تماثيل مثيرة للجدل ومواهب مدفونة.. كيف تُختار الأعمال الفنية بأسوان؟

تصوير: أمنية حسن - تمثال بأحد ميادين أسوان

كتب/ت أمنية حسن
2026-09-17 11:56:04

في أغسطس 2024، انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" صورة تمثال على هيئة إبريق شاي في أحد ميادين مدينة أسوان الجديدة، قبل أن تجري إزالته لاحقًا عقب التعليقات الساخرة منه، وبرر رئيس جهاز مدينة أسوان الجديدة حينها أن المجسم كان إهداءً من أحد الفنانين، أراد من خلاله التعبير عن إعجابه بمدينة أسوان الجديدة، ونفذه على نفقته الخاصة.

ورغم امتلاك أسوان مواهب فنية وفنانين تشكيليين ونحاتين، فإن هذه الواقعة لا تبدو منفردة، حيث تشهد ميادين أسوان وضع تماثيل تثير استغراب المواطنين أو سخريتهم، من بينها تمثال الحصان المقلوب الذي وضع في طريق السادات بمدينة أسوان.

وتثير هذه الوقائع تساؤلات حول الطريقة التي تختار بها المحافظة أو المجالس المحلية الأعمال الفنية التي تُعرض في الميادين، والمعايير التي تستند إليها في اختيار هذه الأعمال، خاصة في ظل غياب كلية للفنون الجميلة في أسوان، وما قد يترتب على ذلك من تأثير في آليات الاستعانة بالفنانين واختيار الأعمال المناسبة للفراغات العامة.

هوية المدينة

وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع إعلان محافظة أسوان عام 2020 خطة شاملة لتطوير المدينة وتجميل ميادينها، بما يفترض اختيار أعمال فنية تتناسب مع هويتها البصرية والثقافية. إلا أن الواقع يثير تساؤلات حول غياب معايير واضحة لاختيار الأعمال والجهات المسؤولة عن تقييمها والموافقة عليها، وهي تساؤلات عادت للواجهة مع تطوير طريق السادات.

يؤكد ذلك الدكتور رضوان عبد الراضي، مدير مركز حضارة وتراث أسوان بجامعة أسوان والمتخصص في تراث المدينة: "أسوان رغم ثرائها بالمحيط الطبيعي والخامات التي تصلح للأعمال النحتية، وفي مقدمتها الجرانيت، تفتقر ميادينها العامة إلى أعمال فنية تجسد هويتها المحلية، مقارنة بالقاهرة".

ويوضح لـ"عين الأسواني" أن المشهد البصري في المدينة يغلب عليه الرسم والجداريات المنفذة على واجهات العقارات ومحولات الكهرباء، بينما يظل حضور النحت محدودًا في التعبير عن البيئة والتراث الأسواني.

ويربط عبد الراضي أحد أسباب هذا الغياب بعدم وجود كلية للفنون الجميلة في أسوان، موضحًا أن الأقسام الفنية المتاحة تركز بدرجة أكبر على الحرف والمصنوعات الجلدية وأعمال الخوص والعرجون، أكثر من اهتمامها بالنحت الميداني.

وتؤيد الفنانة والنحاتة التشكيلية فاطمة علواني هذا الطرح، موضحة أن اختيار الفنانين لتنفيذ المشروعات الفنية الرسمية غالبًا ما يكون بصورة مركزية؛ إذ قد تختار المحافظة أو وزارة الثقافة أو الجهة المنفذة فنانًا من القاهرة أو من خارج أسوان، وفقًا لمعايير تتعلق بالمسابقة أو التكليف أو شهرة الفنان، أو ارتباط العمل بفعالية ثقافية، دون أن يكون انتماء الفنان إلى المدينة أو موهبته الفنية شرطًا أساسيًا في الاختيار.

وترى علواني في تصريحات خاصة لـ"عين الأسواني" أن المشكلة الأهم تتعلق بالحفاظ على الهوية المحلية في الأعمال الفنية، موضحة أن وجود عمل فني في كل ميدان من ميادين أسوان لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الجمالي فقط، وإنما يجب أن يحمل دلالة مرتبطة بالمكان، ويعبر عن عناصر من هويته، مثل النوبة والنيل والجرانيت وتاريخ أسوان.

