في نوفمبر 2025، تعرض نجل أحمد محمود، 40 عامًا، من منطقة الصداقة القديمة بمحافظة أسوان، لعضة كلب، حمله والده مسرعًا إلى مستشفى أسوان الجامعي والوحدة الصحية بالسيل ومستشفى الصداقة للحصول على مصل السعار، لكن الصدمة كانت في عدم توافره في المستشفيات الثلاثة.
بدأ رحلة بحث استمرت ساعات بين مستشفيات المحافظة، قبل أن يعثر على المصل في مستشفى إدفو العام، بعد تنقل استغرق قرابة ثلاث ساعات.
رحلة البحث عن المصل
يستعيد أحمد تلك الساعات: "إحساس إنك شايف ابنك بين الحياة والموت، ومش قادر توفر له العلاج، لسه بيطاردني لحد دلوقتي، وبصحى من النوم كل شوية عشان أطمن إنه بخير، كل دقيقة كانت بتعدي وأنا بدور على المصل كنت حاسس إنها ممكن تفرق في حياة ابني، ومكنتش عارف هلاقي العلاج فين".
يعاني سكان مدينة ومركز أسوان من نقص أمصال السعار والأمصال المضادة للدغات العقارب والثعابين في بعض المستشفيات والوحدات الصحية، والتي تعيق الحصول على العلاج الفوري وقت الإصابة، ويضطر المصابون إلى التنقل نحو مستشفيات بعيدة؛ مما يعرضهم لمضاعفات صحية في غياب رقابة وزارة الصحة، بحسب شهادات الأهالي.
يوضح أحمد أن مستشفى إدفو العام وافق على إعطاء نجله الجرعة الأولى نظرًا لخطورة حالته، بينما استكمل باقي الجرعات لاحقًا في مستشفى المسلة بعد توفير الأمصال هناك.
وتكشف جولة ميدانية قام بها معدا التقرير على عدد من المستشفيات والوحدات الصحية بمدينة ومركز أسوان عن محدودية توافر تلك الأمصال، إذ اقتصر وجود مصل السعار على مستشفيات المسلة والصداقة، في حين غاب عن المستشفى الجامعي، ووحدات السيل، وعند الإشارة، وصحاري، والسد العالي، والنفق.
كما أظهرت الجولة أن أمصال لدغات العقارب والثعابين توافرت بالمستشفى الجامعي ومستشفيات المسلة والصداقة، بينما لم تتوافر في الوحدات الصحية بالسيل، وعند الإشارة، والسد العالي.
نفس الحال في المستشفيات الخاصة الثلاثة التي تخدم مركز أسوان، ما يضطر أي مصاب لقطع مسافة تتراوح بين ساعة وساعة ونصف، كي يصل إلى مستشفيات المسلة أو الصداقة أو إدفو التي تتوافر فيها الأمصال فقط في مركز أسوان.
طبيب: "الدقائق الأولى تحسم فرص النجاة"
لكن الدكتور شريف حتة، استشاري الطب الوقائي والصحة العامة، يشدد على أن عامل الوقت يمثل الفيصل في التعامل مع حالات العض ولدغات العقارب والثعابين، موضحًا أن سرعة الحصول على المصل وإعطائه خلال الدقائق الأولى من الإصابة تقلل بشكل كبير من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة قد تنتهي بالوفاة.

ويشير لـ"عين الأسواني" إلى أن التغيرات البيئية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة أسهمت في زيادة انتشار العقارب والثعابين والكلاب الضالة، الأمر الذي يفرض على المنظومة الصحية رفع درجة الجاهزية وضمان توافر الأمصال بصورة دائمة، لا سيما في الوحدات الصحية الريفية والمناطق الأكثر عرضة لتلك الإصابات.
- السعار مرض فيروسي حاد يصيب الجهاز العصبي المركزي، وينتقل إلى الإنسان عبر لعاب الحيوانات المصابة من خلال العض أو الخدش أو ملامسة اللعاب للجروح أو الأغشية المخاطية.
ولم تقتصر المعاناة على مصابي عقر الكلاب، بل امتدت إلى ضحايا لدغات العقارب. تروي حنان رجب، 44 عامًا، من منطقة السد العالي شرق، أنها تعرضت للدغة عقرب مطلع يوليو الجاري، وتوجهت على الفور إلى الوحدة الصحية بالمنطقة، لكنها فوجئت بعدم توافر المصل، ما اضطرها إلى قطع رحلة استغرقت نحو ساعتين ونصف حتى وصلت إلى مستشفى المسلة.
