بعد تناقص المساحات الخضراء.. "مشاتل الزرع" ملاذ السكان الأخير

تصوير: مريم أشرف - أحد المشاتل بحي المعادي

كتب/ت مريم أشرف
2026-11-05 11:50:53

مع انتشار رائحة القهوة الصباحية، يتوجه حاتم أمير، 33 عامًا، من سكان حي دار السلام بالقاهرة، إلى شرفة منزله، حيث يسيطر اللون الأخضر على المشهد؛ رائحة النعناع والريحان، وورد الياسمين الأبيض، في مساحة صنعها بيديه، يبحث عن متنفس أخضر، بعدما تراجع حضور الأشجار والمساحات الخضراء من حوله.

يبدأ أمير يومه بري النباتات قبل التوجه إلى عمله، بينما يستعد لشراء مجموعة جديدة منها، بعدما خصص جزءًا من ميزانيته الشهرية لشراء النباتات من مشاتل مختلفة في دار السلام والمعادي. ويقول إن هذه الجولة بين المشاتل تستعيد أمامه صورة لشوارع كانت الأشجار جزءًا من مشهدها اليومي، قبل أن تتراجع المساحات الخضراء، فلم يتبقَّ أمام السكان سوى مساحات محدودة للبحث عن النباتات.

ولا يقتصر الأمر على أمير؛ إذ يتجه عدد من سكان دار السلام والمعادي إلى شراء النباتات من مشاتل الزرع الباقية بالحي مع تراجع المساحات الخضراء في القاهرة. وبحسب دراسة مركز حلول للسياسات البديلة، يبلغ نصيب الفرد في القاهرة نحو 0.74 متر مربع من المساحات الخضراء، مقابل نحو 9 أمتار مربعة للفرد عالميًا، لتصبح المشاتل المنتشرة في بعض الأحياء واحدة من المساحات القليلة التي تتيح للسكان الاقتراب من الخضرة.

وعلى بُعد كيلومترات قليلة من شرفة أمير، في ميدان دجلة بحي المعادي، يبدأ ربيع ماهر، المعروف بـ"عم ربيع"، صاحب أحد المشاتل، تجهيز مجموعة من النباتات بعدما تلقى طلبًا من أمير لشراء نباتات ظل جديدة، يضعها داخل منزله لتظل الخضرة جزءًا من مشهده اليومي.

ربيع ماهر، صاحب مشتل

المنقذ الأخضر الأخير

بدأ عم ربيع مشروع المشتل في مطلع الألفينات، بعدما كان يمارس الزراعة كهواية في محافظته بني سويف، لكنه انتقل إلى القاهرة للدراسة في كلية التجارة بجامعة القاهرة، وبدأ تدريجيًا بيع بعض النباتات لزملائه في الجامعة، قبل أن يحول الهواية إلى مصدر رزق، واختار المعادي مقرًا لمشتله، باعتبارها من الأحياء التي لا تزال تحافظ على جانب من هويتها البيئية.

ويحكي ربيع أن نشاط شراء النباتات والزهور بدأ يستعيد قوته خلال السنوات الخمس الأخيرة، بعدما تراجع على مدار نحو عقد، وخلال فترة التراجع، كان يعتمد على مجموعة محدودة من الزبائن، أما الآن، فأصبح زبائنه أكثر تنوعًا، من الشباب وكبار السن، من سكان المعادي ودار السلام وأحياء أخرى.

ويقول: "زبايني بقوا أصدقائي، بيحبوا يشربوا شاي معايا ويقولولي بنتبسط إننا بنقعد وسط الزرع عندك، بعضهم يشتري نباتات لوضعها في الشرفات أو أمام المنازل"، بينما يختار آخرون نباتات الظل والفل والياسمين لرائحتها، أو نباتات يمكن زراعتها في المطبخ مثل الفلفل والنعناع، إلى جانب الزهور.

هكذا تحول المشتل بالنسبة إلى ربيع من مكان لبيع النباتات إلى مساحة يقصدها الزبائن للجلوس وسط الخضرة، في أحياء تقل فيها المساحات الخضراء، ويبحث سكانها عن طرق لإدخالها إلى تفاصيل حياتهم اليومية.

وفي شرفة صغيرة بمنطقة حدائق المعادي، تقف ريماس جاد، 25 عامًا، تتأمل أحواض النباتات التي صنعت بعضها من الطين وبعضها من البلاستيك. دقائق قليلة تقضيها بين نباتاتها، تلامس خلالها الهواء وتبتعد عن يوم عمل شاق، قبل أن تستعد للنوم.

"قطعة من الجنة".. أين اختفى الأخضر؟

قبل أن يتراجع اللون الأخضر من شوارع دار السلام، بدأ عبد الناصر سليم، صاحب أحد مشاتل الحي، العمل مع والده في سبعينيات القرن الماضي، بعدما ورث عنه المهنة، وقتها، كانت المساحات الخضراء تحيط به من كل جانب؛ إذ كانت معظم الشوارع الرئيسية في دار السلام تضم منزلًا أو منزلين فقط، بينما كانت بقية المساحات تشغلها ترع صغيرة وأراضٍ زراعية.

ويتذكر سليم سيره بين شوارع الحي، بينما كانت ثمار التمر أو المانجا تتساقط على رأسه في موسمها، ويصف دار السلام والمعادي آنذاك بأنهما كانتا "قطعة من الجنة"، مشيرًا إلى أن سكان أحياء أخرى، مثل الزمالك ووسط البلد، كانوا يقصدونهما لشراء الفاكهة والخضراوات، وكذلك بذور النباتات والأشجار لزراعتها بالقرب من منازلهم.

ومن الأخضر إلى الرمادي والأصفر، تغيرت ملامح دار السلام والمعادي تدريجيًا، وتُظهر صور الأقمار الصناعية عبر "جوجل إيرث" كيف كانت المنطقة أكثر امتلاءً باللونين الأخضر والأزرق عام 1972، في إشارة إلى انتشار المساحات الخضراء والترع الصغيرة، قبل أن تتقلص هذه المساحات مع بداية الألفية، بالتزامن مع التوسع العمراني وتغير شكل الشوارع.

وشهد سليم وأبناؤه خلال هذه السنوات قطع الأشجار تدريجيًا حتى اختفت من أجزاء واسعة من الحي، ويرى أن المعادي حافظت بدرجة أكبر على أشجارها نتيجة وجود تنظيم عمراني، لكنها في المقابل تخلصت من الترع والمساحات المائية، بينما أصبح المشتل الذي يديره، إلى جانب المشاتل الأخرى، واحدًا من المساحات الخضراء القليلة المتبقية في المنطقة.

ومع موجة جديدة من الاهتمام بالنباتات، يلاحظ سليم زيادة الإقبال على المشتل خلال السنوات الأخيرة، حتى إن بعض الأهالي أصبحوا يشجعون أطفالهم على شراء أصص النباتات الصغيرة، ويشعر بالسعادة مع عودة الحركة إلى مشروعه، ويرى في ذلك مؤشرًا على عودة الاهتمام بالخضرة، قائلًا: "الزرع والورد نعمة في حياتي".

ويشاركه عم ربيع الشعور نفسه؛ إذ يجد في الاقتراب من النباتات مساحة تمنحه الهدوء والسعادة، أما أمير وريماس، فينظران إلى النباتات باعتبارها منفذًا أخيرًا إلى الطبيعة في مدينة تقل فيها المساحات الخضراء.