضعة لإشراف وزارة التربية والتعليم.

يؤكد الدكتور عماد عبد الرحمن، أستاذ القانون العام، أن الأصل في المدارس الحكومية والخاصة هو الالتزام بالمصروفات التي تقررها الوزارة بموجب قرارات رسمية معلنة، مؤكدًا أنه لا يجوز فرض أي مبالغ إضافية على أولياء الأمور كشرط للقبول أو التحويل أو استمرار القيد، ما لم تستند إلى سند قانوني واضح ومعلن.

ويوضح لـ"قلم المنصورة" أن التبرعات والمساهمات المجتمعية، إذا أجازتها اللوائح المنظمة للعملية التعليمية، يجب أن تظل اختيارية بالكامل، وألا يترتب على عدم سدادها حرمان الطالب من حقه في التعليم أو رفض طلب قبوله أو تحويله. 

ويضيف: "أن ربط الحصول على الخدمة التعليمية بسداد تبرع أو مساهمة غير منصوص عليها رسميًا قد يثير تساؤلات قانونية بشأن مدى توافق هذا الإجراء مع مبدأ تكافؤ الفرص ومجانية التعليم في المراحل التي يكفلها الدستور".

تؤكد حديثه إيمان السعيد، مديرة مدرسة المتميزة 1 الرسمية للغات بالمنصورة، بأن التبرعات اختيارية لأولياء الأمور لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات التي تضمن استمرار العملية التعليمية بشكل مناسب، مؤكدة أن ذلك يكون في إطار من التعاون بين المدرسة وأولياء الأمور.

وتوضح لـ"قلم المنصورة": "إذ كان الأمر إجباريًا فإنه خرج عن مساره الرسمي، لأن هذه المساهمات لا تُفرض كشرط للقبول أو التحويل، ولا ترتبط بأي إجراء إداري بشكل إلزامي، وإنما من المفترض التعامل معها باعتبارها دعمًا تطوعيًا لتحسين مستوى الخدمة التعليمية".

- بحسب الدستور المصري فإن الدولة تشرف على التعليم وتضمن التزام جميع المدارس والمعاهد، العامة والخاصة، بالسياسات التعليمية المقررة.

تبدأ الديون.. قبل بداية العام الدراسي

لكن الواقع، يعكس صورة مختلفة؛ إذ واجه محمد عبدالعال، 39 عامًا، من سكان المنصورة، وهو موظف حكومي يتقاضى راتبًا شهريًا لا يتجاوز 9 آلاف جنيه وأب لثلاثة أبناء، تجربة مشابهة خلال العام الدراسي الماضي، عندما قرر نقل نجله من مدرسة حكومية إلى إحدى المدارس الرسمية للغات بمدينة بلقاس، لانتقاله من المرحلة الابتدائية إلى الإعدادية.

يوضح أنه في أثناء استكمال أوراق التقديم فوجئ بطلب سداد مبلغ 20 ألف جنيه تحت مسمى مساهمة وتبرع لصالح المدرسة، إضافة إلى مصروفات دراسية تبلغ 30 ألف جنيه، دون وجود أي بند رسمي في أوراق التحويل أو مستندات وزارة التربية والتعليم يوضح طبيعة هذا المبلغ وكونه شرطًا للقبول.

- تحدد المصروفات الدراسية للمدارس الحكومية والخاصة من خلال قرارات وزارية وخطابات معتمدة تُرسل إلى المديريات التعليمية، كما تُنظم آليات السداد والتحصيل الإلكتروني بشكل رسمي، مع التأكيد على عدم تحصيل أي رسوم أو مبالغ خارج البنود المقررة.

يشير محمد إلى أنه حاول الاستفسار عن ماهية بند التبرعات من المدرسة إلا أنه لم يتلقَّ إجابات واضحة أو مستندات رسمية تشرح آليات التحصيل أو الصرف: "اضطررت للتراجع عن تحويل لم يكن في مقدوري دفع المبلغ".

- يبلغ عدد المدارس في مصر 61.5 ألف مدرسة، منها 50.4 ألف مدرسة حكومية و11.1 ألف مدرسة خاصة، بينما بلغ إجمالي عدد التلاميذ 28.5 مليون تلميذ بمختلف مراحل التعليم قبل الجامعي.

ولا تختلف تجربة منى السيد، ربة منزل من مدينة طلخا، كثيرًا، إذ تقول إن أسرتها واجهت الموقف ذاته عند محاولة إلحاق ابنتها بإحدى المدارس الرسمية للغات. موضحة أن المدرسة طلبت 15 ألف جنيه قيمة "تبرعات" إلى جانب مصروفات مدرسية 10 آلاف جنيه.

وتضيف: "إذا كانت المدرسة تحتاج إلى دعم أو تطوير فمن حقها البحث عن مصادر تمويل مشروعة، لكن ما يضع الأسر في أزمة حقيقية هو أن هذه المبالغ تُطلب في أثناء إجراءات القبول أو التحويل، وفي وقت تكون فيه الأسرة قد دفعت بالفعل مصروفات أخرى تتعلق بالتعليم".

غياب الشفافية و"مجانية التعليم"

وتكشف إيمان السعيد، مديرة مدرسة المتميزة 1 الرسمية للغات، أن ما تُحصّله من مساهمات أو تبرعات يُوضع في الصندوق النقدي الخاص بالمدرسة والمخصص لعمليات التطوير السنوية، لدعم احتياجات المدرسة مثل أعمال النظافة داخل الفصول ودورات المياه، وصيانة المقاعد، ومستلزمات التشغيل التي لا تغطيها المخصصات المالية الرسمية بشكل كافٍ.

