لم تكن الدكتورة دعاء محمود، 28 عامًا، طبيبة مقيمة، تتوقع عندما بدأت عملها عام 2023، أن تجد نفسها مطالبة خلال النوبتجية الواحدة بتغطية أكثر من موقع داخل المستشفى لسد عجز الأطباء.
وبحسب تجربة دعاء التي تنقلت خلال سنوات عملها، بين وحدة دار السلام الصحية ومستشفى نصر النوبة ومستشفى دراو، قبل أن تستقر حاليًا في أحد مستشفيات التأمين الصحي الشامل، لتكتشف أن نقص الكوادر الطبية كان القاسم المشترك بين جميع أماكن عملها.

تقول: "الطبيب المقيم، يجد نفسه مضطرًا في كثير من الأحيان إلى تحمل مسؤولية أكثر من موقع داخل المستشفى في الوقت نفسه".
- الطبيب المقيم وهو الطبيب الذي لا يزال في مرحلة التدريب التخصصي ولم يحصل بعد على شهادة التخصص التي تمنحه صلاحيات الأخصائي.
تعاني مستشفيات أسوان الحكومية من نقص في أعداد الأطباء، بسبب تعقيدات إدارية إذ يضطر بعض الأطباء -رغم انتهاء فترة تكليفهم- إلى إنهاء إجراءات إخلاء الطرف لمدة تتراوح بين عام وعام ونصف، ما يؤخر مسارهم المهني وضخهم في المستشفيات ويسهم في زيادة عجز الأطباء.
طفت هذه الأزمة إلى السطح مطلع يونيو الماضي، بعدما تجمع نحو 40 طبيبًا من أطباء تكليف دفعة 2025 بالهيئة العامة للرعاية الصحية في أسوان أمام مقر فرع الهيئة بطريق السادات، احتجاجًا على رفض إدارة الفرع إنهاء إجراءات إخلاء الطرف، رغم انتهاء فترة تكليفهم فعليًا قبل شهرين.
في المقابل، قال مدحت ركابي المنصوراوي، عضو مجلس النواب عن دائرة أسوان ودراو وأبو سمبل، في بيان أعقب الأزمة، إن تأخير إجراءات إخلاء الطرف يرجع إلى ترتيبات تسليم العمل بين الدفعة المنتهية خدمتها والدفعة الجديدة، لضمان عدم تأثر المستشفيات والوحدات الصحية بخروج أعداد كبيرة من الأطباء في توقيت واحد.
رحلة البحث عن طبيب
في يوليو 2025، انضمت محافظة أسوان إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، التي بدأت العمل من خلال 92 وحدة ومركزًا لطب الأسرة من أصل 112، إلى جانب 8 مستشفيات من إجمالي 11 مستشفى مدرجة ضمن المنظومة.

وبموجب النظام الجديد، أصبح على المرضى التوجه أولًا إلى أقرب وحدة صحية للحصول على خطاب إحالة، يحدد فيه طبيب الأسرة المستشفى التي تستكمل بها الخدمة الطبية.
لكن بالنسبة لـ"محمد عصمت"، أحد سكان قرية دار السلام التابعة لمركز نصر النوبة، لم يعد هذا المسار ممكنًا. يقول لـ"عين الأسواني" إن الوحدة الصحية الأقرب إلى منزله كانت تضم طبيبًا، إلا أنها أصبحت خالية بعد وفاته دون أن تعين مديرية الصحة بديلًا له.
وتقع مستشفى دراو المركزي على بعد نحو 2.4 كيلومتر من الوحدة الصحية، ورغم قربها نسبيًا، فإن غياب طبيب الأسرة يحرم الأهالي من الحصول على خطاب الإحالة، ويضطرهم إلى البحث عن وحدات صحية أخرى تقع على مسافات أبعد، بما يفرض عليهم أعباء إضافية في التنقل للحصول على الخدمة كما يؤكد عصمت.
- تنص المادة 18 من الدستور على: "تكفل لكل مواطن الحق في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتُلزم الدولة بضمان إتاحة الخدمات الصحية وتحقيق توزيع جغرافي عادل لها".
ولا تقتصر أزمة الكوادر الطبية في أسوان على انخفاض أعداد الأطباء، بل تمتد إلى نقص واضح في بعض التخصصات الطبية. وتُظهر نشرة إحصاءات الخدمات الصحية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع عدد الأطباء بالمحافظة من 797 طبيبًا عام 2014 إلى 263 طبيبًا فقط عام 2024، ما انعكس سلبيًا على قدرة المستشفيات والوحدات الصحية على تقديم الخدمات.