على بُعد 17 كم، لم تكن أشرقت محمد، 27 عامًا، تدرك خلال خروجها من منزلها بحي الرضوان بمدينة أسوان، أنها ستجد مجسمًا في طريقها إلى العمل، منصوبًا على جانب الطريق. تقول أشرقت إنها تعجبت من فكرة التمثال وما يعبر عنه، وظلت تتساءل عما إذا كان يحمل دلالة أو أهمية لا تدركها. 

وتضيف: "بعد أيام، عندما تصفحت الهاتف، وجدت العديد من حالات السخط بين الناس تشترك في رأيي"، وتصف المجسم بأنه تمثال لشخص على حصان بوضعية معكوسة، مكبل اليدين ويحمل شيئًا غير واضح المعالم، من دون أي علامات استرشادية توضح فكرته أو دلالته.

يحدث ذلك رغم وجود خطة تطوير مدينة أسوان من خلال بروتوكول تعاون بين المحافظة والجامعة الألمانية، لتنفيذ مشروع الهوية البصرية والاستفادة من خبرات الجامعة وإمكاناتها الفنية والتكنولوجية والإدارية في مجالات التصميم والتطوير، بما يدعم المدينة جماليًا وتخطيطيًا. وتجدد التعاون في أبريل 2026 بين الجامعة ومحافظة أسوان ضمن رؤية أسوان 2040، دون الإشارة إلى تعاون مماثل مع فناني أسوان.

البحث عن التراث

وهنا يشير الدكتور رضوان إلى أن المبادرة في بعض الأعمال قد تأتي من جهات أو أفراد، يتوجهون إلى المحافظة للحصول على الموافقة على وضع العمل الفني في الميادين العامة، لافتًا إلى مفارقة تتمثل في أن الجهة المنفذة أو الفنان هو من يتحمل تكلفة العمل بالكامل.

لكن المشكلة، من وجهة نظره، لا تتعلق بالتمويل وحده، وإنما أيضًا بطبيعة الاختيارات الفنية: "أن أزمة الاختيارات والذوق الفني قد تعود إلى فجوة في فهم طبيعة الفن المناسب للميادين، إذ قد تُقدَّم مدارس فنية، مثل التجريدية أو السريالية، لا يفهمها عامة الناس. رغم أن العمل الفني يجب أن يخرج من رحم البيئة الطبيعية والشعبية حتى يتقبله الناس ويحقق الهدف منه".

في المقابل، توضح دراسة منشورة في مجلة التراث والتصميم الصادرة عن جامعة الملك سلمان الدولية، فرع شرم الشيخ، عام 2026، بعنوان "الأعمال الفنية الحضرية كعناصر تشكيلية للهوية البصرية في المدن"، أن الأعمال الفنية الحضرية، مثل النُصُب والتماثيل والجداريات، تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل الهوية البصرية للمدن.

وتشير الدراسة إلى أن قيمة هذه الأعمال لا تتوقف عند الجانب الجمالي، وإنما تمتد إلى علاقتها بذاكرة المكان وهويته، موضحة أن التراث المحلي والرموز التاريخية يمنحان المدينة شخصية مميزة مرتبطة بذاكرتها الجماعية، بينما تسهم العناصر الجمالية الواضحة في تكوين صورة ذهنية متفردة لدى السكان والزوار. 

وهذه العناصر تحديدًا تراها الفنانة والنحاتة فاطمة علواني متوافرة في أسوان بصورة واضحة: "أن أسوان من المدن الغنية بالعناصر البصرية والثقافية، فهي تجمع بين الحضارة المصرية القديمة والثقافة النوبية ونهر النيل، وحجر الجرانيت الذي اشتهرت به أسوان عبر التاريخ، فمن رأيي يجب أن يُستغل في أعمال نحتية داخل أسوان، فهذه العناصر تعكس هوية المدينة وتاريخها العريق".

في مارس 2026، وجّه المهندس عمرو لاشين، محافظ أسوان، باستغلال أعمال مهرجان سمبوزيوم أسوان السنوي للنحت ووضعها في ميادين مدينة أسوان. ويمثل القرار خطوة إيجابية نحو تحويل الفراغات الحضرية إلى متاحف مفتوحة، إلا أنه يتقاطع مع واقع آخر، هو أن أغلب المشاركين في المهرجان، وفقًا لقوائم المشاركين السنوية، من فنانين من خارج محافظة أسوان.

