رياضيو "ذوي الهمم".. أحلام البطولة تصطدم بالتكلفة وغياب التجهيزات

صورة تعبيرية مولدة عبر الذكاء الاصطناعي

كتب/ت أمنية حسن
2026-05-31 10:00:00

بدأ علي كلِحي، 29 عامًا، من مركز نصر النوبة بأسوان، مسيرته التعليمية منذ سن الثامنة في مدرسة مخصصة للصم والمكفوفين، بعدما لم يكن في مركزه آنذاك أي مدارس تخدم المكفوفين، بحسب ما يوضح.

وخلال فترة دراسته التحق بفريق رياضة كرة الجرس بالمدرسة في المرحلة الإعدادية، ثم واصل مسيرته التعليمية والرياضية، فالتحق بكلية الحقوق في جامعة المنصورة، إذ شارك مع فريق الجامعة وحقق مراكز متقدمة في اللعبة.

مركز شباب بدر

طموح قابله دعم محدود

بعد التخرج، استقر في المنصورة، وواصل ممارسة كرة الجرس عبر الانضمام إلى أندية بمحافظتي أسوان والشرقية، وظل يشارك في المنافسات حتى عام 2024، قبل أن يعود للاستقرار في مركز نصر النوبة عقب زواجه.

وفي العام نفسه توقف عن ممارسة كرة الجرس مرجعًا ذلك إلى ما وصفه بتحديات كبيرة يواجهها اللاعبون في أسوان، أبرزها غياب الدعم الكافي وارتفاع التكاليف: "بعض الأندية تطلب من اللاعبين مبالغ مالية تتجاوز 20 ألف جنيه مقابل الانضمام، بدلًا من دعمهم ورعايتهم، وهو ما يشكل عائقًا أمام استمرار كثير من الرياضيين في اللعبة".

يعاني رياضيو ذوي الهمم من تركّز الأنشطة الرياضية والدعم داخل مراكز شباب وأندية مدينة أسوان وغياب البنية المهيأة في باقي المحافظة، حيث يواجه اللاعبون تحديات متعددة تبدأ من نقص التجهيزات والأخصائيين مرورًا بارتفاع تكاليف التدريب والمشاركة في البطولات، ما يجعل ممارسة الرياضة بالنسبة لهم مسارًا مليئًا بالعقبات.

- كرة الجرس رياضة بارالمبية مخصصة للرياضيين من ذوي الإعاقة البصرية، وتعتمد على كرة بداخلها جرس يصدر صوتًا يساعد اللاعبين على تتبعها داخل الملعب ويلعبون معصوبي الأعين.

يمثل علي وزملاؤه نحو 2.1% من إجمالي الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في محافظة أسوان حتى عام 2022، وفقًا لأحدث بيانات نشرة المسح القومي، والتي تشير إلى أن محافظة أسوان تضم نحو 172 ألف شخص من ذوي الإعاقة.

ويشير علي إلى أن المشاركة في البطولات قد تصل تكلفتها في الرحلة الواحدة إلى نحو 10 أو 12 ألف جنيه، في حين لا يغطي النادي سوى نصف هذه المصروفات، ويتحمل اللاعب الباقي.

يُقصد بالشخص ذي الإعاقة كل من يعاني من عاهة طويلة الأجل؛ بدنية أو عقلية أو ذهنية أو حسية، قد تمنعه مع وجود الحواجز من المشاركة بصورة كاملة.

مركز شباب حي قدري عثمان

 

عقبات في طريق الأبطال

حقق علي إنجازات لافتة، من بينها الفوز بالمركز الأول في ألعاب القوى بأسوان عام 2023، لكن ذلك لم ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة له داخل المنشآت الرياضية، سواء بالمحافظة أو خارجها. إذ يشير إلى غياب تطبيق معايير كود البناء المصري، التي تنص عليه اللائحة التنفيذية لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، التي تُلزم المنشآت بتوفير بيئة مناسبة لدمج ذوي الهمم، مثل تخصيص غرف وخدمات مهيأة لهم.

وخلال جولة ميدانية أجرتها "عين الأسواني" وزيارات سابقة لأندية ومراكز شباب بمدينة أسوان، تبيّن غياب بعض التجهيزات التي نص عليها الكود مثل وجود مصعد واحد على الأقل في المباني متعددة الطوابق، وهو ما لم يتوفر في مبنى مركز شباب مدينة أسوان المكوّن من أربعة طوابق، وتكرر المشهد داخل مركز شباب بدر. 

