من فتاة كانت فرصتها في التعليم محدودة، وربما حُسم مستقبلها داخل المنزل، إلى طبيبة ومعلمة تبني كل منهما مسارًا مهنيًا خاصًا بها؛ قطعت الفتاة البدوية في المنيا، على مدار عقود، طريقًا طويلًا تغيرت معه نظرة الأسرة والمجتمع إلى تعليمها، بعدما كان صعبًا أو غير متاح بسبب بُعد المدارس وصعوبة التنقل ونظرة تحصر دورها في الأسرة، حتى أصبح اليوم ضرورة تفتح أمامها أبواب التعليم الجامعي والعمل ومجالات مهنية لم تكن مألوفة في الماضي.
وبين حكايات نساء حُرمن من التعليم، ونماذج لفتيات بدويات وصلن إلى التعليم الجامعي والعمل المهني، ترصد "المنياوية" كيف تغيرت رحلة تعليم الفتاة البدوية، وما الذي تبدل في نظرة الأسرة والمجتمع إليها عبر الزمن.
كانت فايزة سعد، 69 عامًا، تتمنى الالتحاق بالمدرسة، لكن رغبتها لم تتحقق؛ إذ تروي أن المهتمين بتعليم الفتاة في قريتها تحدثوا مع والدها بشأن إلحاقها بالتعليم، فأخبرهم بأنها لا تستطيع الكلام، مدعيًا أنها "خرساء"، في محاولة لمنعها من الذهاب إلى المدرسة.
وتحكي فايزة عن واقعة تعكس جانبًا من العقبات التي واجهت بعض الفتيات في الماضي، حين كانت فرص التعليم محدودة، وكانت قرارات الالتحاق بالمدرسة تتأثر بظروف الأسرة ونظرتها إلى دور الفتاة.
بينما يقول حسين علي صالح الشامخ، 75 عامًا، الذي يعمل بالأعمال الحرة، إن تعليم الفتيات في الماضي كان محدودًا، موضحًا أن الظروف الاجتماعية والجغرافية جعلت ذهاب الفتاة إلى المدرسة أمرًا صعبًا في كثير من الحالات. ويضيف أن بعض الأسر كانت ترى أن الأولوية للفتاة هي تعلم شؤون المنزل ومساعدة الأسرة، بينما كان التعليم يُنظر إليه باعتباره أمرًا يرتبط بالذكور فقط.
لكن هذه النظرة تغيرت مع مرور الوقت، بحسب سالم عبد السلام، 56 عامًا، معلم مادة الرياضيات وأحد الآباء، الذي يرى أن تغير ظروف الحياة جعل تعليم الفتاة ضرورة، مؤكدًا أهمية امتلاكها العلم والقدرة على الاعتماد على نفسها والمشاركة في المجتمع.
وساعد انتشار المدارس بالقرب من التجمعات السكانية، وزيادة الوعي بأهمية التعليم، إلى جانب تغير احتياجات سوق العمل، على تشجيع مزيد من الأسر على مواصلة تعليم بناتها. وأصبح مشهد الفتاة البدوية وهي تحمل حقيبتها المدرسية في طريقها إلى المدرسة أكثر حضورًا، ثم تواصل تعليمها في الجامعة وتدخل مجالات مهنية لم تكن شائعة بين النساء في الماضي.
ومن النماذج التي تعكس هذا التحول سمية سالم عبد السلام، 28 عامًا، طبيبة في مجال العلاج الطبيعي، والتي انتقلت إلى دولة الكويت مع زوجها. وأتاحت لها رحلة التعليم الحصول على تخصص جامعي وبناء مسار مهني، ثم الانتقال إلى فرصة حياة وعمل خارج مصر.
وتقول سمية إن الفتاة التي كان مصيرها في الماضي محصورًا بدرجة أكبر داخل نطاق الأسرة، أصبحت اليوم قادرة على الحصول على تعليم متخصص، وبناء مسار مهني، والوصول إلى فرص خارج حدود وطنها.
ومن النماذج الأخرى نزهة حسين علي صالح، 38 عامًا، معلمة لغة عربية، التي اختارت مجال التعليم، لتصبح تجربتها نموذجًا للمرأة التي لم تكتفِ بالحصول على العلم، وإنما أصبحت تنقله إلى أجيال جديدة من الطلاب وتشارك في العملية التعليمية نفسها.
وبين تجربة فايزة التي حُرمت من التعليم في طفولتها، وتجربتي سمية ونزهة، تظهر ملامح التحول الذي شهدته فرص تعليم الفتاة داخل المجتمع البدوي؛ فما كان صعبًا أو غير معتاد بالنسبة إلى بعض الفتيات في الماضي، أصبح اليوم أكثر حضورًا في حياة الأسر، مع اتساع فرص التعليم وتغير الاحتياجات الاجتماعية والمهنية.