ليست مجرد سنة دراسية، بل مرحلة مفصلية في عمر كل طالب، مشحونة بالضغوط والتحديات والآمال المعلّقة على أرقام نتيجة تحدد مستقبلًا بأكمله، بالنسبة لي؛ كانت الثانوية العامة تجربة استثنائية ومضنية، امتدت من لحظة البداية حتى صافرة النهاية، مرورًا بكل صراع وخوف وسهر وأمل.
بدأت رحلتي في نهاية يونيو قبل عامين، بدروس خصوصية في كل مادة، تنقّلت بين المدرسين، شاهدت شروحات عبر "يوتيوب" ومنصات تعليمية مدفوعة، اشتريت عددًا لا يُحصى من الكتب الخارجية والمذكرات، كنت أذاكر ليلًا ونهارًا، أنام من ساعتين إلى أربع ساعات فقط، في الصباح؛ كنت أستيقظ مع الفجر لألحق بحصص المدرسين في مدينة سوهاج، قادمة من النجع التابع لمركز المراغة.
في أيام أخر، كنت أتوجه إلى قرية بناويط، التي رغم قربها منّي جغرافيًا، كانت تتطلب استخدام وسيلتي من المواصلات، وكنت أعود إلى المنزل في الخامسة مساءً، أتناول شيئًا من الطعام، ثم أخلد للنوم فقط لأستيقظ مجددًا في السابعة مساءً وأبدأ جولة جديدة من المذاكرة والتدريب على الحل، أحيانًا لا أنام إلا مع اقتراب الفجر، في الثالثة صباحًا استعدادًا لحصة اليوم التالي.
واجهت صعوبات لا تُعد في الفيزياء والكيمياء واللغة العربية والأحياء، كنت أذاكر كثيرًا، ثم أشعر أن الكلمات تتبعثر، أن الأحلام تتلاشى رغم كل الجهد، لكني كنت أقاوم، أعود من جديد، أكرّر المحاولة مرة واثنتين وثلاثًا، حتى وإن شعرت أن المواد نفسها ملت مني، لم أملّ أنا.
مضت شهور طويلة في هذا الصراع، لم تكن الصعوبات دراسية فقط، بل شعورية أيضًا، حيث كنت أشعر بالوحدة، بلا أصدقاء، لكن ذلك لم يوقفني، فقد كان لدي حلم يدفعني للاستمرار.
ثم جاءت اللحظة الفارقة وهي الامتحانات، فوجئنا بالجدول يُعلَن مع بداية شهر رمضان، وزادت الضغوط والخوف، كنت أذاكر حتى وقت متأخر من الليل في صمت تام، لا صوت سوى قلبي الخائف، ولا نور إلا مصباح المكتب.
مع بداية الامتحانات، صدمتني مشاهد الغش العلني، سماعات في كل مكان، وأنا وبعض الزملاء فقط قررنا الاعتماد على أنفسنا، كانت الامتحانات صعبة وغير متوقعة، وكأنها تسعى لكسرنا، لا لقياس مستوانا.
في امتحان اللغة العربية، سألونا عن أربع حواس استخدمها طه حسين في قطعة من القصة، بينما القطعة نفسها لم تذكر سوى ثلاث، كذلك الفيزياء جاءت بأسئلة مختلفة تمامًا عما تدربنا عليه، حتى إن خبراء المادة قدموا 25 نموذج إجابة مختلفة.
والكيمياء طُلب منا إخراج مركبات بطريقة معقدة، فيما احتوى امتحان الإنجليزي على قطع غريبة، إحداها تسأل عن "من سرق الحذاء؟" في إشارة إلى أغنية أطفال، أما الأحياء؛ فكانت مليئة بالأخطاء التي جعلت المستشارين يقترحون 12 نموذجًا للإجابة.
كل امتحان كان صفعة على وجه أحلامنا، كنا نبكي ونحترق من الداخل، ونشعر أننا أمام استخفاف بعقولنا وتدمير لمستقبلنا.
رغم كل ذلك، لم يكن الأسوأ هو الامتحانات، بل انتظار النتيجة والتنسيق وتحديد مصيرك الجامعي. كأنك تقف في مهب الريح، لا تعلم إلى أين ستحملك درجاتك.
هذا العام، تتداخل مشاعري بين الفخر لأنني تجاوزت هذه المرحلة الصعبة، والحزن لأنني لم أحقق ما كنت أطمح إليه، لأن الامتحانات لم تكن في مستوى الطالب، بل كانت فوق طاقته، مليئة بالتحديات التي دفعت ثمنها أسرنا من أموالهم، ودفعنا نحن ثمنها من أعمارنا وأعصابنا وجهدنا.
أحدَ عشر عامًا من التعليم، انتهت بسنة واحدة حكمت على كل شيء، لكن رغم كل شيء، ما زال الحلم حيًا.