ارتفاع أسعار الوقود يخنق مزارعي سوهاج

تصوير: حازم شعبان - الآلات الزراعية

كتب/ت رحمة أشرف
2025-05-08 15:14:07

تدور الآلة الزراعية بضجيج مرتفع، يقف بجانبها، رضا رمضان، مزارع سبعيني من مركز أخميم في محافظة سوهاج، أفنى حياته في زراعة أرضه لكنه يخوض صراعًا مستمرًا بين تأمين لقمة العيش ومواصلة الزراعة، التي تعتبر مصدر رزقه الوحيد رغم تكاليف الزراعة التي لا تتوقف عن الارتفاع.

زادت المعاناة عقب قرار لجنة تسعير المواد البترولية بتحريك أسعار المحروقات، حيث أصبحت تكاليف الزراعة الآن عبئًا ثقيلًا يفوق قدرته المحدودة. يقول: "المهنة مش جايبة همها، بنصرف فلوس كتير على الزرع والحرث والحصاد ويلتهمها الغلاء بسبب أسعار الوقود المرتفعة".

يزرع رمضان قمح وبطاطس لكنه ليس حالة فريدة. تزيد معاناة مزارعين في الوقت الحالي بسبب اعتماد ماكينات وأجهزة الزراعة على السولار والبنزين، بينما كانت هذه الآلات تُسهم في تسهيل الأعمال الزراعية، أصبحت الآن سببًا رئيسيًا في زيادة الأعباء المالية عليهم، نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات، في ظل غياب الدعم من وزارة الزراعة.

ارتفاع تكاليف الزراعة

ليلة الجمعة 11 أبريل، أعلنت لجنة تسعير المواد البترولية عن زيادة جديدة في أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر بنزين 95 إلى 19 جنيهًا للتر بدلاً من 17 جنيهًا، في حين بلغ سعر بنزين 92 نحو 17.25 جنيهًا مقارنة بـ 15.25 جنيهًا سابقًا. 

كما شهد بنزين 80 زيادة ليصل إلى 15.75 جنيهًا للتر، بعد أن كان سعره 13.75 جنيهًا، أما السولار، وصل سعره إلى 15.5 جنيهًا للتر بدلًا من 13.5 جنيهًا.

هذه الزيادات في أسعار الوقود أثرت على جميع جوانب العملية الزراعية التي تعتمد على السولار لتشغيل الآلات الزراعية، ليجد المزارع نفسه مضطرًا لدفع المزيد من الأموال مقابل نفس العمليات التي كان ينفذها سابقًا بتكاليف أقل.

يسرد رمضان تفاصيل تكاليف الزراعة التي كانت في الماضي هاجسًا بسيطًا، وأصبحت اليوم شبحًا يطارد الفلاحين بشكل عام: "تكاليف تجهيز الأرض زادت بشكل مفزع؛ قبل ثلاث سنوات كانت تكلفة حرث الفدان لا تتجاوز 100 جنيه، بينما اليوم تتجاوز 300 جنيه، وأحيانًا تصل إلى أكثر من 1000 جنيه إذا استخدم الجرار الذي يحتاج للسولار والفدان الواحد يحتاج ثلاث سكك حرث مما ضاعف التكلفة".

أما بالنسبة لعملية بِدار المواد العضوية، التي كانت تنفّذ بتكلفة 30 جنيهًا لكل بدارة (حقيبة من الزعف التي توضع فيها المحاصيل)، ارتفعت تكاليفها بشكل كبير لتتعدى اليوم 100 جنيه لكل بدارة، وبما أن الفدان الواحد يحتاج إلى 6 بدارات، فإن التكلفة الإجمالية لهذه العملية تصل إلى حوالي 600 جنيه، وفق رمضان.

وفيما يتعلق بقلب الأرض باستخدام الحفار (الكراكة)، يوضح رمضان أن تكلفة هذه العملية كانت تبلغ حوالي 3000 جنيه للفدان، لكنها الآن تجاوزت 10,000 جنيه، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على المزارعين، خاصة أولئك الذين يمتلكون مساحات زراعية صغيرة.

