تشريد الفرق الفنية.. عن أثر غلق قصر ثقافة سوهاج 4 سنوات

تصوير: رحمة أشرف - قصر ثقافة سوهاج

كتب/ت رحمة أشرف
2025-07-13 16:43:21

حين تصل إلى ميدان الأوبرا في محافظة سوهاج، تقف أمام مبنى ضخم مكسو بالغبار، تحيطه ملامح الإهمال من كل جانب، للوهلة الأولى، قد تظنه بناية مهجورة أو خرابة تُركت للنسيان، إلا أنك ما تلبث أن تكتشف أنه قصر ثقافة سوهاج، الوحيد في المدينة، والمغلق منذ أكثر من أربع سنوات بدعوى أعمال التطوير.

هذا القصر، الذي كان في وقت مضى منارة ثقافية ومتنفسًا للفنانين والأدباء والأطفال والشباب، تحوّل إلى هيكل صامت محاصر بالنفايات والخراب، بعد أن توقفت أنشطته، وغابت الحياة عن قاعاته، ومسرحه، ومكتبته، ورغم الوعود المتكررة ببدء أعمال التطوير، فإن الواقع يروي قصة مختلفة.

4 سنوات من الإغلاق

مؤخرًا، زار الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، قصر ثقافة سوهاج وقصر ثقافة الطفل الملحق به، برفقة اللواء عبد الفتاح سراج، محافظ سوهاج، للوقوف حسب البيان الرسمي على الوضع الحالي لأعمال التطوير ورفع الكفاءة، استعدادًا لافتتاحهما خلال الشهور المقبلة.

الجولة شملت، بحسب البيان، تفقد مباني القصر الذي يقع على مساحة 3500 متر مربع، ويضم مبنى المسرح، ومبنى الطفل، والمبنى الإداري، وأكدت الوزارة أنها اطلعت على حجم الأعمال المنفذة وناقشت التحديات القائمة وسبل الإسراع بالانتهاء من المشروع.

لكن بعيدًا عن التصريحات الرسمية، وعلى أرض الواقع، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا؛ وفق جولة قام بها "أهل سوهاج" فلا أثر لعمال أو معدات أو حركة تطوير حقيقية، المبنى ما زال كما هو، مهملاً ومغلقًا، والنفايات تتناثر حوله، مما يطرح علامات استفهام حول مصير هذه المنشأة الثقافية التي انتظرها أهالي سوهاج طويلًا، دون جدوى حتى الآن.

وبحسب الجولة غطى الغبار المبنى، إلى جانب تحطم النوافذ والأبواب، وانتشار القمامة والحشرات والفئران حوله، ولا شيء يشير إلى أن هذا المكان احتضن يومًا عروضًا مسرحية، بل أصبح مكانًا مهجورًا.

قصر ثقافة سوهاج مهجورًا

يُعد قصر ثقافة سوهاج واحدًا من أقدم وأهم الصروح الثقافية في صعيد مصر، إذ تأسس عام 1967 ليكون منارة للأنشطة الثقافية والفنية بالمحافظة، ومنذ إنشائه، اضطلع القصر بدور محوري في نشر الوعي والإبداع، من خلال تقديم برامج متنوعة تشمل العروض المسرحية والحفلات الموسيقية والفنون التشكيلية، فضلًا عن الندوات الأدبية والورش التدريبية. 

كما يضم القصر مكتبة عامة ثرية تحتوي على أكثر من 10 آلاف كتاب في مختلف فروع المعرفة، ما يجعله وجهة مهمة للباحثين والمهتمين بالثقافة.

لكن في العام 2021 تعرض لأزمة حينما أُغلق بأمر من وزارة الثقافة بدعوى بدء أعمال الصيانة، لكن ما حدث بعد ذلك كان أبعد ما يكون عن مجرد "صيانة بسيطة"، كما أوضح المخرج المسرحي بالقصر دياب كمال: "لم يكن القصر بحاجة سوى إلى بعض الإصلاحات البسيطة، لكن مدير عام القصر وقتها اتخذ قرارًا مفاجئًا بغلق المبنى وهدمه بالكامل وإعادة بنائه، ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية".

