"معاشاتنا لن تكفي".. الخوف يخيم على سكان الإيجار القديم في سوهاج

تصوير: رنا محمد - سكان الإيجار القديم في سوهاج

كتب/ت رنا محمد
2026-03-02 21:00:00

لا تزال تداعيات تعديل قانون الإيجار القديم، الذي صدّق عليه رئيس الجمهورية في أغسطس الماضي، على المستأجرين، وبينهم أسر وكبار السن ونساء، قيد الرصد، في ظل شكاوى ومخاوف من زيادة قيمة الإيجار بدرجة كبيرة لا تتناسب مع الرواتب والمعاشات.

ومع الأعباء الاقتصادية الحالية، والنص على إخلاء الوحدات بعد سنواتٍ قليلة، الشقق التي عاشوا بها لسنوات طوال وعدم مناسبة المساكن البديلة التي من المفترض أن توفرها الحكومة، إلى جانب عدم شمولها لجميع فئات المستأجرين.

سكان الإيجار القديم في سوهاج

كبار السن بين القانون ولجان الحصر

ونص القانون رقم 164 لسنة 2025 "بشأن بعض الأحكام المتعلقة المتعلّقة بقوانين إيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر"، الذي تضمن عشر مواد، كما نُشر في الجريدة الرسمية، على انتهاء عقود الإيجار للأغراض السكنية بعد 7 سنوات، ولغيرها بعد 5 سنوات، "ما لم يتم التراضي على الإنهاء قبل ذلك" (مادة 2).

وعلى تشكيل لجان حصر بكل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية (مادة 3)، وعلى زيادة قيمة الإيجار الشهري للأماكن السكنية في المناطق المتميزة بمقدار عشرين ضعف القيمة السارية، وبحدّ أدنى ألف جنيه، وبمقدار عشرة أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية وبحد أدنى 400 جنيه و250 جنيه على الترتيب، مع التزام المستأجر بسداد الفروق المستحقة إن وُجدت بعد إعلان نتائج لجان الحصر بكل محافظة (مادة 4)، وزيادة سنوية في قيمة الإيجار بنسبة 15% (مادة 6).

سكان الإيجار القديم في سوهاج

كما "يلتزم المستأجر، أو من امتد إليه عقد الإيجار.. بإخلاء المكان المؤجَّر وردّه إلى المالك أو المؤجِّر" بنهاية السبع أو الخمس سنوات، أو في حالتي: إغلاق الوحدة المؤجَّرة لمدة تتجاوز سنة بدون مبرر، أو امتلاك المستأجر أو من امتد إليه عقد الإيجار وحدةً أخرى (مادة 7).

 وللمستأجرين أو من امتدت إليهم عقود الإيجار، "أحقية في تخصيص وحدة سكنية أو غير سكنية، إيجارًا أو تمليكًا، من الوحدات المتاحة لدى الدولة"، وفق قواعد وشروطٍ وإجراءاتٍ تحكم هذا التخصيص (مادة 8).

سوهاج وسط المشهد العام

واعتمادًا على تعداد السكان والظروف السكنية والمباني لعام 2017، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أعدّ "مرصد العمران" صحيفة بيانات حول إحصاءات الإيجار القديم على مستوى الجمهورية.

وتوجد أكثر من 3 ملايين وحدة بعقود الإيجار القديم على مستوى الجمهورية، "بين شقق وبيوت ودكاكين وجراجات"، يمثل السكَني منها نسبة 54%، وفقًا لإحصاءات مرصد العمران.

وتسكن 1.6 مليون أسرة في شقق إيجار قديم، غالبيتها العظمى في القاهرة الكبرى، بينما تضم محافظات الصعيد 6% من إجمالي تلك الأسر.

سكان الإيجار القديم في سوهاج

وعلى مستوى محافظة سوهاج، هناك 20 ألف أسرة تسكن وفقًا لقانون الإيجار القديم، بنسبة 1.8% من الأسر على مستوى المحافظة.