وارتفع إجمالي تكاليف زراعة محاصيل في مصر على رأسها القمح والذرة الشامية بنسب 252.99% و242.55 على الترتيب، وفق دراسة بحثية نشرت في مجلة العلوم الزراعية العام 2024 للدكتور علاء سليمان، أستاذ الاقتصاد الزراعي في كلية الزراعة جامعة المنصورة.

وخلصت الدراسة إلى وجود أثر مباشر لارتفاع أسعار الطاقة على تكاليف مستلزمات إنتاج المحاصيل الزراعية في مصر خلال الفترة من 2014 - 2024.

حرث بلا مقابل

ويتحدث عادل أمام، مزارع آخر من قرية العسيرات بأولاد طوخ، عن تكلفة عملية الري: "نستخدم ماكينة ارتوازية لري الأرض، وكانت تكلفة ري القيراط 20 جنيهًا، لكن الآن أصبحت 25 جنيهًا للقيراط، ويدفعها الفلاح للشخص الذي يتولى عملية الري".

يقول: "لا يمكن تقليل عدد ساعات تشغيل ماكينات الري حتى لا يتأثر المحصول، الذي يُروى كل ثلاثة أيام وكان يستهلك 20 جنيهًا من السولار أصبح الآن يستهلك 25 جنيهًا في كل مرة".

ويدخل السولار في تشغيل الآلات الزراعية لا سيما في عملية التقليع التي كانت تتكلف 1800 جنيهًا ولكن بعد زيادة السولار تخطت الـ2000 جنيهًا، وفق رضا، كما أن تكلفة الحصاد أيضًا شهدت زيادات كبيرة، حيث ارتفع أجر ساعة الدراس من 200 جنيه إلى 600 جنيه.

يشاركه نفس المعاناة عادل، الذي يؤكد إن الآلات الزراعية التي يستخدمها كانت تستهلك صفيحتين من السولار شهريًا بتكلفة 505 جنيهات، أما الآن فهو يدفع 630 جنيهًا لنفس الكمية.

لذا يؤكد منصور عبد النبي، نقيب الفلاحين بالمحافظة، لـ"أهل سوهاج" أن زيادة أسعار السولار تؤثر سلبًا على إنتاجية وربح المزارعين، لا سيما فيما يتعلق بتشغيل أدوات الري والجرارات الزراعية المستخدمة في حرث الأرض، مؤكدًا على ضرورة أن تقوم الحكومة بتوفير السولار للفلاحين بأسعار مدعمة، في خطوة لدعم القطاع الزراعي. 

ويؤيده الدكتور خالد عياد، الباحث بمركز البحوث الزراعية (حكومي)، بأن زيادة أسعار الطاقة مثل البنزين والسولار تؤدي إلى ارتفاع تكاليف كافة السلع والخدمات، حيث تعتمد الزراعة بشكل مباشر على الوقود، مبينًا  أن مواتير الري التي تعمل بالسولار ووسائل النقل التي تعتمد على البنزين تعد من العناصر الأساسية في العملية الزراعية.

ويشير لـ"أهل سوهاج" إلى أن هذه الزيادة في أسعار الطاقة تؤثر بشكل ملحوظ على تكلفة الإنتاج الزراعي منذ المراحل الأولى، بداية من نقل الأسمدة والمبيدات إلى الحقول، وصولًا إلى نقل المحاصيل بعد الحصاد من الأراضي الزراعية إلى الأسواق، ولديها تأثير على أسعار السلع الغذائية.

وشهدت مصر خلال عام 2023 ارتفاعًا غير مسبوق في معدل تضخم أسعار الطعام والشراب، حيث بلغ 63.3% على أساس سنوي، وارتفعت أسعار الخضروات بنسبة 83%، والفواكه بنسبة 56%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

اتساع الفجوة

تلك المعاناة يمر بها أسامة صلاح، مزارع قمح وسمسم، من نجع الدير في قرية أولاد حمزة، إذ يؤكد أن ارتفاع أسعار جعله يواجه أعباء مالية: "المزارع الذي يستأجر ربع فدان بسعر 1000 جنيه للقيراط أصبح يعاني من زيادة تكاليف تشغيل الآلات الزراعية، وخاصة مواتير الرش التي تعمل بالبنزين وتستهلك كميات كبيرة من الوقود لكل فدان ونصف، مع ارتفاع سعر العبوة من 20 إلى 25 جنيهًا، أصبحت تكلفة الاستخدام مرهقة للغاية".

