فى الماضي كانت الإجازة الصيفية تعني الكثير للأطفال والعائلات، فكانت ترتبط بالفرح والانطلاق واللعب والأنشطة والنزهات التي تخلق ذكريات تدوم، لكن مؤخرًا لم تعد كما كانت.
اختلف شكل الإجازة تمامًا، وبدأت تتحول في أعين كثير من الأسر من مساحة للراحة إلى عبء ثقيل تفرضه الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي نعيشها الآن، فالأسر التي كانت تُخطط لأنشطة أبنائها منذ انتهاء العام الدراسي، أصبحت الآن بالكاد تفكر في كيفية تدبير نفقات الطعام والدواء والمواصلات، أما الاشتراك في نادٍ أو نشاط صيفي أو حتى الخروج البسيط إلى إحدى الحدائق العامة لم يعد في متناول الجميع، ارتفاع الأسعار المستمر حاصر كل شيء حتى أبسط أشكال الترفيه، وأصبح الآباء والأمهات أمام معادلة قاسية بين توفير الأساسيات ومحاولة إدخال البهجة على قلوب أطفالهم، وبين الحنين إلى ما كانوا يفعلونه هم أنفسهم في طفولتهم، والواقع الذي لا يرحم.
في أحياء كثيرة من سوهاج وتحديدًا في المناطق الشعبية، يفتقد الأطفال وجود أماكن آمنة ومجانية لقضاء وقتهم، لا حدائق ولا مكتبات ولا حتى ساحات للعب مناسبة، ومع هذا تجد بعض الأسر تحاول أن تخلق الفرح من العدم، أم تصنع لأبنائها ركنًا صغيرًا في المنزل ليكون ناديًا صيفيًا بسيطًا فيه ألوان وورق وموسيقى وخيال، شباب يجتمعون مع أطفال المنطقة ليقدموا ورشة رسم أو حكايات أو رياضة بسيطة بأقل الإمكانيات لكنها بقلوب كبيرة، لا تزال هناك محاولات تقاوم الغلاء بالفكرة والملل بالإبداع والخمول بالحياة.
كثيرون حين تسألهم هل الإجازة الآن مثلما كانت منذ خمس سنوات؟ يضحكون في مرارة، فلا شيء بقي على حاله، يقول أحد الآباء إنه لم يعد يستطيع الخروج بأولاده كما كان يفعل منذ سنوات، حتى المصيف أصبح حلما بعيد المنال!
وتقول إحدى الأمهات إنها تتمنى فقط أن تشترك لأولادها في نشاط مفيد، لكن أرخص الدورات لم تعد في مقدرة أسرتها، ويتكرر السؤال نفسه في أكثر من بيت كيف نقضي الإجازة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع الأسعار، وماذا سنفعل إن ظل الأطفال محاصرين بين أربعة جدران لشهرين كاملين.
بعيدًا عن الشكوى هناك أيضًا قصص تستحق أن تُروى عن مبادرات بسيطة، لكنها عظيمة في أثرها عن محاولات فردية، تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة طفل، أم تؤمن أن الفرح لا يجب أن يُشترى بمال كثير بل يمكن أن يُخلق من ورقة وألوان، ومجموعة شباب قرروا أن يُقدموا وقتهم وخبراتهم لمجتمعهم المحلي، ومراكز قليلة لا تزال تفتح أبوابها للناس بأسعار رمزية، في زمن أصبح فيه كل شيء مكلفًا.
وبسبب الظروف الاقتصادية، لم تعد الإجازة الصيفية كما نعرفها، لم تعد راحة فقط بل صارت ضغطًا جديدًا يُضاف إلى ضغوط الحياة اليومية، وتأثير هذا الواقع لا يمر مرور الكرام على الأطفال ولا على الشباب، هناك من يمل من الجلوس الطويل، وهناك من ينعزل، وهناك من يفقد الحماس، أو يتحول إلى الهاتف والتلفاز، كمهرب دائم، وهذا له أثره النفسي والسلوكي على المدى الطويل.
هناك عائلات تكافح لتمنح أبناءها لحظة فرح، ولا يجب علينا أن نُقلل من قيمة الإجازة في بناء ذاكرة الطفل، ونفسيته، ولأننا بحاجة إلى أن نُسلط الضوء على ما هو إنساني بسيط لكنه مؤثر، كتلك المبادرات الصغيرة التي تستحق الدعم، وعلى البيوت التي تحتاج فقط لفرصة أو مساحة أو صوت يسمعها.
الإجازة ليست مجرد وقت فراغ بل هي من الحقوق الواجبة، وذاكرة وراحة وفرصة لاكتشاف الحياة، وأي مجتمع لا يتيح لصغاره الاستمتاع بإجازتهم، لن يستطيع أن يطلب منهم أن يبدعوا في حياتهم الدراسية.