كما رصدت الجولة افتقار منشآت مثل نادي أسوان الرياضي، الذي خلت الممرات والمباني من العلامات الإرشادية الأرضية والبصرية التي حددها الكود المصري.

وتكشف أزمة الرياضيين من ذوي الإعاقة في أسوان واقع المنشآت الرياضية، إذ تضم المحافظة نحو 232 منشأة رياضية، تمثل مراكز شباب المدن والقرى نحو 83% منها، إلا أن المنشآت خارج مركز مدينة أسوان تظل في كثير من الحالات مباني بلا أنشطة تخدم ذوي الإعاقة. 

وتشير البيانات إلى أن النشاط الرياضي لهذه الفئة يتركز بشكل شبه كامل داخل مركز مدينة أسوان، ما يجعل الموقع الجغرافي والتحديات المالية عائقًا أمام أسر المواهب الرياضية في مراكز مثل كوم أمبو وإدفو ودراو ونصر النوبة من تحقيق حلمهم الرياضي.

يوضح أحمد محسن، مدرب سباحة لذوي الهمم بمركز شباب مدينة أسوان، لـ"عين الأسواني"، أن الأزمة لا تكمن فقط في عدم تأهيل أندية ومراكز أسوان للتعامل مع ذوي الإعاقة، ولكن غياب الأخصائيين المساعدين أيضًا.

يوضح أن هذه المنظومة كانت متوفرة خلال تجارب عمله خارج مصر، حيث كان يعمل فريق متكامل مع المدرب، بما يساعد في تقديم فرصة تدريبية حقيقية. كما يشير إلى عدم توفر أجهزة داخل الأندية تساعد المتدرب، مثل الأدوات التعليمية وأجهزة تحسين الحركة والتوازن.

مركز شباب مدينة بدر

غياب الدعم المؤسسي

رغم زيادة أعداد المدربين لذوي الهمم في المنشآت الرياضية بمحافظة أسوان من 41 مدربًا عام 2023 إلى 200 مدرب حتى عام 2024، فإن تأثير هذه الزيادة لم ينعكس على المراكز الأخرى خارج مدينة أسوان؛ إذ تواصلت "عين الأسواني" مع 8 أندية تقع في مراكز دراو وكوم أمبو ونصر النوبة وإدفو، وكشفت عن خلوها التام من أي رياضات أو فرق مهيأة لاستقبال ذوي الهمم.

ويخالف ذلك القانون رقم 10 لسنة 2018 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي يؤكد في مواده على جميع الحقوق المقررة لهم دون تمييز.

ورغم انحصار الأنشطة الرياضية المقدمة لذوي الهمم داخل عدد من الأندية بمدينة أسوان، فإن مراكز الشباب لم تسجل أي فرق رياضية مخصصة لهم، إذ بلغ عددها صفرًا.

وفي السياق تواصلت "عين الأسواني" مع أندية ومراكز شباب في أسوان لرصد رسوم اشتراك بعض الرياضات، مثل السباحة والكاراتيه. وأظهرت النتائج أن الاشتراك في السباحة داخل الأندية يتراوح بين 600 و800 جنيه لكل من ذوي الهمم وغيرهم، بينما يصل في بعض الجهات الخاصة إلى نحو 1400 جنيه. أما الكاراتيه، فتُقدم في مراكز الشباب برسوم رمزية تبلغ نحو 75 جنيهًا شهريًا، فيما تصل تكلفة الاشتراك في الأكاديميات الرياضية داخل الأندية إلى قرابة 80 جنيهًا.

وبالفعل تظل التكلفة المادية العائق الأكبر الذي يواجه الأسر، بحسب "أحمد" مدرب السباحة، في ظل غياب الدخول المجانية أو التخفيضات الحقيقية من الأندية للاعبين ذوي الهمم.

ولا يقتصر حرمان ذوي الهمم في أسوان من ممارسة الرياضة على غياب المساواة مع الآخرين، بل يمتد إلى سلامتهم الجسدية، إذ تشير دراسة مقارنة لـ"معوقات ممارسة النشاط البدني للأفراد ذوي الإعاقة الذهنية"، إلى أن فرص ممارسة الأفراد ذوي الإعاقة للنشاط البدني تكون أقل من الفرص المتاحة لأقرانهم من غير ذوي الإعاقة، ما يحرمهم من فوائد النشاط البدني ويزيد من انتشار البدانة بين الأطفال ذوي الإعاقة.

