في نوفمبر 2019، كانت محافظة بورسعيد أولى محطات تطبيق المشروع القومي للتأمين الصحي الشامل، وفقًا لما نُشر على موقع رئاسة الجمهورية، لتكون نموذجًا تجريبيًا لتعميم المنظومة على جميع المحافظات، بهدف تحقيق تغطية صحية شاملة بجودة عالية ومعايير رقابة دقيقة.
لكن على مدار تلك السنوات، واجهت المنظومة تحدي الحجز الهاتفي، التي أثرت على سلاسة الخدمة واستفادة المواطنين خاصةً كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، إذ شكا عدد من المنتفعين من تعقيدات في إجراءات الحجز عبر الخط الساخن، ما أدى إلى تأخر صرف العلاج الشهري ومواعيد المتابعة، وأظهر ذلك ضعفًا في التنسيق بين الوحدات الصحية والهيئات التنفيذية.
تعطل الخدمة وشكاوى التأخير
يقول السيد محمد، رجل خمسيني من أبناء بورسعيد، مريض بالسكر ويغطيه التأمين الصحي: "اتصلت بالخط الساخن من أسبوع علشان أحجز العلاج الشهري، قالوا لي أروح الوحدة التابع ليها، لما رحت هناك قالوا تعالى قبل الموعد بيوم نحجز لك، ولما رجعت النهاردة قالوا الخط الساخن اشتغل تاني، دوخت وسطهم ومش عارف أتابع مع مين".
يضيف السيد أن هذه المعاناة ليست المرة الأولى: "بقى لي حوالي تلات شهور على الحال ده، كل مرة أروح الوحدة يقولوا النظام مش شغال أو الحجز اتأجل، حتى العلاج اللي آخذه بانتظام بقيت أتأخر عليه كل شهر، ومفيش حد بيرد بوضوح".
وبحسب تقرير الموقع الرسمي لهيئة التأمين الصحي الشامل، تعد المنظومة نظامًا تكافليًا اجتماعيًا يهدف إلى تقديم خدمات طبية عالية الجودة لكل فئات المجتمع دون تمييز، مع تحمّل الدولة تكلفة إشتراكات غير القادرين.
هل تعكس الأرقام واقع المنظومة؟
ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، يبلغ عدد سكان محافظة بورسعيد نحو 786 ألف مواطن، من بينهم أكثر من 667 ألفًا مسجلين فعليًا في المنظومة.
ومنذ انطلاق التطبيق بالمحافظة، أُنجز أكثر من 14 مليون فحص طبي، وأُجريت 82 ألف عملية جراحية داخل المستشفيات التابعة للنظام، بينما تجاوز عدد المترددين على خدمات التأمين الصحي الشامل 60 ألف مواطن.
ويعلّق الدكتور علاء غنّام، خبير برامج الرعاية الصحية وعضو لجنة إعداد قانون التأمين الصحي الشامل، على ما يواجهه بعض المنتفعين من تأخير في الحجز وصرف العلاج داخل المنظومة، معتبرًا أن هذه الظاهرة تكشف عن فجوة بين أهداف النظام وواقع تطبيقه.
يقول غنّام إن فكرة التأمين الصحي الشامل تقوم على إتاحة الخدمة في الوقت المناسب وبكرامة للمريض، مشيرًا إلى أن تأخر المواعيد أو تعقيد إجراءات الحجز يُفقد النظام جزءًا من ثقة المواطنين به.
وبحسب المادة (18) من الدستور المصري، تلتزم الدولة بضمان حق كل مواطن في الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، كما تُلزم نفسها بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق على الصحة، على أن تتصاعد تلك النسبة تدريجيًا حتى تتوافق مع المعدلات العالمية.
وتؤكد المادة كذلك على إقامة نظام تأمين صحي شامل يغطي جميع المصريين، بما يكفل العدالة في الحصول على الخدمات الطبية، ويحظر الامتناع عن تقديم العلاج في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.
ويضيف غنام أن الحل لا يكمن فقط في زيادة الإنفاق أو عدد الوحدات، بل في إدارة أكثر كفاءة للتنسيق بين الخط الساخن والوحدات الصحية، إلى جانب تدريب العاملين على التعامل مع الجمهور بمرونة واحترام، موضحًا أن المنظومة خطوة مهمة في طريق العدالة الصحية، لكنها ما زالت تحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان أن يشعر المواطن بأن حقه في العلاج أصبح مضمونًا فعلًا، لا مؤجلًا بورقة حجز.
مليارات على الرعاية دون أثر
في أبريل 2023، أعلن اللواء عادل الغضبان، محافظ بورسعيد آنذاك، أن المحافظة أنفقت أكثر من خمسة مليارات جنيه منذ بدء تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل عام 2019، تكاليفًا للعلاج والعمليات الجراحية والخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، وأوضح المحافظ أن هذه المخصصات وُجّهت لخدمة ما يقرب من 700 ألف مواطن من أبناء بورسعيد، في إطار سعي الدولة لترسيخ مفهوم الرعاية الصحية الشاملة وتحسين جودة الخدمة داخل المنشآت الطبية بالمحافظة.
لكن سمير الحصري، مدرس بالمرحلة الابتدائية من أبناء بورسعيد، وأحد المرضى، لم يشعر بأثر تلك الجهود، إذ يعبر عن استيائه من استمرار مشكلات الحجز داخل المنظومة، قائلًا: "أنا عايز حل، والدتي مريضة سكر وضغط وبتصرف علاجها من الوحدة الصحية، والعلاج خلص من أسبوعين ومن وقتها وأنا اتصل على الخط الساخن كل يوم، وكل مرة الرد واحد وهو إن في تحديث بيانات والخدمة مرفوعة مؤقتًا وفضلت أسبوعين لحد ما قدرنا نصرف في الأخر".
ويضيف الحصري أن والدته التي يتجاوز عمرها الستين، وتعتمد على العلاج بانتظام: "مينفعش العلاج يتأخر خاصة إن والدتي كبيرة في السن، بقينا نروح الوحدة يقولوا لسه النظام مش شغال، والموظفين نفسهم مش عارفين إمتى التحديث هيخلص، حتى لما حاولت أشتري العلاج على حسابي لحد ما تتحل المشكلة، كانت التكلفة عالية جدًا علينا وصعب نتحملها".
ويختتم قائلًا: "أنا مش بطلب حاجة أكتر من إن المريض ياخد علاجه في وقته، النظام فكرة كويسة وكلنا كنا فرحانين بيها، بس التنفيذ محتاج متابعة حقيقية واهتمام أكبر بكبار السن".