داخل الصالة المغطاة بالمدينة الشبابية في رأس البر بمحافظة دمياط، خيّم صمت ثقيل امتزج بترقب الحاضرين، بينما كانت جنى أحمد، 14 عامًا، تستعد لرفعتها الأخيرة. لحظات قليلة فقط كانت تفصلها عن منصة التتويج، اختصرت سنوات من التدريب والتحدي.
في تلك اللحظة، لم تكن ترفع الأثقال فقط، بل كانت ترفع معها اسم محافظتها سوهاج، بعدما نجحت في حصد الميدالية الذهبية والمركز الأول في بطولة الجمهورية لرفع الأثقال وزن 62 كجم لفئة تحت 15 سنة، التي شاركت فيها لاعبات من مختلف محافظات الجمهورية خلال فبراير الماضي.

بداية جنى
جنى، لاعبة المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي بسوهاج، لم تصل إلى هذا الإنجاز بالصدفة. بدأت الحكاية منذ سنوات، حين كانت في الصف الثالث الابتدائي ترافق والدها إلى صالة التدريب في نادي توشكى الرياضي بالمحافظة، تقف في هدوء تراقب اللاعبات وتتابع تفاصيل التمارين بعينين مليئتين بالشغف، لم تكن تشارك حينها، لكنها كانت ترى نفسها في هذا المكان.
لاحظ الكابتن صلاح جلال، مدرب رفع الأثقال في النادي، ذلك الحماس المبكر، فقرر أن يمنحها الفرصة، وبدأ في تعليمها أساسيات اللعبة وهي لا تزال طفلة صغيرة، لتبدأ رحلتها الحقيقية مع رفع الأثقال خطوة بخطوة.
تقول جنى إنها تعلّقت باللعبة منذ وقت مبكر: "حبيتها جدًا، وبدأت أشيل رفعات تقيلة وأنا في خامسة ابتدائي". من هنا تحولت مجرد متابعة طفلة تقف على أطراف الصالة إلى ممارسة حقيقية، ثم إلى هدف واضح تسعى إليه بكل طاقتها.
ظلت جنى تتدرب وهي صغير أربعة أيام أسبوعيًا حتى أصبح الأمر جزءًا ثابتًا من جدولها. لا تتعامل مع الحصص باعتبارها روتينًا، بل اختبارًا جديدًا لقدرتها على التحمل: "من يومها عمري ما أفوت يوم تدريبي، لأن مفيش حاجة سهلة، كل رفعة وراها تعب، بس إحنا قدها". بالنسبة لها، البطولة لا تُحسم في يوم المنافسة فقط، بل تُصنع في الأيام الطويلة داخل الصالة، مع التكرار والانضباط والالتزام.

أول تجربة
لم تنتظر جنى طويلًا لتخوض اختبارها الحقيقي الأول. في الثالثة عشرة من عمرها شاركت في أول بطولة الجمهورية لرفع الأثقال خلال فبراير 2025، وهناك اكتشفت أن رهبتها كانت أقل من طموحها. تحكي عن تلك اللحظة: "كنت داخلة أجرب نفسي بس.. مكنتش متخيلة أطلع المركز الأول».
الفوز من المحاولة الأولى لم يكن مجرد ميدالية، بل دفعة نفسية كبيرة جعلتها أكثر تمسكًا بالطريق الذي اختارته: "اللي وصلت له ده بعد فضل ربنا يرجع لأهلي ومدربي.. هما دايمًا في ضهري".
قبل أي بطولة، تبدأ معركتها الخاصة مع التوتر، تحرص على عزل نفسها عن الضغوط، والتركيز فقط فيما يجب أن تفعله. "بحاول مفكرش في حد ولا في النتيجة.. أركز في الرفعة بس".
يوم بطولة الجمهورية
أما عن بطولة الجمهورية للعام الحالي والتي حصدت فيها المركز الأول أيضًا، استيقظت جنى مبكرًا، وتناولت إفطارًا خفيفًا بسبب الميزان، وبعد انتهاء إجراءات الوزن جلست تقرأ القرآن حتى يحين دورها، محاولة أن تمنح قلبها بعض السكينة قبل لحظة المواجهة.
في منافسات الخطف، رفعت 65 ثم 70 ثم 73 كجم بثبات. ورغم شعورها بالضيق في إحدى المحاولات بسبب ضيق الوقت، لم تسمح للارتباك أن يسرق تركيزها. وفي "الكلين والنتر" -أنواع بعض الرفعات في رياضة رفع الأثقال- دخلت المنافسة بتوتر واضح، لكنها نجحت في رفع 70 و80 كجم، قبل أن تخفق في محاولة 90 كجم.
لم يكن الإخفاق نهاية المشهد، بل جزءًا منه، حيث أنهت البطولة متوجة بذهبية تحت 15 سنة بعدما حصلت على المركز الأول.
تحديات على الطريق
وراء هذا التتويج، كان هناك تحدٍ آخر خارج الصالة، وهي فترة الاستعداد التي تزامنت مع امتحانات نصف العام، ما فرض عليها جدولًا صارمًا بين المذاكرة والتدريب والدروس، وساعات نوم محدودة: "كنت برجع من التمرين أذاكر لحد ما أنام الموضوع كان محتاج تنظيم قوي".
ترى جنى أن الجمع بين الدراسة والرياضة ليس أمرًا مستحيلًا، بل يحتاج فقط إلى التزام وتنظيم جيد للوقت. وتقول إن تدريبها اليومي لا يتجاوز ساعتين، لكنه يمنحها ما هو أبعد من اللياقة البدنية: "التمرين علّمني الانضباط، وزوّد ثقتي في نفسي، وخلاني أقدر أتحمل المسؤولية أكتر".
لا يتوقف طموح جنى عند منصة التتويج على مستوى الجمهورية، إذ تسعى إلى تطوير مستواها في فئة تحت 17 سنة، وتقول بثقة إن حلمها الأكبر واضح منذ البداية: "نفسي أوصل للأولمبياد وأرفع علم مصر قدام العالم كله".
ومن داخل صالة تدريب صغيرة في سوهاج بدأت الحكاية، وصولًا إلى منصة تتويج على مستوى الجمهورية، تواصل جنى السير بخطوات ثابتة، مؤمنة بأن ما حققته ليس نهاية الطريق، بل بدايته: "الميدالية الذهبية كانت أول خطوة، ولسه عندي أحلام أكبر بكتير".