وتشير إلى أن الميزانيات المخصصة من وزارة التربية والتعليم للمدارس الرسمية للغات قد لا تكون كافية في بعض الأحيان لتغطية جميع الاحتياجات التشغيلية اليومية، وهو ما يدفع إدارات المدارس إلى الاعتماد على مساهمات مجتمعية أو تبرعات من أولياء الأمور.

- تبلغ مخصصات الحكومة المصرية للتعليم نحو 295 مليار جنيه في السنة المالية 2024/2025، بما يعادل 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تظل أقل من النسبة الدستورية المقررة والبالغة 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بما في ذلك 4% على التعليم قبل الجامعي.

تقول منى: "شعرنا أننا أمام خيارين إما تدبير المبلغ بأي وسيلة أو خسارة فرصة ابنتنا في الالتحاق بالمدرسة التي كانت تتمنى الدراسة بها. في النهاية اضطررنا إلى الاقتراض من أحد الأقارب حتى نتمكن من استكمال الإجراءات".

لذا يرى ياسر خيري، أستاذ التربية بجامعة المنصورة، أن تحصيل تبرعات من أولياء الأمور يستدعي تعزيز الرقابة وتوضيح القواعد المنظمة بشكل أكبر داخل المدارس.

ويؤكد لـ"قلم المنصورة" على ضرورة رفع وعي أولياء الأمور بحقوقهم القانونية في التعليم، بما يضمن تحقيق التوازن بين دعم المدارس ماديًا والحفاظ على مبدأ مجانية التعليم وتكافؤ الفرص دون أي أعباء غير مبررة.

بينما يشير أولياء الأمور إلى أن هذه المصروفات تُحصَّل دون تقديم إيصالات أو فواتير رسمية، على عكس باقي إجراءات التقديم الأخرى التي توثقها المدارس من خلال مستندات وأوراق رسمية.

تؤكد ذلك وفاء أحمد، 45 عامًا، من مدينة طلخا، حصلت العام الماضي على قرار قبول نهائي لتحويل نجلتها إلى إحدى المدارس الرسمية للغات الثانوية، صادر من مديرية التعليم بالدقهلية، وذلك بعد استيفاء إجراءات التحويل إلا أنها فوجئت عند التوجه إلى المدرسة برفض تنفيذ القرار وربط الأمر بوجود ما وُصف بـ"التبرعات" غير المسددة تبلغ 10 آلاف جنيه.

وتضيف: "لم يتصل بنا أحد لتوضيح ما هذا المبلغ، لأن الحديث كان شفهيًا مع مسؤولي المدرسة، وحاولت الاستفسار فكان الرد أن الالتزام بهذه المبالغ يُعد شرطًا لاستكمال الإجراءات داخل المدرسة لتوفير مكان للطالبة وأن تحصيله لا يكون بإيصال رسمي رغم أن المصروفات المدرسية البالغة 15 ألف جنيه لها إيصال رسمي".

أسئلة دون إجابات

وهنا يؤكد عماد عبد الرحمن، أستاذ القانون العام، أن أي أموال تُحصَّل داخل المدارس يجب أن تمر عبر القنوات المالية المعتمدة وأن تخضع للرقابة والمراجعة، مع إصدار إيصالات رسمية توضح قيمة المبلغ والغرض من تحصيله والجهة المسؤولة عن إدارته.

ويوضح: "الفيصل في تقييم قانونية هذه الممارسات هو الإجابة عن عدة أسئلة أساسية: هل توجد موافقة رسمية على تحصيل هذه المبالغ؟ هل التبرع اختياري أم يرتبط عمليًا بإتمام إجراءات القبول أو التحويل؟ وأين الأوراق الرسمية للدفع؟".

نفس الأسئلة جالت في بال وفاء دون إجابة، وعند اعتراضها على ربط التحويل بسداد مبالغ غير موثقة رسميًا، فوجئت برفض استلام ملف نجلتها، حيث أُبلغت بعدم وجود أماكن شاغرة، رغم حصولها مسبقًا على موافقة تحويل نهائية من الجهة التعليمية المختصة.

- يبلغ متوسط إنفاق الأسرة المصرية على التعليم نحو 8850.6 جنيه سنويًا، بما يمثل 12.5% من إجمالي إنفاق الأسرة، فيما تستحوذ المصروفات والرسوم الدراسية على النسبة الأكبر من الإنفاق التعليمي بنسبة 38.6% من إجمالي الإنفاق السنوي للأسر على التعليم.

تواصلنا هاتفيًا مع المهندس محمد الرشيدي، مدير مديرية التربية والتعليم بالدقهلية، للحصول على تعليق حول شكاوى أولياء الأمور من تحصيل مبالغ تبرعات في بعض المدارس الحكومية، إلا أنه وعد بلقاء معدة التقرير لمناقشة الأزمة بشكل أوسع، وعلى مدار شهر كامل، أجرينا محاولات متكررة لإجراء اللقاء من قِبلنا إلا أنه لم يتسنَّ له ذلك.

في ظل استمرار هذا الواقع يضطر أولياء الأمور إلى الاستدانة أو التراجع عن قرارات إلحاق أبنائهم بالمدارس الرسمية للغات، بسبب هالة الغموض التي تحيط هذه المطالبات المالية دون وجود إطار قانوني منظم ومُعلن لها.