وأضاف كمال أن هذا القرار العشوائي أطاح بخطط التطوير الأصلية، تسبب في تجميد الميزانيات وتأخر التنفيذ لسنوات: "ها نحن ندخل عامنا الرابع بدون مبنى أو أنشطة ثقافية فعلية، رغم أن ما كان مطلوبًا في البداية لا يستدعي كل هذا التعطيل".

تشريد الفرق

يؤيده عبدالحافظ بخيت، مدير عام النشر الأسبق بقصر ثقافة سوهاج، بأن أكثر من أربع سنوات مرت دون أي مؤشر حقيقي لإعادة افتتاح القصر، موضحًا أن تجاهل سوهاج لا يقتصر على إغلاق القصر، بل يمتد إلى تغييبها عن الفعاليات الثقافية.

واستشهد بقيام الهيئة العامة لقصور الثقافة بتنظيم مؤتمر عن التراث الشعبي للمحافظة في الزمالك بالقاهرة خلال أبريل الماضي، دون دعوة أي باحث من أبناء سوهاج، رغم أن بعضهم تقدم بأبحاث متخصصة، لم يُلتفت إليها ولم تُوجه لهم دعوة واحدة.

ولم تتوقف الخسائر عند حدود البنية التحتية فقط، بل امتدت إلى قلب الحركة الثقافية والفنية في سوهاج، حيث أثّر الإغلاق المطوّل بشكل مباشر على الفرق المسرحية التي وجدت نفسها مشردة، تبحث عن مساحات بديلة لتقديم عروضها.

قال دياب كمال: "توزعنا على مراكز الشباب في مختلف أنحاء المحافظة، وهي أماكن غير مؤهلة فنيًا للعروض المسرحية، في أحد الأعوام اضطررنا لتقديم عرض في نادي المحليات، لكننا كنا مقيدين بوقت محدد لأن المكان غير مخصص لهذا النوع من الفعاليات، كما أن وجود قاعة أفراح مجاورة أثّر بشدة على جودة الصوت وفقدنا السيطرة على أجواء العرض، لدرجة أن مجهود الفريق بالكامل ضاع دون مردود حقيقي".

يستعيد المخرج دياب كمال واقعة أخرى: "في عام آخر اضطررنا لتقديم عرض على المسرح الروماني المكشوف، واجهنا ضوضاء السيارات المارة، وتعرضنا للاعتداء من بعض المارة، حيث رُشق الفريق بالحجارة أثناء العرض، مما أثر على أداء الممثلين، وهدد سلامة المشاركين والجمهور".

يتجلى ذلك الأثر على الفرق الموسيقية الأخرى، من بينهم فرقة الموسيقى العربية التي تعاني منذ غلق قصر ثقافة سوهاج ولا تجد مكان آخر لتقديم عروضها الفنية، حسبما أكد خالد الحبشي، مسؤول فرقة الموسيقى العربية التابعة لقصر ثقافة سوهاج.

تحدث عن حجم الإهمال الذي طال فرقته قائلًا: "منذ إغلاق القصر لم نعد نمتلك آلات موسيقية صالحة للاستخدام، نضطر إلى العمل بآلات متهالكة أو شراء ما نحتاجه على نفقتنا الخاصة، لا دعم مادي ولا حتى معنوي، ولا تُوفر لنا ملابس للعروض أو مقرات ثابتة للتدريب".