تقول: "كنت حاسة إن السم بيسري في جسمي، وكل دقيقة بتعدي وأنا بدور على المصل كانت بتزود خوفي". ورغم حصولها على العلاج، فإنها لا تزال تعاني تنميلًا في الساق المصابة. وأضافت أن الطبيب أخبرها بأن تأخر تلقيها المصل كان سببًا في استمرار هذه الأعراض، مؤكدًا أنه كان من الممكن تجنبها لو حصلت على العلاج خلال الدقائق الأولى بعد الإصابة.
ويوضح الدكتور محمد شتات، مدير مستشفى النيل التخصصي بإدفو، أن منظومة توفير وتوزيع الأمصال تخضع لإشراف مديرية الشؤون الصحية من خلال إدارة الطب الوقائي، موضحًا أن وزارة الصحة والسكان ترسل حصصًا محددة من الأمصال إلى كل محافظة، ثم تتولى المديرية توزيعها على الوحدات الصحية والمستشفيات وفقًا لاحتياجات كل جهة، مع متابعة دورية للأرصدة لضمان استمرار توافرها.
ويؤكد لـ"عين الأسواني" أن الكميات المخصصة لكل وحدة أو مستشفى تُحدد بناءً على الحصص الواردة من الوزارة وحجم الاحتياج الفعلي، وليس بصورة عشوائية.
بينما تشير دراسة نُشرت في مجلة كلية الطب جامعة أسوان إلى أن لدغات العقارب تُعد من حالات الطوارئ الطبية التي قد تهدد الحياة، لا سيما لدى الأطفال، مؤكدة أن الإسراع بنقل المصاب إلى المستشفى وتلقي العلاج المناسب في أسرع وقت يعد العامل الأكثر تأثيرًا في تقليل المضاعفات.
وفي يوليو الماضي أعلنت وزارة الصحة والسكان، في بيان لها توافر المصل المضاد للدغات الثعابين والعقارب في عشرة مستشفيات بمحافظة أسوان، تشمل: المسلة، وأسوان التخصصي، وأسوان الجامعي، وغرب أسوان، ودراو المركزي، وكوم أمبو المركزي، ونصر النوبة المركزي، والنيل، والسباعية، وأبو سمبل السياحي.
الجرعة المفقودة
ويتناقض ذلك مع ما حدث مع أحمد محمود 50 عامًا، من منطقة الشلال، إذ تعرض ابنه، البالغ من العمر 14 عامًا، للدغة عقرب أواخر يوليو الماضي، لتبدأ رحلة بحث عن المصل استمرت أكثر من ثلاث ساعات، تنقل خلالها بين الوحدة الصحية والمستشفى الجامعي، قبل أن يتمكن من الحصول عليه في مستشفى المسلة.
- ترتفع تكلفة علاج المصابين بحالات العقر وفق تصريح سابق للدكتورة نسرين عمر، عضو مجلس النواب، التي أشارت إلى تسجيل نحو 200 حالة عقر يوميًا، موضحة أن بروتوكول العلاج يتضمن حصول المصاب على خمس جرعات من المصل المضاد للسعار، بتكلفة تصل إلى نحو 600 جنيه للحالة الواحدة.
ويقول محمود: "كل دقيقة كانت بتعدي وأنا خايف السم ينتشر في جسم ابني، خصوصًا إن اللدغة كانت في وشه". ويضيف أن نجله أصيب بارتفاع شديد في درجة الحرارة وإعياء.
لذا يشير الدكتور شريف حتة، استشاري الطب الوقائي والصحة العامة، إلى أنه في حال تعذر الوصول سريعًا إلى أقرب مستشفى بعد التعرض للدغة عقرب أو ثعبان، أو عضة من حيوان يُشتبه في إصابته بالسعار، تقتصر الإسعافات الأولية على الحد من حركة الطرف المصاب لتقليل انتشار السم أو الفيروس داخل الجسم، مع التأكيد على أن ذلك لا يغني عن التوجه الفوري إلى أقرب منشأة صحية للحصول على المصل، باعتباره العلاج الأساسي في هذه الحالات.
ويوضح أن مصل السعار يختلف عن أمصال لدغات العقارب والثعابين؛ إذ يعتمد علاجه على بروتوكول يتضمن عدة جرعات تُعطى وفق جدول زمني محدد، إلى جانب ضرورة غسل موضع العضة جيدًا بالماء والصابون قبل تلقي الرعاية الطبية، لزيادة فرص الوقاية من الإصابة بالمرض.
