الفرح مقاومة

تصميم_محمد صلاح

كتب/ت جنة الله أشرف عطية
2025-05-31 11:58:32

في ذاكرة الطفولة، كان لعيدي الفطر والأضحى رونقهما الخاص، إلا أن عيد الفطر ظل يتصدر مشهد الفرح والبهجة، فيما يبدو عيد الأضحى، وكأنه مجرد طيف هادئ يمر على استحياء، لا ضجيج فيه ولا استعدادات ملحوظة، لا نشتري ثيابًا جديدة، ولا حلويات،  فهل تلاشت فرحة عيد الأضحى أم أن المجتمع قد أعاد رسم ملامحه وفق أولويات مغايرة؟.

في الأسواق تتجلى المفارقة بوضوح قبيل عيد الفطر، تعج المحال بالمتسوقين، وتتحول الشوارع إلى خلايا نحل نابضة بالحياة، الأطفال يتنقلون بين المتاجر بعيون تلمع شوقًا، والآباء والأمهات يتدافعون لشراء كل جديد يليق ببهجة العيد، الأفران لا تهدأ وروائح "الكحك" و"الغريبة" والبسكويت تملأ الأزقة، كأن العيد يبدأ من رائحة الزبدة و"السكر البودرة".

أما "الأضحى"، فالحال مختلف، الملابس الجديدة ليست أولوية، وغالبًا ما يُعاد تدوير ملابس "الفطر"، أو يُكتفى بما هو نظيف ومرتب، دون كثير من الحماس، وكأن "الكحك" يُصاب بالخجل، فلا يُحضّر إلا على استحياء، أو يُشترى بكميات رمزية، إن وُجد أصلًا، ليصبح جزءًا هامشيًا من مشهد عيد، تُغلب عليه رائحة اللحم لا رائحة العجين.

يُرجع البعض هذا التفاوت إلى توقيت العيدين، فعيد الفطر يأتي عقب صيام شهر كامل، تتنامى فيه الحاجة النفسية للتجديد والانطلاق، فيما يأتي الأضحى، محملًا بنفقات ثقيلة، بين الأضحية والعزومات ومصاريف السفر والضيافة، مما يجعل شراء الثياب أو إعداد الكحك ترفًا يمكن الاستغناء عنه.

وهناك من يرى أن طقوس "الأضحى" التي تتركز على الذبح والزيارات المختصرة، لا تمنح مجالًا واسعًا للفرح الطفولي أو للزينة والاستعراض كما في عيد الفطر، حتى الأطفال الذين يتباهون بأزيائهم الجديدة في أول أيام "الفطر"، يبدو عليهم نوع من الهدوء المفتعل، وكأنهم اعتادوا أن بهجة هذا العيد مؤجلة أو ناقصة.

لكن الأهم من كل هذا أن العيد أي عيد ليس مجرد أداء شعائر، بل هو استراحة وجدانية تعيد للإنسان توازنه وتُشعره بأن الفرح حق لا منه، حين نُهمش عيد الأضحى ونكتفي منه بالشعائر فقط فإننا نفرغ أحد أركان الفرح من معناه ونقلص بهجة كان من المفترض أن تكتمل.

فهل آن الأوان أن نسترد عيد الأضحى بكامل ألوانه، أن نصنع كعكًا، لا ليؤكل فقط، بل ليعلن أننا اخترنا أن نفرح رغم الهموم، أن نشتري الثياب، لا لنتباهى، بل لنشعر النفس أن للعيد حقًا علينا، لا يقل عن حق الفطر ولا يبهت أمامه.

الفرح في العيد ليس ترفًا بل مقاومة، وربما فقط، ربما، علينا أن نخبز مرة واحدة على الأقل، لنتذكر كيف كانت الفرحة تعجن في بيوتنا لا تؤجل.