وأوضح الحبشي أن الفرقة تتدرب حاليًا في مركز شباب توشكى، وهو مكان غير مجهز، ويُزاحمهم فيه آخرون على استخدام القاعات، ما يجعل استمرار التدريبات أمرًا صعبًا وغير منتظم: "أحيانًا لا نجد مكانًا للتدريب على الإطلاق، وهذا الاضطراب تسبب في انسحاب عدد كبير من الأعضاء، وفي هذا العام قررنا إلغاء نشاط الفرقة تمامًا من محافظة سوهاج، لأننا شعرنا أن لا أحد يهتم بالفن أو الثقافة هنا".

تجارب المسرحيين والموسيقيين تعكس واقعًا مريرًا، ليس فقط لتوقف نشاط مؤسسة ثقافية عريقة، بل لفقدان مدينة كاملة مظلتها الإبداعية، في انتظار وعد بالتطوير لم يتحقق على الأرض حتى اليوم.

ضياع المواهب

لا يقتصر أثر غلق قصر ثقافة سوهاج لأربعة سنوات على الفرق فقط، ولكن امتد إلى الأسر والأطفال الذين كانوا يجدوا فيه متنفسًا للإبداع ومجالًا للتعلّم، منهم حسناء علي، وهي أم لأربعة أطفال، كانت تحرص دائمًا على اصطحاب أبنائها إلى قصر الثقافة بانتظام، مشيرة إلى أن اثنين منهم كانا يشاركان في ورشة الرسم، فيما كان الأربعة جميعًا يحضرون نادي الأدب، وكان أحدهم يشارك أيضًا في العروض المسرحية. 

وأكدت أن هذه الأنشطة لعبت دورًا كبيرًا في تشكيل شخصياتهم، وساعدتهم على التعبير عن أنفسهم واكتشاف مواهبهم.

وأضافت: "قصر الثقافة كان بيئة غنية ومحفّزة لأولادي، وفر لهم مساحة يتعلموا ويبدعوا فيها، بعد إغلاقه، توقفت معظم الأنشطة، ولم يتبقَ إلا نادي الأدب، الذي نُقل إلى مكان آخر، في البداية، لم يكونوا مرتاحين لتغيّر المكان والبيئة، وحسّوا إن في حاجة مهمة اتشالت من حياتهم، حتى إن إقبالهم على النادي قل بشكل كبير".

نفس التجربة مرت بها ميرفت علي، وهي أم لثلاثة أطفال، تؤكد إن قصر الثقافة كان يمثل لهم مساحة تعليمية وفنية مهمة، حيث كان أحد أبنائها يشارك في ورشة الرسم، بينما كان الثلاثة جميعًا يتلقون دورات تدريبية في مجال الكمبيوتر، وأسهمت هذه الأنشطة بشكل كبير في تنمية مهاراتهم وساعدتهم على اكتشاف اهتماماتهم وصقلها.

وأضافت: "بعد إغلاق قصر الثقافة، بدأ اهتمام ابني بالرسم يتراجع، وحاولت تعويضه من خلال فيديوهات تعليمية على يوتيوب، لكن لم يكن عنده نفس الحماس أو التركيز، الأنشطة داخل القصر كانت أعمق وأقرب له، ومليئة بالتفاعل والدعم، ولغاية دلوقتي مش لاقيه بديل يوفّر نفس البيئة المشجعة والداعمة، نفسي يرجع، لأنه كان مصدرًا حقيقيًا للنمو والتعليم".

بدائل غير مجدية

وفي محاولة لتقليص آثار الفراغ الثقافي الذي خلفه إغلاق قصر الثقافة، ظهرت مكتبة رفاعة رافع الطهطاوي كبديل مؤقت، تحملت جزئيًا عبء استمرار الأنشطة الثقافية في المحافظة، وأشار صلاح الجعفري، مدير المكتبة، إلى هذا الدور قائلًا: "استضفنا خلال الفترة الماضية عددًا من أنشطة قصر الثقافة، من بينها نوادي الأدب للكبار والأطفال، وبعض الندوات والفعاليات العامة، ورغم التحديات، شهدت المكتبة إقبالًا متزايدًا بفضل جهود العاملين، الذين حرصوا على الحفاظ على نبض الحياة الثقافية في سوهاج".