الفاتورة الباهظة للإنجاز

وواجه اللاعب كيرلس ويصا، 17 عامًا، من أصحاب متلازمة داون، تحديات منذ بداية انطلاقه في المجال الرياضي قبل عشرة أعوام. رغم انتمائه لمركز شباب مدينة أسوان، وحصوله على المركز الثاني على مستوى الجمهورية في المسابقة الدولية للأولمبياد الخاص للسباحة التي أقيمت في القاهرة في نوفمبر .

يوضح والد كيرلس أن غياب حمام سباحة داخل مركز الشباب يضطرهم للجوء إلى أندية خارجية للتدريب مثل نادي أسوان الرياضي، كما أن تكلفة التدريب في مجال الرياضة تتطلب استمرارية وبرامج خاصة، تصل تكلفتها إلى آلاف الجنيهات سنويًا، ويقدرها مدربه بنحو 18 ألف جنيه سنويًا.

لا توجد بيانات رسمية دقيقة عن عدد ذوي الإعاقة في مصر، وفقًا للدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، والتي أشارت إلى أن عدد ذوي الإعاقة في مصر يبلغ نحو 10 ملايين شخص. 

ووفقًا لبيانات المسح القومي لذوي الإعاقة في الفئة العمرية من 6 سنوات فأكثر، فإن نحو 0.3% فقط منهم مشتركين في مؤسسات رياضية.

يشير محمود محمد، الأخصائي الاجتماعي بالمركز الشامل للتأهيل الاجتماعي بأسوان، لـ"عين الأسواني"، إلى وجود فجوة حادة تواجه الرياضيين من ذوي الهمم، إذ إن قلة الأنشطة الرياضية المتاحة لهم قد تحرمهم من المشاركة لسنوات طويلة، ولا يحصلون على فرصة إلا في سن متأخرة، بعد التحقوا بالجامعة للمشاركة في دوري الجامعات، إلا أنهم يصطدمون بغياب تام لأي أماكن لممارسة الرياضة بمجرد تخرجهم من الجامعة.

ويضيف أن هناك تحديات مؤسسية ومادية تعوق دمج الرياضيين، ففي حال وجود جمعيات مسؤولة عنهم، تجد صعوبة في توفير مكان خاص للتدريب، وتضطر للبحث في الأندية فقط للحصول على اسم نادٍ يسمح لهم بالمشاركة تحت مظلته، دون تحمل أي أعباء مادية تتعلق بالتنقل أو الإقامة الخاصة باللاعب.

كما تؤثر هذه الصعوبات بشكل مضاعف على اللاعبين القادمين من مراكز بعيدة عن مدينة أسوان، إذ يواجه هؤلاء تحديات إضافية في الاستمرارية والوصول إلى أماكن التدريب، ما يؤدي إلى اضطرارهم للتنقل بين الأندية بشكل مستمر، وهو ما يهدد استقرارهم الرياضي وقد يتسبب في توقفهم عن اللعب رغم امتلاكهم الموهبة.

بين الشغف والتكلفة

منهم كيرلس، الذي كان يلعب بجانب السباحة، رياضة الكاراتيه ويشارك في بطولات مختلفة تقام خارج أسوان، وتتحمل أسرته كافة نفقات الإقامة والسفر، حيث تصل تكلفة الرحلة الواحدة إلى نحو ألفي جنيه. 

ويعتمد اللاعب في تنقله على "كارنيه الخدمات المتكاملة" الذي يتيح له دفع نصف ثمن تذكرة القطار، وهو ما تصدره وزارة التضامن الاجتماعي ويوفر خصمًا على تذاكر السفر.

أما في مجال الكاراتيه الذي يمارسه، فلا يحصل إلا على دعم محدود يتمثل في مساهمة من اتحاد الكاراتيه بنحو ألف جنيه، في ظل ارتفاع تكاليف تذاكر القطارات، بينما تظل تكاليف بطولات السباحة على نفقة أسرة كيرلس بالكامل، ما يفرض عبئًا ماليًا كبيرًا قد يصل إلى نحو ألفي جنيه للبطولة الواحدة. 

ولا تقتصر التكاليف على ذلك، إذ تشمل أيضًا أجر المدرب ومصاريف سفره المرافِق للاعب، وهو أمر ضروري خلال البطولات، وتكون جميعها على نفقة الأسرة. ويتضاعف هذا العبء بشكل أكبر على الأسر المقيمة خارج مدينة أسوان. 

يظل ذوو الهمم في أسوان بين من يواصلون الطريق نحو البطولات بصعوبة، وآخرين يُجبرون على التوقف، وتبقى أحلامهم مؤجلة، تنتظر بيئة تمنحهم حقهم الكامل في اللعب والمشاركة.