فطر "التريكوديرما".. بديل "طلاب زراعة" للمبيدات الكيميائية

صورة أرشيفية| طلاب كلية الزراعة يبتكرون فطر التريكوديرما

كتب/ت حبيبة حجازي
2026-01-18 14:42:48

في عامها الدراسي الأخير بكلية الزراعة، كانت سنابل محمد، 22 عامًا، تنظر إلى مشروع التخرج باعتباره أكثر من متطلب أكاديمي؛ بل فرصة حقيقية لتقديم حل يحمي الأرض والإنسان معًا. 

من خلال دراستها المتخصصة في التربة الزراعية بجامعة سوهاج، لاحظت أن أخطر ما يهدد جودة المحاصيل وصحة المستهلك ليس الآفات وحدها، بل المبيدات الكيميائية المستخدمة لمكافحتها، لما تتركه من بقايا ضارة في التربة يصعب تحللها وتستمر آثارها لفترات طويلة.

 البحث عن حل صديق للبيئة

هذا الإدراك دفع سنابل خلال العام الحالي للبحث عن بدائل أقل ضررًا وأكثر توافقًا مع الطبيعة، فوجدت في المبيدات الحيوية حلًا واعدًا يساهم في تحسين جودة الإنتاج الزراعي دون الإضرار بالتربة أو بصحة الإنسان. 

ابتكار فطر التريكوديرما

وبينما كانت منهمكة في تطوير فكرتها، حضرت بالصدفة محاضرة عن الأسمدة الحيوية، قدمها الدكتور خالد صدقي، المعيد بقسم الميكروبيولوجي كلية الزراعة جامعة سوهاج، وتحدث خلالها عن فعاليتها ودورها كبديل آمن للمبيدات الكيميائية.

كانت تلك اللحظة نقطة تحول؛ إذ قررت سنابل تحويل فكرتها الفردية إلى عمل جماعي، فانضمت إلى فريق يضم أربعًا من زميلاتها بالفرقة الرابعة: سهيلة أشرف، وغادة عبد الباسط، وسها جمال، ورحمة طه، للعمل معًا على تنفيذ مشروع تخرج يخدم المزارع ويحافظ على البيئة. 

في 7 ديسمبر الماضي حصلت سنابل وفريقها على تكريم خاص خلال فعاليات الأسبوع البيئي التاسع بجامعة سوهاج، والذي أصبح محطة فاصلة: "كان حافزًا لاستمرارنا والعمل بروح الفريق". هذا التكريم، الذي جاء تتويجًا لعملهم، سبقه طريق لم يكن سهلًا، وكانت له حكاية خاصة.

أولى محطات تلك الرحلة حين اجتمع الفريق في قسم الأسمدة الحيوية بالكلية، تؤكد سنابل: "ناقشنا وقتها الأضرار المتراكمة للمبيدات الكيميائية على التربة والمحاصيل، وبدأنا في وضع تصور عملي لمشروع يعتمد على البدائل الحيوية، ومع بداية العمل، قسمنا الأدوار فيما بيننا وفق تخصص ومهارة كل واحدة، لتبدأ رحلة مشروع تخرج يحمل بعدًا إنسانيًا وبيئيًا يتجاوز حدود القاعة الدراسية".

كانت طبيعة العمل تفرض التزامًا دقيقًا من كل فرد في الفريق؛ إذ كان مطلوبًا من كل طالبة توثيق الخطوات التي تقوم بها والنتائج التي تتوصل إليها، إلى جانب الالتزام بحضور الاجتماعات أثناء تنفيذ الجزء العملي داخل المعمل. 

توضح سنابل: "كنا نجتمع في معمل خاص بالكلية وقسم المبيدات الحيوية، وكنت أُلزم الجميع بالكتابة وتسجيل الملاحظات والنتائج، مع توزيع المهام بيني وبين باقي الفريق لضمان سير العمل بشكل منظم".

تطبيق الفكرة

اختار الفريق الاعتماد على المبيدات الحيوية لفعاليتها في القضاء على المسببات المرضية وبقائها فترة مناسبة في التربة، كبديل آمن للمبيدات الكيميائية التي تترك بقايا ضارة تنتقل إلى الإنسان والمياه، وتتسبب في أمراض عديدة، فضلًا عن صعوبة تحللها وتأثيرها السلبي على الأعداء الحيوية. 

وتوضح سنابل أن المبيدات الحيوية تتميز بكونها متخصصة في القضاء على المسبب المرضي دون الإضرار بالنبات، لأنها مكونة من كائنات طبيعية صديقة للبيئة وتتحلل سريعًا دون ترك متبقيات ضارة.

وتشير إلى أن الفرضية العلمية للمشروع قامت على تغليف الكائنات الحيوية داخل كبسولات من الألجينات، مع إضافة زيت "النيم"، بهدف إطالة عمر الفطر وزيادة كفاءته داخل التربة، بما يجعل المبيدات الحيوية أكثر فاعلية مقارنة باستخدامها في صورتها التقليدية. 

وبالفعل، نجح الفريق في ابتكار فطر "التريكوديرما" داخل كبسولات حيوية تحميه من الظروف البيئية المختلفة، مع دعمه بزيت النيم كمستخلص طبيعي يعزز فعاليته.

تضيف سنابل: "من السهل أن تفقد المبيدات الحيوية حيويتها داخل التربة، لذلك لجأنا إلى الكبسولات الحيوية حتى تتحلل تدريجيًا وتحتفظ بفعاليتها لفترة أطول".

وأوضحت أن تنفيذ الفكرة جاء تحت إشراف الدكتور طارق الشاروني، رئيس قسم الميكروبيولوجي، والدكتور خالد صدقي، المعيد بالقسم، اللذين قدما الدعم العلمي اللازم طوال مراحل المشروع.

تحديات الفريق

لم تخلُ التجربة من التحديات، كان أبرزها اختلاف وجهات النظر داخل الفريق: "ظهرت بعض الاختلافات، لكننا حرصنا على العمل كفريق واحد، واحترام رأي الآخر، والاعتماد على الحوار ومبدأ الشورى للوصول إلى أفضل القرارات التي تخدم مشروعنا، لأن العمل الجماعي قادر على تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع متكامل وقابل للتطبيق".

كما واجه الفريق تحديًا آخر تمثل في ضيق الوقت، في ظل كثرة المحاضرات والسكاشن على مدار الأسبوع، وفق سنابل، إذ إن تنفيذ الجانب العملي من المشروع كان يتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا وساعات عمل طويلة داخل المعمل.

لم يكن مشروع سنابل وفريقها مجرد تجربة علمية داخل معمل جامعي، بل محاولة جادة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالأرض التي يزرعها ويأكل من خيرها.