لكن الجعفري يوضح أن المكتبة، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا لقصر ثقافة متكامل: "نحن مؤسسة معنية بالقراءة والبحث العلمي، ولسنا مجهزين لاستيعاب جميع أنشطة قصر الثقافة، نبذل ما بوسعنا، لكننا بحاجة ماسة إلى عودة القصر، لأنه الحاضنة الأساسية للمشهد الثقافي الحقيقي في المحافظة".

أما فتحي الصومعي، رئيس نادي الأدب بقصر ثقافة سوهاج، يصف تجربة النادي خلال السنوات الأخيرة بأنها "تجربة ترحال ثقافي مرهقة"، نتيجة اضطرار الأعضاء للتنقل بين عدة أماكن بديلة بعد إغلاق القصر: "بدأنا في نادي الري بمنطقة الحويتي، ثم انتقلنا إلى مركز شباب توشكى، وأخيرًا إلى مكتبة رفاعة رافع الطهطاوي، كل موقع واجهنا فيه تحديات مختلفة، ما بين البُعد الجغرافي، وضيق المساحة، وضعف التجهيزات اللازمة لأنشطة النادي".

وأفاد أن هذا التنقل المستمر كان له تأثير سلبي مباشر على روح النادي وانتظام أعضائه: "فقدنا جزءًا كبيرًا من تماسكنا كأدباء، وتراجع الحضور في اللقاءات والفعاليات، لأن الأدباء بطبيعتهم يحتاجون إلى بيئة محفزة ومستقرة، وهو ما لم توفره تلك البدائل المؤقتة".

أسباب عدم الافتتاح

كشف أحمد فتحي، وكيل وزارة الثقافة في سوهاج، سبب التأخير في إعادة افتتاح قصر ثقافة سوهاج بأن هناك مشكلات بين الشركة المنفذة والهيئة العامة لقصور الثقافة: "مبنى الطفل التابع للقصر تم الانتهاء من 80% من أعماله منذ عام 2022، لكن الخلافات المادية بين الشركة المنفذة والهيئة عطلت المشروع بأكمله، وتوقف العمل منذ ذلك الوقت دون حلول جذرية للمشكلة".

وأضاف فتحي: "نحن نواصل العمل في مراكز الشباب، ونسعى جاهدين للحفاظ على النشاط الثقافي بأقل الإمكانيات، منذ إغلاق القصر لم نلغي أي نشاط كان قائمًا فيه، بل عملنا على استمراره في أماكن بديلة، رغم كل ما يواجهنا من تحديات لوجستية وفنية، ورغم عدم ملاءمة تلك المواقع لتقديم النشاط بالشكل الأمثل، إلا أننا نتمسك بإبقاء الحركة الثقافية حيّة في المحافظة، انتظارًا لعودة القصر إلى العمل من جديد".

بينما أكد الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، لـ"أهل سوهاج" أن قصر ثقافة سوهاج مدرج ضمن خطة الوزارة خلال العامين الماليين 2025 – 2026، مشيرًا إلى أن هذه هي المعلومات المتاحة لديه في الوقت الحالي بشأن وضع القصر ومواعيد إعادة تشغيله، ولا يعلم موعد محدد للافتتاح أو العودة.

على مدار أربع سنوات من الإغلاق، لم يُجمد فقط مبنى قصر الثقافة، بل جُمِّدت معه طاقات مئات الأطفال والشباب، لم تكن حسناء وميرفت وحدهما من شعرتا بأن أبواب الإبداع أُغلقت في وجوه أولادهما، بل كانتا مثالًا حيًا لعائلات فقدت ما كانت تراه ركيزة أساسية في تربية أبنائها فضلًا عن تشريد فرق فنية كانت ضمت مواهب مبدعة.