وأثار هذا النقص مخاوف مجتمعية وسياسية. ففي أبريل الماضي، حذر حزب العدل -أحد الأحزاب السياسية- في أسوان، عبر بيان، من استمرار العجز في تخصصات أمراض الدم والمناعة والغدد الصماء داخل مستشفيات المحافظة، مشيرًا إلى أن بعض هذه الخدمات تعتمد على أطباء متعاقدين من خارج المحافظة لا يحضرون سوى أيام محدودة كل شهر، وهو ما لا يتناسب مع احتياجات المرضى.
وتؤكد الطبيبة دعاء محمود، بمستشفى الصداقة التخصصي، أن هذا النقص يُجبر الطبيب أحيانًا على تولي مسؤولية قسم كامل، إلى جانب العمل في قسم الاستقبال خلال النوبتجية نفسها، أو التعامل مع أعداد كبيرة من المرضى في ظل غياب الأخصائي، مما يؤدي لزيادة ساعات العمل بما يخالف الحد المقرر وهو 24 ساعة أسبوعيًا.
وتستعيد تجربتها في مستشفى دراو المركزي، حيث مرت بعض الأقسام بفترات دون وجود أخصائي أو استشاري، الأمر الذي اضطر الأطباء إلى تحويل المرضى إلى مستشفيات أخرى داخل أسوان لاستكمال العلاج أو المتابعة.
بيئة طاردة
وتتفق الشهادات الميدانية للطبيبة مع ما خلصت إليه دراسة "دور الرعاية الصحية في مصر خلال الفترة من 2014 إلى 2024" للطبيب والباحث حسن محمد خليل، التي أشارت إلى أن القطاع الصحي يواجه تحديات تتعلق بتوفير الكوادر الطبية وتوزيعها الجغرافي، لا سيما في المحافظات البعيدة عن المراكز الحضرية، وهو ما ينعكس على قدرة هذه المناطق على توفير الخدمات والتخصصات الطبية المختلفة.
كما أوضحت الدراسة أن عدد الأطباء المصريين العاملين بالخارج يتراوح بين 120 و130 ألف طبيب، في حين يبلغ عدد الأطباء المسجلين بوزارة الصحة داخل مصر نحو 57 ألف طبيب فقط.
ويرى حسن محمد خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن تعطل بعض الوحدات الصحية يدفع المرضى إلى التكدس بالمستشفيات المركزية، ما يزيد الضغط على الأطقم الطبية ويؤدي إلى حالة من الإجهاد والاحتراق الوظيفي.
وتربط الطبيبة دعاء محمود أزمة نقص الأطباء باستمرار هجرة الكوادر الطبية إلى الخارج، بسبب تدني الرواتب، وضعف فرص التدريب، وغياب بيئة مهنية جاذبة، خاصة في محافظات مثل أسوان. وبينما لا تزال المستشفيات تعاني نقص الكوادر، يواجه أطباء تكليف دفعة 2026 أزمة جديدة تتعلق بمستقبلهم المهني. ففي محاولة لاحتواء أزمة تأخر إخلاء طرف أطباء دفعة 2025، أصدرت هيئة الرعاية الصحية بأسوان قرارًا بنقل نحو 80 طبيبًا من مديرية الشؤون الصحية إلى الهيئة بصورة إلزامية.
وتقول الطبيبة نهى سالم، إحدى طبيبات تكليف 2026، لـ"عين الأسواني"، إنها تسلمت عملها هذا العام بإحدى الوحدات الصحية التابعة لمديرية الشؤون الصحية، قبل أن تُفاجأ في 6 يونيو الماضي بقرار نقلها إلى هيئة الرعاية الصحية. وتوضح أن القرار جاء لسد العجز الناتج عن استمرار عمل عدد من أطباء دفعة 2025 داخل الهيئة لعدم إنهاء إجراءات إخلاء طرفهم.
وتؤكد نهى أن اعتراضها لا يتعلق بجهة العمل، وإنما بما قد يترتب على القرار من آثار على مستقبلها المهني، موضحة: "معظمنا معاه نيابات جامعة أو منتظر نيابات وزارة الصحة، ولو استلمنا في الهيئة في ظل العجز الحالي مفيش ضمان إنهم يوافقوا على إخلاء طرفنا وقت بدء النيابة".
ترى أن القرار لا يعالج جذور الأزمة، وإنما ينقلها إلى دفعة جديدة من الأطباء، محذرة من أن استمرار هذه الإجراءات قد يدفع المزيد من الأطباء إلى العزوف عن العمل في أسوان، إذا شعروا بعدم الاستقرار الوظيفي أو بإمكانية تغيير جهة تكليفهم بعد استلام العمل.
