حادث "معدية بورسعيد" يُعيد الجدل حول إجراءات الأمان 

تصوير: مؤمن سعد - حادث سابق في معدية بورسعيد

كتب/ت مؤمن مسعد
2025-07-07 11:48:36

شهدت محافظة بورسعيد، أول أمس، حادثًا كاد أن يتحول إلى مأساة إنسانية، حيث سقط رجل مسن في مياه قناة السويس أثناء عبوره على متن إحدى معديات الركاب، وهرع أحد المواطنين على إثر صراخ الأهالي لإنقاذ الرجل قبل أن يلقى حتفه، حيث عُثر عليه يصارع الغرق في منتصف القناة، على بُعد نحو 30 مترًا من الرصيف.

هذا الحادث، رغم نجاة المُسن منه، أعاد إلى الواجهة سلسلة من الحوادث المتكررة التي شهدتها معديات بورسعيد خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تكن الحادثة الأولى التي تقع في المعدية رغم كونها مرفقًا حيويًا يخدم آلاف المواطنين يوميًا لعدم وجود وسيلة أخرى للانتقال من بورسعيد إلى مدينة بورفؤاد.

حوادث متكررة

في يونيو الماضي، وقعت حادثة اصطدام سفينة شحن ضخمة بمعدية ركاب في منطقة القنطرة غرب دون إصابات، أما في أغسطس 2023، غرقت قاطرة تابعة لهيئة قناة السويس بعد تصادمها مع ناقلة بضائع، مما أسفر عن وفاة أحد أفراد الطاقم، ونجاة ستة آخرين. 

وفي أبريل 2022، لقي سائق سيارة مصرعه بعد سقوطه داخل سيارته من المعدية، في حين شهد أبريل 2021 حادثًا مأساويًا آخر، حيث سقطت سيارة ملاكي تقل أسرة من أربعة أفراد، ليفارق طفل الحياة بينما نجا باقي أفراد الأسرة. 

وقد وثق موقع "البورسعيدية" تفاصيل الحادثتين بالصوت والصورة، وهو ما دفع وقتها إلى مطالبات بتشديد الرقابة وتطبيق إجراءات صارمة للسلامة.

ويشتكي المواطنون ممن يرتادون تلك المعديات بشكل يومي بسبب عدم وجود سياج آمن يحميهم من السقوط، كذلك تهالك ممرات الدخول والخروج من وإلى المعدية، وقالت ميرنا محمد، طالبة جامعية من بورسعيد: "حتى بعد ما ركبوا بوابات حديد، مفيش فرق كبير في الأمان، ولولا ستر ربنا كان زمان في حوادث أكتر، خاصة بالليل لما العمال بيمشوا ومفيش حد بيقفل الباب أو يشرف على الركاب، المعدية أوقات بتكون فاضية ومفتوحة تمامًا، وده خطر كبير على الأطفال وكبار السن".

وأكد محمد وائل، موظف حكومي من بورفؤاد، أن التطوير الذي نفذته المحافظة حتى الآن بشأن المعديات لا يتجاوز حدود التجميل السطحي: "كل اللي بيتعمل مجرد دهانات أو تركيب إضاءة، لكن لحد دلوقتي مفيش أي تطوير يقلل فعلًا من نسبة الخطر، أنا كل يوم بعبر ومعايا بنتي الصغيرة، وبمسك إيدها طول الوقت، مش بسيبها لحظة، لأن الوضع غير آمن وفيه حوادث بتحصل كل شوية".

وتحظر المادة 12 من القانون رقم 10 لسنة 1956، والمعدل بالقانون رقم 57 لسنة 1962 بشأن تنظيم الملاحة الداخلية، تشغيل المراكب الخاصة أو العامة في التعدية ونقل الركاب أو البضائع أو الحيوانات بين الشواطئ، أو تشغيلها في خطوط منتظمة، دون الحصول على ترخيص خاص بذلك. 

بيد أن إحصاء صدر خلال العام 2023 من مركز الدراسات الاقتصادية (غير حكومي) أكد أن مصر تضم نحو 9500 معدية، أكثر من 45% منها غير مرخصة ولا تستوفي المواصفات القياسية، فيما أن 70% من البحّارة الذين يعملون عليها لا يحملون تراخيص مزاولة المهنة.

غياب إجراءات الأمان

وأشار الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير المحلي والتنمية المستدامة، إلى أن المشكلة أعمق من مجرد حادث عرضي، بل تكشف واقعًا مترديًا، موضحًا أن معظم المعديات العاملة في مصر ومنها ما يُستخدم في بورسعيد، متهالكة وتتجاوز أعمارها 70 عامًا، و95% منها لا تصلح للاستخدام الآدمي.

واسترجع حسان لقاء سابق جمعه بمحافظ بورسعيد، ناقش فيه تدهور وضع المعديات، محذرًا من غياب الرقابة والصيانة الدورية، والزحام الذي يتجاوز الحمولة المقررة، إلى جانب افتقاد إجراءات الأمان الأساسية، ما يجعل احتمالية تكرار الحوادث أمرًا واردًا في أي لحظة.

وأضاف لـ"البورسعيدية": "الأمر لا يخص بورسعيد وحدها، بل ينسحب على محافظات أخرى أيضًا، والغياب التام للجهات المعنية يفاقم الوضع، الحل الحقيقي يبدأ بإحلال وتجديد كامل للمنظومة، وليس بإجراءات تجميلية سطحية".

واستعرض نماذج من دول متقدمة بشأن ملف المعديات وإدارته: "ركبت معدية في أمريكا، وكان ارتداء سترة الأمان إلزاميًا، بالإضافة إلى وجود حواجز حديدية على الجانبين، عندنا، لا توجد حتى أبسط الإجراءات التي تراعي احتياجات الأطفال وكبار السن".

ودعا إلى فرض غرامات واضحة على المخالفين، لا سيما من يقفون قرب البوابات أثناء حركة المعدية، إلى جانب إدخال التتبع الإلكتروني وكاميرات المراقبة، باعتبارها أدوات ضرورية لأي منظومة نقل حديثة وآمنة.

وخلّصت دراسة أجراها الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، بعنوان: "الأهمية الاقتصادية للنقل النهري لمصر" نُشرت عام 2020 بمعهد الدراسات العليا البحرية، إلى أن هناك ضرورة لإصلاح المعديات المتهالكة، وإعادة تأهيل المراسي، وزيادة وسائل أمان التشغيل، مما يتطلب ميزانيات ضخمة، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل التحديات الاقتصادية الحالية.

 

 

 

تصوير: مؤمن مسعد - معدية بورسعيد