وترى علواني أن وجود هذه الأعمال في الميادين يتجاوز فكرة تجميل الشوارع إلى تشكيل علاقة أعمق بين السكان والمكان: "الميادين العامة تمثل الواجهة البصرية للمدينة، بينما تمنحها أعمال النحت شخصية مميزة وتترك انطباعًا لدى السكان والزائرين، كما تساعد هذه الأعمال في نشر الثقافة الفنية وتعزيز الانتماء، وربط المواطنين بتاريخهم وتراثهم من خلال أعمال فنية ذات قيمة تعبر عن ثقافتهم".

آلية الاختيار تطمس المواهب

في منتصف ميدان الزلابية بحي شرق مدينة أسوان، يتوسط المكان تمثال مكوّن من حلقتين متقاربتين، من دون وجود أي شاهد أو لوحة تعريفية توضح فكرته أو دلالته لسكان المنطقة. وكان ميدان الزلابية قديمًا نقطة تجمع لعمال السد العالي خلال فترة الستينيات، حيث كانوا ينتظرون وسائل المواصلات التي تنقلهم إلى مناطق العمل بالسد.

ويروي أحمد عبد الحميد، 37 عامًا، من سكان المنطقة، لـ"عين الأسواني"، أن التمثال موجود منذ تشييده قبل نحو 3 سنوات، ولا يعرف أحد إلى ماذا يرمز أو لماذا اتُخذ قرار وضعه في هذا الموقع: "عايشنا معه بعد مرحلة الاستفهام إلى اللامبالاة، وهو أفضل من جعل الميدان كما كان سابقًا، يعاني من الهدم والإهمال".

وفي المقابل، تستنتج دراسة مجلة التراث والتصميم أن غياب محددات تصميمية واضحة تنظم العلاقة بين العمل الفني والفضاء الحضري يؤدي إلى ضعف توافق بعض الأعمال مع الهوية الثقافية والسياق العمراني. 

كما تشير إلى أن الفجوة بين الهوية البصرية للمدينة والأعمال المصممة قد ترتبط بغياب دور المؤسسات الأكاديمية والمهنية في تصميم الأعمال الفنية الحضرية وتقييمها.

وظهرت تلك التماثيل إلى أحد الميادين التي أُنشئت ضمن مشروع تطوير وتوسعة وتجميل طريق السادات عام 2025، فقد تعرض أحد الميادين الأربعة ضمن المشروع لانتقادات من الأهالي، ووصفه البعض بأنه من "تماثيل الجاهلية". ووفقًا لجولة ميدانية، يتكون الميدان من ستة أعمدة مصنوعة من قوالب الطوب، تعلوها قطع بيضاوية.

وترى النحاتة فاطمة علواني أن الجدل حول هذه الأعمال لا يعني بالضرورة رفض الفن الحديث، بقدر ما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرة العمل على التواصل مع الجمهور والمكان.

وتوضح علواني أنه من المهم أن يكون العمل الفني قريبًا من الجمهور ويحمل فكرة يمكن التفاعل معها، لكن ليس بالضرورة أن تكون جميع تفاصيله مباشرة أو تقليدية" "نحتاج إلى تغيير طريقة اختيار الأعمال قبل تنفيذها،".

أما عن مسؤولية طبيعة الأعمال المنفذة، تؤكد علواني أن غياب الحوار بين أصحاب القرار والفنانين يمثل أحد أسباب المشكلة، موضحة أن المسؤولية ترجع إلى عدم وجود طاولة نقاش تجمع المسؤولين والفنانين، مشيرة إلى أن هذا الأمر بدأ يحدث مؤخرًا مع محافظ أسوان.

وفي المقابل، تؤكد المحافظة أن اختيار الأعمال لا يتم بمعزل عن الجهات المتخصصة، حيث تتبع المحافظة خططًا لتطوير وتجميل الميادين، واختيار التصميمات الهندسية والفنية المناسبة لتنفيذها بمعرفة الجهات المختصة والفنانين والاستشاريين المعنيين.

وبين ما تقوله الجهات الرسمية وما يراه السكان والفنانون، يبقى نجاح تطوير الميادين مرتبطًا بمدى تحول العمل الفني من مجرد عنصر تجميلي إلى جزء من هوية المكان.