ورغم محاولات "عين الأسواني" التواصل مع مسؤولي هيئة الرعاية الصحية بأسوان، وعلى رأسهم الدكتور محمد نشأت، هاتفيًا وعبر تطبيق "واتساب"، للاستفسار عن أسباب العجز في الكوادر الطبية وقرارات التكليف الأخيرة، لم نتلقَّ أي رد حتى موعد نشر هذا التقرير.
وحدات خاوية
ولا يقتصر أثر نقص الأطباء على الكوادر الطبية، بل يمتد مباشرة إلى المرضى. فقد توجهت هناء محمد، 47 عامًا، إلى وحدة طب الأسرة "أسوان أول" بمدينة أسوان للكشف بعد إصابتها بتهيج في جلد ذراعها هذا العام. تقول إنها حصلت على تذكرة انتظار، وبعد نحو ساعتين فوجئت، عند حلول دورها، بأن الوحدة لا تضم طبيبًا متخصصًا في الأمراض الجلدية.
وتمثل هناء واحدة من بين نحو 679 ألفًا و182 منتفعًا مسجل بمنظومة التأمين الصحي الشامل في أسوان، وهو عدد يُتوقع أن يتجاوز 1.2 مليون مواطنًا، بينهم نحو 429 ألفًا من غير القادرين، وفقًا لبيانات الهيئات الاقتصادية التابعة للموازنة العامة للدولة للعام المالي 2025/2026.
وتعكس المؤشرات الرسمية حجم الضغط على المنظومة الصحية بالمحافظة؛ إذ تُظهر نشرة إحصاءات الصحة أن الطبيب الواحد في أسوان يخدم نحو 6427 مواطنًا، مقابل متوسط يبلغ طبيبًا لكل 692 مواطنًا على مستوى الجمهورية، ما يعني أن كثافة الأطباء في المحافظة تقل بنحو 89% عن المتوسط الوطني.
وأمام غياب الخدمة، قررت هناء مغادرة الوحدة دون تلقي العلاج، واللجوء إلى طبيب خاص بلغت تكلفة الكشف لديه نحو 300 جنيه، رغم اقتطاع اشتراكات التأمين الصحي الشامل من راتبها باعتبارها موظفة حكومية.
ويؤكد محمد حسن، طبيب بمستشفى أسوان الجامعي، أن الأزمة تبدأ عندما ترفض الجهات الإدارية إنهاء إجراءات إخلاء الطرف بعد انتهاء المدة المتفق عليها، بحجة استمرار العجز في المستشفيات.
ويضيف أن هذا الإجراء يدفع كثيرًا من الأطباء إلى الاعتراض حفاظًا على مستقبلهم المهني، ما أسهم في تكوين سمعة سلبية عن التكليف في أسوان، وأدخل المحافظة في حلقة مفرغة؛ فالعجز يؤدي إلى تأخير خروج الأطباء، وتأخير خروجهم يجعل المحافظة أقل جذبًا للدفعات الجديدة، فيستمر النقص.
ورغم تصاعد أزمة أطباء تكليف دفعة 2025 لم يصدر تعليق رسمي من وزارة الصحة. كما حاولت "عين الأسواني" التواصل مع الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، هاتفيًا وعبر تطبيق "واتساب"، للاستفسار عن إجراءات التعامل مع نقص الأطباء في أسوان، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى موعد نشر التقرير.
وتتواصل المطالب البرلمانية بالتدخل لمعالجة الأزمة. ففي فبراير الماضي، حذر النائب اللواء علي أبازيد، عضو مجلس النواب عن دائرة أسوان، من تراجع مستوى بعض الخدمات داخل منشآت هيئة الرعاية الصحية بالمحافظة، مشيرًا إلى نقص الأطباء والأدوية والأجهزة الطبية، وصعوبة إجراءات الإحالة، فضلًا عن عزوف بعض الأطباء عن العمل بالهيئة بسبب فروق الحوافز والرواتب.

ويقول أبازيد لـ"عين الأسواني" إن وزارة الصحة تعهدت بزيادة أعداد الأطباء في المحافظة عقب تكليف الدفعة الجديدة.
وبين تمسك الأطباء بحقهم في مستقبل مهني مستقر، وحاجة المستشفيات إلى سد العجز في الكوادر، تظل أزمة نقص الأطباء في أسوان دون حل جذري، لتبقى المحافظة واحدة من أكثر البيئات طردًا للأطباء، بينما يتحمل المرضى كلفة هذا الخلل يوميًا.
جميع أسماء الأطباء والطبيبات المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن