على امتداد السوق السياحي في مدينة أسوان، تتراصّ محال العطارة وتتداخل ألوان الأعشاب والتوابل مع روائح الزيوت والعطور، بينما يتنقل السائحون بين المحال، يتوقف بعضهم أمام زجاجات صغيرة مصطفة على الأرفف، أو يختار رائحة لتكون ذكرى يحملها معه بعد مغادرة المدينة. في هذا السوق، لا تبدو زجاجة العطر مجرد منتج للبيع، بل جزءًا من مشهد ارتبط بأسوان لسنوات طويلة.
العطر في أسوان حكاية تتجاوز البيع والشراء؛ ارتبطت بالنقاء والجمال، وانتقلت الروائح والزيوت بين مصر والسودان عبر طرق التجارة، حاملة معها خبرات تركيب العطور، ومع الوقت، استقرت هذه الخبرات في أسوان، وتحولت إلى حرفة توارثها أصحاب المهنة، وجزء من هوية المدينة ومشهدها السياحي.

حين انتقلت الصنعة مع أصحابها
يروي عبد الله محمد، صاحب محل للعطور بالسوق السياحي لـ"عين الأسواني"، أن خصوصية العطر في المدينة تبدأ من فهم الزبون قبل اختيار الرائحة: "السائح الأجنبي الذي يصل إلى أسوان يحمل معه عطورًا غربية، ولذلك لا يكمن التحدي في تقديم ما يعرفه بالفعل، وإنما في أن تمنحه شيئًا يشعره بأنه سيأخذ معه جزءًا من المكان".
ومن هنا تأتي أسماء عطور مثل "كليوباترا، نفرتيتي، أبو سمبل"، التي تخاطب الأجانب بروائح خاصة بأسوان لا يجدون مثلها في بلادهم، مثل الورد والفل والياسمين، إلى جانب الروائح العربية التي تحمل طابعًا مختلفًا، مثل العود والمسك والعنبر.

وبحكم موقع المدينة وعلاقتها التاريخية بالسودان، عرفت منذ سنوات طويلة حركة تبادل لم تكن تقتصر على البضائع وحدها، حيث كانت الجلود والعسل والبهارات والخامات تأتي من السودان، ومع هذه الحركة التجارية، عبرت الروائح أيضًا؛ زيوت وبخور ومواد ارتبطت بعادات وطقوس لم تتوقف عند الحدود.
وبنفس المشاعر، يصف مصطفى حسين، صاحب محل للعطور الذي ورث المهنة عن والده، التحول الذي شهدته مدينة أسوان في هذه المهنة. يتذكر كيف كانت المدينة في الماضي تستقبل الخامات والمنتجات السودانية، وكان أصحاب المهنة ينتظرون ما يأتي عبر الميناء، قبل أن تتغير الصورة مع الوقت.
ويقول مصطفى: "لم تعد بعض ملامح التراث السوداني تصل إلى أسوان في طرود وبضائع فقط، بل جاءت معها أيدي أصحابها وخبراتهم".

سحر عطور أسوان
لكن العطر في أسوان، وفق عبد الله، لم يظل مجرد منتج يأتي من الخارج، مع الوقت، أصبح له صانعوه وأسراره وذوقه الخاص: "السائح يبحث عن شيء يربطه بأسوان، بينما للزبون المصري حسابات أخرى، ففي الصعيد، حيث الحرارة جزء من تفاصيل الحياة اليومية، يختلف الذوق ويميل إلى اختيار الرائحة القوية والثابتة، لذلك تظهر أسماء مثل تراب الذهب وأجواد الليل، إلى جانب أنواع مختلفة من العود".
وهنا تصبح المهنة أكبر من مجرد حفظ أسماء العطور، كما يوضح عبدالله، فهي معرفة بكيفية التعامل مع أنف الزبون، ومتى يتوقف البائع عن عرض الروائح، ومتى يقترح تركيبًا مختلفًا.
ويتحدث عبد الله كذلك عن الطقوس الخاصة لدى السودانيين مع الصندل والخمرة، ومنها خلطات ترتبط بالمحلب والدفرة والمسك والعود، وتدخل في طقوس الحنة، وفي أسوان توجد بدورها تقاليد نوبية تمثل العطور فيها حضورًا أساسيًا، إلى جانب التقاليد التي اشتهرت بإنتاج زيوت طبيعية تستخدم في العلاج والمساج والعناية بالشعر، مثل الكافور والروزماري واللوز وغيرها.
ومن بين أبرز ما تعرضه محال السوق السياحي في أسوان، تأتي المخمريات في مقدمة منتجات العطور، التي تضم نحو 10 أنواع من الروائح، وترجع جذورها إلى الفراعنة، إذ كانت تُصنع للملكة كليوباترا، وتُستخلص من شجرة المر والحبهان المطحون وزيت الزيتون والمسك.
والتخمر هو تعتيق العطر، بينما المخمرية معطر للجسم يمكث لفترة طويلة نظرًا لشدة ثباته، لذا تحظى المخمريات بإقبال كبير من زوار أسوان، من المصريين والأجانب، كما يقبل الأشقاء السودانيون على شرائها، وتتميز بأنها آمنة، إذ توجد منها مخمريات خالية من الكحول ومكونة من مواد طبيعية تناسب الأطفال.
السر في التعتيق والمزج
ويستطيع بعض باعة العطور في السوق السياحي بأسوان تركيب أنواع خاصة من العطور عبر مزجها، مثل عبد الحميد محمد، بائع عطور، بدأ مشواره في عالم العطور بين عامي 2004 و2006، متنقلًا بين القاهرة وقنا، قبل أن يستقر في أسوان، مركز صناعة العطور.

أكثر من عشرين عامًا قضاها في المهنة، يروي كيف يمكن للبائع بخبرته أن يدمج عطرين ليصنع رائحة ثالثة مختلفة، وصفة لا تكون مكتوبة على العبوة ولا يعرف تفاصيلها إلا صاحب الخبرة.
يقول: "بعد مزج الزيت والمثبت والكحول، يحتاج العطر إلى وقت، ويُترك في مكان مظلم لمدة شهرين أو ثلاثة حتى يكتمل تفاعله، فتقوى رائحته ويزداد ثباته وفوحانه".
ويتابع إنها مرحلة لا يراها الزبون، فيرى زجاجة جاهزة على الرف، لكنه لا يرى الوقت الذي سبق وصولها إليه، وهذا تحديدًا ما يجعل المهنة أقرب إلى حرفة لها أسرارها، لا مجرد تجارة تعتمد على شراء زجاجة وبيعها. لذلك قد لا تكون مهنة متوارثة إلا لمن أحبها ورغب في تملك أسرارها والابتكار فيها.
صناعة العطور في أسوان مهنة تنشط طوال العام باختلاف مناسباتها بين ذروة موسم السياحة الشتوية، وحفلات الزفاف أو رغبة في اقتناء زجاجة عطر، وهكذا أصبحت أسوان مكانًا تلتقي فيه روائح متعددة وزيوت وبخور ودلكة وخلطات جاءت بخبراتها من السودان أو تحمل تاريخ مصري قديم وتتطور مع الزمن.