جانب آخر للأزمة يكشفه المزارع رضا، هو أن أسعار بعض المحاصيل، رغم الزيادة الكبيرة في تكاليف زراعتها، تدنى سعرها، حيث كان يُتوقع أن يصل سعر الطن من البطاطس هذا الموسم إلى 15,000 جنيه، لكن لم يتجاوز 2000 جنيه فقط، بينما تجاوزت تكلفة زراعة الفدان الواحد 10,000 جنيه في فترة لا تتعدى الأربعة أشهر، رغم أن متوسط إنتاج الفدان يتراوح بين 30 إلى 50 طنًا، وربما يشهد زيادة أخرى بعد غلاء البنزين: "هذا التفاوت بين تكاليف الإنتاج وأسعار المحاصيل يهدد بقاء بعض المحاصيل".

بينما أسامة يشير إلى أن المزارع لا يمكنه تقليص المساحات المزروعة، لأن ذلك سيؤثر سلبًا على الإنتاج: "مضطرون لرفع أسعار بيع المحاصيل لتعويض الفارق الناجم عن هذه الزيادات".

وهنا يؤكد الدكتور خالد عياد أن هذه التكاليف الإضافية تُحمّل على سعر المنتج النهائي، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار للخضروات والفاكهة عند وصولها إلى المستهلك، مشيرًا إلى أن الزيادة في التكاليف لن تؤدي بالضرورة إلى عزوف المزارعين عن الزراعة، حيث يعوّض المزارع الارتفاع في التكاليف من خلال رفع سعر المنتج النهائي.

ومن جهة أخرى، أبدى عياد قلقه من احتمالية حدوث ركود في السوق نتيجة لانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين، وهو ما قد يؤثر سلبًا على حجم المبيعات مقارنة بالفترات السابقة.

انعكاس مباشر

لذا يكشف حاتم نجيب، رئيس شعبة الخضروات والفاكهة، لـ"أهل سوهاج" أن أسعار السلع الزراعية لن تتأثر بشكل كبير خلال الموسم الحالي، مشيرًا إلى أن معظم المحاصيل قد تم إنتاجها وحصادها قبل الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود.

يشرح لـ"أهل سوهاج": "التأثير الفعلي لهذه الزيادات سيظهر بشكل أكبر في الموسم الزراعي المقبل، حيث سيتحمل المنتجون الارتفاعات في أسعار مستلزمات ومدخلات الإنتاج، مثل الآلات الزراعية ومواتير المياه، بالإضافة إلى زيادة أسعار السولار، وهو ما سينعكس لاحقًا على تكلفة المنتجات الزراعية".

ولاحظ عادل إمام، مزارع قمح وطماطم، من قرية العسيرات بأولاد طوخ، هذا الانعكاس سريعًا على تكلفة المنتجات الزراعية منذ تحريك أسعار الوقود: "أمتلك سيارة نقل أستخدمها لنقل المحاصيل التي نزرعها، في السابق، كنت أملأ صفيحة البنزين بسعر 230 جنيهًا، أما الآن فأدفع 300 جنيهًا للصفيحة الواحدة، مما رفع تكلفة النقل بشكل واضح".

ويوضح أن تكلفة نقل المواد الزراعية التي تصلهم من التجار كانت تُقدر بـ 1000 جنيه، لكنها الآن وصلت إلى 1300 جنيه، مما اضطره إلى تحميل فارق السعر على الفلاحين الآخرين الذين يتعامل معهم: "الفرق ده لازم آخده من الناس علشان أقدر أكمل، وكل اللي فارق لي أني أكمل في الزراعة بدل ما الأرض تبور ونخسر".

ما ذكره عادل يؤكده الدكتور محمد الشعراوي، الخبير الاقتصادي، بأن عناصر تكلفة أي سلعة تعتمد بشكل رئيسي على تكاليف النقل والوقود، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار السولار، سواء محليًا أو عالميًا، ينعكس مباشرة على زيادة تكاليف الإنتاج، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع النهائية، زيادة معدلات التضخم.

