ولدت في مدينة سوهاج، وبقيت هناك حتى أتممت الرابعة من عمري، كنت أعيش في عمارة سكنية مكوّنة من سبعة طوابق، بكل طابق شقتان، كنت ألعب مع أطفال عائلتي ونتشارك الحلوى والألعاب ونمرح في الشارع أمام منزلنا.
كان لدينا ثلاثة عشر جارًا وأبناءهم، ورغم معرفتي بهم جميعًا، إلا أن كل أسرة كانت تعيش في حالها، تؤدي شؤونها بعيدًا عن المشاركة مع الجيران، حياتنا محاطة بالسيارات والعقارات والمحال التجارية، وكانت المستشفى قريبة منا، ورغم مرور الأعوام وتوالي المناسبات والأعياد، لم يتعدّ التواصل بين الجيران مجرد كلمات تهنئة مقتضبة.
عندما بلغت الخامسة، انتقلت مع والديّ إلى مركز المراغة حيث القرى، كان وداع أصدقائي وأفراد عائلتي مؤلمًا، غمرته الدموع، بدأت وقتها مرحلة التعليم التمهيدي، وكنت أذهب مع والدتي إلى الحضانة عبر طرق زراعية غير ممهدة.
لاحقًا، التحقت بالمرحلة الابتدائية، وكونت صداقات قليلة، لكنني كنت أواجه معاناة يومية أثناء الذهاب إلى المدرسة بسبب الكلاب الضالة التي كانت تهاجمني أحيانًا، ولم يحمِني منها إلا بعض المارة.
ورغم هذه المعاناة، اكتشفت في القرية عالمًا آخر مليئًا بالمشاركة، في شهر رمضان مثلًا، رأيت الجيران يتعاونون في إعداد خبز العيد والحلوى، وتبادل الأطباق بين البيوت، كان هناك طقوس جميلة: آلات إعداد البسكويت والبيتيفور، أقماع الكحك، وأطباق الفول والبلح التي تنتقل من منزل إلى آخر.
شاركت النساء في تعليق الزينة، وامتلأت الشوارع بروح رمضانية خاصة، حتى المسحراتي لم يكن شخصًا واحدًا، بل دورًا يتبادله شباب القرية، وفي صلاة المغرب، كنا نرى موائد الرحمن، وتوزيع التمر والعصائر على المصلين.
مع قدوم عيد الفطر، كانت المشاركة تزداد جمالًا بسبب توزيع أكياس الحليب الطازج لصنع المخبوزات، وإعداد الأرز باللبن والمهلبية، والتكبيرات التي يرددها الأطفال وشيوخ المساجد معًا، والفرحة التي تعمّ القرية بتوزيع العيديات والحلوى والبالونات.
وفي يوم عاشوراء، كانت العادة توزيع "العاشوراء" و"القدسية"، أما عيد الأضحى، فكان مناسبة للتعاون في الذبح وتوزيع اللحوم والجلود، وامتلأت البيوت بأطباق الفتة التي توزع بين الجيران.
لم تقتصر المشاركة على الأعياد؛ ففي الأفراح كان الجميع يساعدون في إعداد الخبز وفرش منزل العروس، والزغاريد تملأ الأجواء، وفي الأحزان، كانوا يتجمعون لمساندة أهل المتوفى وتقديم الطعام لهم.
حتى في تفاصيل الحياة اليومية، كان هناك تعاون مثل تبادل زي المدارس بين الأطفال، مساعدة الأسر في زراعة الفول السوداني أو السمسم، ثم تقاسم المحصول مع الجيران.
ورغم دفء المشاركة في القرية، فإن حياة المدينة أغرتني أكثر، فيها يعيش كل إنسان لحاله، لا يتدخل في تفاصيل جاره إلا بكلمة تهنئة في المناسبات، صحيح أنها تخلو من دفء المشاركة اليومية، لكنها أيضًا تخلو من ثقل التدخل والفضول.