وكان محافظ سوهاج اللواء دكتور عبد الفتاح سراج، قد أعلن في تصريحاتٍ إعلامية في نوفمبر الماضي، عن انتهاء المحافظة من أعمال لجان حصر المناطق.

المستأجرون كبار السن في سوهاج

تحدّثت "أهل سوهاج" مع عددٍ من المسنين الذين يسكنون في شقق وفقا لقانون الإيجار القديم، وقد مثل لهم تعديل القانون هاجسًا مؤرّقًا لهم في حياتهم اليومية، ومستقبل أسرهم. 

فاطمة عبد الله، وهي سيدة في السبعينيات من عمرها، تقيم في منطقة الجبابين بمركز أخميم، تقول لـ "أهل سوهاج": "معاشي 2000 جنيه، لا يكفيني لتغطية الاحتياجات الأساسية كالطعام والعلاج، إيجار الشقة قبل تعديل القانون كان 35 جنيهًا، ولكن حاليًا أصبح 350 جنيها، هذا المبلغ  فوق قدرتي، أنا أصلًا كنت بادفع الإيجار بالعافية.. هجيب الزيادة دى منين؟".

تضيف: "لا يقلقني المبلغ الحالي وحده، بل ما سيأتي بعده، فالقانون ينص على زيادة سنوية بنسبة 15% أي أن الـ 350 جنيهًا ليست ثابتة، بل في ارتفاع مستمر"، مشيرةً إلى أن ذلك يعني زيادة العبء عليها مع مرور السنوات، "لو النهاردة باواجه مشكلة في دفع 350 جنيه هاعمل إيه لما يبقى الفرق بالآلاف؟"، وذلك بعد انقضاء السبع سنوات وخضوع القيمة الإيجارية بالكامل لسعر السوق والعرض والطلب.

سكان الإيجار القديم في سوهاج

وفي محاولةٍ منها لمواجهة هذا الوضع الجديد، حاولت فاطمة العودة إلى مهنة الخياطة التي مارستها في فترة شبابها، ولكنها تشعر أن صحتها لم تعد تساعدها، وهو ما يعني أنه سيكون من الصعب عليها الاستمرار في ممارستها.

وعن علاقتها ببيتها تقول: "أرتبط  به ارتباط شديد، هذا البيت مكثت فيه أكثر من خمسين سنة، التفكير في مغادرته أمر مؤلم ومزعج"، وتؤكد أن الزيادة الإيجارية لا بد أن تراعي كبار السن ومحدودي الدخل، "أنا مش باطلب كتير، بس نفسي أعيش اللي فاضل من عمري من غير خوف إني أفقد بيتي."

"زيادة تُثقل الكاهل"

يسكن ناصر عبد الغني، 65 عامًا، يسكن شرق مدينة سوهاج، في منطقة صُنّفت انها "متوسطة"، حيث كان يدفع إيجارًا قدره 45 جنيهًا قبل تعديل القانون، ليرتفع بعد التعديل بمقدار عشرة أضعاف، ويصل لـ 450 جنيهًا، بخلاف الزيادة السنوية.

يقول ناصر لـ "أهل سوهاج" إنه لا يعترض على رفع قيمة الإيجار من حيث المبدأ، شريطة ألّا يكون مبالغًا فيه، وأن يأتي بما يتناسب مع دخله، إلا أن الزيادة المقررة "أثقلت كاهله" على حد قوله، خاصةً مع سداد الفروق المستحقة بعد إعلان نتائج الحصر، والبالغة في حالته 200 جنيه عن كلّ شهرٍ سابقٍ.

 وأشار إلى أن دخله متقاعد "على المعاش" محدود، ومع ارتفاع أسعار الوقود والطعام والدواء أصبح مضطرًا للتنازل عن بعض احتياجاته اليومية، خاصةً أن أي زيادة في المعاش يقابلها ارتفاعٌ فوريٌّ في الأسعار، ومن ثم لا يشعر بأي تحسن حقيقي، على حد تعبيره.