وارتفع معدل التضخم في مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة بنسبة 60%، بحسب مؤشر هانكي للتضخم، بينما يشهد معدل تضخم الغذاء تسارعًا ملحوظًا، حيث ارتفع بنسبة 0.53% وفقًا لتقرير البنك المركزي الصادر في نهاية فبراير الماضي.

ويعاني 40% من المصريين من فقر الدم المرتبط بسوء التغذية، وفق بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، مما يعكس بدوره معاناة قطاعات كبيرة من المصريين في توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء نتيجة ارتفاع الأسعار.

ويتضح عمق الأزمة في تقرير بحثي أجراه مركز بصيرة (مركز غير حكومي لبحوث الرأي) خلال مارس الماضي، كشف أن 74% من الأسر المصرية قللت من استهلاكها للسلع الغذائية، في انعكاس واضح لتأثير غلاء الأسعار على أنماط الغذاء لدى المصريين.

وأوضح الشعراوي أن تراجع دعم الدولة لأسعار الوقود يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المختلفة، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في تدخل الدولة لدعم مدخلات الإنتاج الأخرى، مثل توفير البذور والمواد الخام بأسعار مدعومة، بما يساعد على تخفيف كلفة الإنتاج ويحد من الآثار السلبية لارتفاع أسعار الوقود على المنتجات الغذائية.

ارتفاع وشيك في الأسعار

لكن الحكومة تسير فيما تسميه بـ"خطة الإصلاح الاقتصادي"، حيث تعتزم رفع الدعم عن المحروقات بشكل كامل بحلول نهاية العام الجاري، ضمن التزامات مصر مع صندوق النقد الدولي، الذي اشترط إعادة هيكلة الدعم لضمان كفاءة توزيع الموارد المالية.

وبحسب الموازنة العامة للعام المالي المقبل، تستهدف الحكومة تقليص دعم البنزين والسولار بنسبة 51.4%، ليصل إلى نحو 75 مليار جنيه، مقارنة بـ154.4 مليار جنيه خلال السنة المالية الحالية 2024-2025. 

ويترتب على ذلك أن تقوم لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، التي تعقد اجتماعاتها كل ثلاثة أشهر، بإقرار زيادات متتابعة في الأسعار خلال الفترة المقبلة.

 حاولنا التواصل مع الدكتور محمد القرش، المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة، عبر الهاتف وتطبيق الواتساب للرد على إفادات المزارعين وشكاواهم إلا أننا لم نتلق ردًا.

ورغم شكاوى المزارعين لا يرى الدكتور علي عبدالمحسن، رئيس قطاع الشؤون الاقتصادية بوزارة الزراعة، إن تأثير أسعار البنزين والسولار على الإنتاج الزراعي كبيرًا بهذا القدر، مشيرًا إلى أن نسبة تكاليف الطاقة ضمن إجمالي تكاليف الزراعة تتراوح ما بين 15% إلى 20%.

وأضاف لـ"أهل سوهاج" أن القطاع الزراعي لم يشهد حتى الآن تأثيرات واضحة نتيجة هذه تحريك أسعار الوقود لأن تأثيره ليس كبيرًا، وفقًا له.

بينما حاتم نجيب، رئيس شعبة الخضروات والفاكهة، يؤكد أن المرحلة المقبلة سشهد ارتفاعات ملحوظة في الأسعار، نتيجة ارتفاع تكاليف الزراعة، مشددًا على أهمية دعم المزارعين من خلال عدة آليات، من بينها تفعيل "الكارت الذكي"، الذي يمكن أن يسهم في التخفيف من الأعباء المالية عليهم وضمان استمرار الإنتاج الزراعي.

في قلب الحقول الممتدة بين نجوع سوهاج، يحارب رضا وعادل وأسامة معركة يومية صامتة. مزارعون أفنوا حياتهم بين الزرع والري والحصاد، يصطدموا الآن بواقع اقتصادي قاسٍ يحاصرهم من كل اتجاه.

 

تصوير: حازم شعبان - الآلات الزراعية في سوهاج