تزايد أعداد الكلاب
لم تكن رحلة محمود الزهري، والد الطفلة رغد، أقل قسوة. ففي أواخر يونيو الماضي، تعرضت ابنته لهجوم من كلب أثناء توجهها إلى الكُتّاب بمنطقة كيما، ما أسفر عن إصابتها بجروح عميقة في الوجه والرأس واليدين والقدمين، مع قطع جزء من خدها ونزيف حاد.
يقول الزهري إنه حمل ابنته مسرعًا إلى المستشفى الجامعي، لكنه لم يجد المصل، لذا توجه بها إلى مستشفى المسلة، حيث قدم الفريق الطبي الإسعافات الأولية وأعطاها آخر جرعة من مصل السعار كانت متوفرة. إلا أن خطورة إصاباتها استدعت جرعات إضافية، فطُلب منه الانتقال إلى مستشفى الصداقة.
وخلال وجوده بالمستشفى، شاهد -بحسب روايته- عددًا من الأطفال المصابين بعضات كلاب ينتظرون لساعات دون الحصول على المصل.
ويفسر الدكتور شتات مدير مستشفى النيل التخصصي، أن ما يعتقده بعض المواطنين نقصًا في الأمصال لا يعكس بالضرورة وجود عجز على مستوى المحافظة، وإنما قد يكون ناتجًا عن قرب نفاد المخزون في إحدى الوحدات الصحية، وفي هذه الحالة يُوجَّه المصاب إلى أقرب وحدة يتوافر بها المصل أو إلى المستشفى، التي تحتفظ بمخزون احتياطي يخضع للمتابعة المستمرة.
وفي الوقت ذاته، يؤكد أن سرعة الحصول على الجرعة الأولى من المصل تمثل عاملًا حاسمًا في نجاح العلاج، خاصة في حالات عقر الكلاب ولدغات العقارب والثعابين، موضحًا أن هذه الجرعة ينبغي إعطاؤها خلال الساعات الأولى من الإصابة، ويفضل في حالات لدغات العقارب والثعابين خلال الساعة الأولى أو الساعتين الأوليين.
ويشير إلى أن جميع الوحدات الصحية تدخل ضمن منظومة توفير الأمصال، إلا أن آليات التوزيع قد تقتضي عدم توفير نوع معين من الأمصال في وحدتين متجاورتين جغرافيًا إذا كانت إحداهما تغطي النطاق الخدمي للأخرى، وذلك بهدف تحقيق الاستخدام الأمثل للمخزون وضمان سرعة حصول المواطنين على الخدمة.
لا يوجد إحصاء رسمي بعدد الكلاب الضالة في مصر، ولكن بعض الأرقام تؤكد أنها تتراوح بين 40 - 50 مليون كلب ضال، تسببت في 1.4 مليون حالة عقر خلال العام 2025، كان نصيب أسوان منهم نحو 11 ألف حالة.
يرجع مصدر مطلع بمديرية الطب البيطري بأسوان، فضّل عدم ذكر اسمه، تزايد أعداد الكلاب الضالة إلى توقف وسائل المكافحة التقليدية وارتفاع معدلات التكاثر، مشيرًا إلى أن انتشارها يرتبط بتراكم القمامة ومخلفات الطعام، ما يجعل تحسين منظومة النظافة والتخلص الآمن من النفايات أحد أهم الحلول للحد من تجمعاتها.
فيما تؤكد الدكتورة سهير عبده، نقيب فرعي الأطباء البيطريين بأسوان، إن مديرية الطب البيطري بالمحافظة تطبق استراتيجية متكاملة للحد من مخاطر عقر الكلاب الضالة، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل التطعيم، والتعقيم، والتوعية المجتمعية.
وتوضح لـ"عين الأسواني" أن المديرية تنفذ بشكل مستمر حملات لتطعيم وتعقيم الكلاب من خلال فرق متخصصة تضم أطباء بيطريين وعمالًا مدربين، تعمل عبر الإدارات البيطرية الست المنتشرة بمراكز محافظة أسوان، بما يسهم في تغطية مختلف المناطق المستهدفة.
وحاولنا التواصل مع الدكتور محمد سعيد حسن، وكيل وزارة الصحة بأسوان، هاتفيًا وعبر تطبيق "واتساب"، للاستفسار عن أسباب عدم توافر الأمصال في بعض الوحدات الصحية، والإجراءات المتخذة لضمان توافرها، إلا أنه لم يرد حتى موعد نشر هذا التقرير.
تستمر معاناة الأهالي مع نقص الأمصال في محافظة تتكرر فيها حوادث عقر الكلاب ولدغات العقارب، حيث تتحول رحلة البحث عن المصل إلى سباق مع الزمن.