سكان الإيجار القديم في سوهاج

ويرفض ناصر تمامًا فكرة "طرد المستأجرين"، بما يؤدي إليه من "تشريد الساكن"، حسب قوله، ويرى أن البدائل التي تطرحها الدولة كنقل المستأجرين إلى مناطق بعيدة مثل منطقة "الكولا"، -هي إحدى القرى التابعة لمركز أخميم الواقعة تحت سفح الجبل الشرقي على طريق سوهاج-البحر الأحمر-، غير مناسبة لكبار السن.

 ويتابع "مناطق صحراوية بعيدة عن العمران، وتفتقر إلى المستشفيات والخدمات الصحية ووسائل المواصلات"، على حدّ وصفه، حيث تقتصر وسائل المواصلات المتوفرة على سيارات الأجرة وهي ذات تكلفةٍ عالية، حسبما أفاد

 ويذكر أن انتقاله من وإلى تلك المنطقة سيكلفه الكثير، ففي كل زيارةٍ له للتأمين الصحي الخاص به، الواقع في منطقة الري بمركز أخميم، سيدفع على المواصلات ما لا يقل عن 100 جنيه، كما يقول، كما أن الانتقالات اليومية لابنتيه، لأغراض الدراسة الجامعية أو العمل، ستكون كذلك شاقةً ومكلفةً ومستهلكة لساعات اليوم.

الحل الأمثل من وجهة نظره أن تكون البدائل السكنية المقدّمة للمستأجرين داخل المناطق العمرانية القائمة، بدلًا من إجبارهم على مناطق بعيدة لا تتوفر فيها الخدمات الأساسية، حسب قوله.

"إمكانيات محدودة ومستقبل غير مضمون"

خديجة عبد الهادي، أرملةٌ ستينية، تقول لـ "أهل سوهاج" إن الزيادة الأخيرة في الإيجارات "هتخلّص علينا"، فهي تعتمد على معاش زوجها الذي لا يتجاوز 3000 جنيه على حد قولها، وهو يغطي بصعوبة احتياجات البيت وأبنائها الثلاثة: ابنٌ في الصف الثالث الثانوي وابنتان في الجامعة.

وتضيف أن المعاش لم يكن يومًا كافيًا، خاصة مع ارتفاع المصاريف الجامعية والمدرسية، مما اضطرها إلى العمل، كمحفظة قرآن في دار، لتتمكن من توفير أساسيات الحياة: "المعاش عمره ما كان يكفّي، ابني في الصف الثالث الثانوي والدروس نار، والبنات في الجامعة ومصاريفهم كبيرة، فاضطريت أشتغل عشان أقدر أعيش".

كان إيجار مسكن خديجة 20 جنيهًا، وبعد تعديل القانون أصبح 250 جنيها، وهو ما تراه عبئًا أضيف إلى ميزانيتها المحدودة، وتقول إن المشكلة الأكبر تكمن في المستقبل، "أقل إيجار شقة اليوم يكلف 2500 جنيه.. طب بعد سبع سنين؟ هايوصل 6 أو7  آلاف جنيه؟ هاجيب منين؟ من شغلي ومعاش جوزي هاسدّد إيجار بس؟".

وتؤكد أنه كان ينبغي تثبيت القيمة دون زيادة سنوية، "على الأقل عندما تنتهي مدة السبع سنين، سيكون أبنائي قد كبروا وأصبحوا قادرين على معاونتي".

وبرغم من تفهمها لوضع الملّاك، تصف خديجة تعديل القانون بأنه "غير عادل"، إذ يضر بالفئات البسيطة مثلها، وتضيف: "لو كان بإمكاني الرحيل لفعلت منذ زمن طويل، لكنّي مرتبطة بظروفي"، مطالبةً بتعديل "أكثر إنصافًا".