"أتذكر أول مرة وضعت يدي في الماء والصابون، بعدما تركت التعليم في غزة وأصبحت عاملًا في مصر، شعرت أن أحلامي تذوب أمامي، الحرب بدّلت كل شيء"، يحكي أحمد شحاتة، 22 عامًا، طالب فلسطيني بكلية الهندسة بالجامعة الإسلامية في غزة، عن انقلاب حياته رأسًا على عقب بعد حرب 7 أكتوبر 2023.
حلم أحمد منذ الصغر أن يصبح مهندسًا ليعيد إعمار غزة مما خلفه الاحتلال: "جاءت الحرب وقُصف منزلي واستشهدت عائلتي، وتوقفت الجامعة، ثم نزحت إلى مصر أملًا في استكمال تعليمي، وحين سألت في إحدى الجامعات الحكومية بالقاهرة عن التحويل فوجئت أن رسوم الدراسة لغير المصريين 60 ألف جنيهٍ".
الآن بعد عامين من الحرب، ورغم محاولات أحمد المستمرة لاستكمال تعليمه، انتهى به الحال عاملًا في مطعم للمأكولات السريعة، يغسل الأطباق بدلًا من المذاكرة مقابل 4 آلاف جنيه.
رسوم باهظة تغلق أبواب الجامعات
أحمد وغيره من طلاب غزة الذين نزحوا إلى مصر بعد حرب 7 أكتوبر وقصف جامعاتهم، وجدوا أنفسهم أمام رسوم لا يستطيعون تحملها، ما اضطرهم لترك الدراسة والعمل في محال ومطاعم، تاركين خلفهم أحلامهم الدراسية معلّقة بين ركام الحرب التي ما زالت مستمرة.
قبل أن يستقر الحال بـ"أحمد" في المطعم توجه إلى مدينة المنصورة بحثًا عن منحة أو جامعة أقل في الرسوم، عاش في سكن للشباب المغتربين مع أربعة أفراد، لكن الأوراق والشروط كانت أكبر من قدرته في أغلب الجامعات.

يقول: "عملت في المطعم الشعبي مضطرًا قبل شهور قليلة كنتُ أحلّ مسائل رياضية معقدة في قاعة المحاضرات، وها أنا الآن أعدّ الملاعق نظيفة لزبائن المطعم الذين يكون أغلبهم طلاب جامعات كنت أتمنى أن أكون بين صفوفهم".
ما مرّ به أحمد يعكس صورة أوسع لواقع التعليم في غزة، الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم تحت وطأة جرائم الاحتلال، إذ يعيش أكثر من 625 ألف طالب، إلى جانب نحو 22,500 معلم ومعلمة، حالة من انعدام الأمن التعليمي منذ أكتوبر 2023، نتيجة إغلاق المدارس والجامعات أو استهدافها المباشر، وفق تقرير الأمم المتحدة مارس 2025.

وهناك نحو 658 ألف طفل في سن الدراسة، إضافة إلى 87 ألف طالب جامعي، باتوا محرومين من بيئة تعليمية آمنة؛ بعدما تحولت مدارسهم وجامعاتهم إلى مبانٍ مدمرة أو مغلقة، أو إلى ملاجئ للنازحين.
ونحو 88% من المدارس في غزة ـ أي قرابة 496 من أصل 564 مبنىً مدرسيًا ـ تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو إصلاحات جذرية لتصبح صالحة للاستخدام مجددًا، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية وتقييمات الأضرار الحكومية.
وتعرض عدد كبير من هذه المدارس لدمار جزئي أو كلي، بينها 71 مدرسة دُمرت بالكامل، في حين فقدت أخرى أكثر من نصف بنيتها الأساسية.

داوود.. طبيب فقد البالطو الأبيض
نفس المصير واجهه محمود أبو داوود، طالب فلسطيني، كان من أوائل دفعته في الثانوية العامة، التحق بكلية الطب عام 2021 جامعة الأزهر في غزة، وأصبح طبيبًا ميدانيًا متطوعًا في مستشفى الشفاء خلال أيام حرب 7 أكتوبر الأولى: "كنت أرتدي البالطو الأبيض والسماعات وأنا لا أزال أدرس".
كان سيكمل داوود تعليمه لولا تعب والدته وضرورة نزوحها إلى مصر لتلقي العلاج: "رغبت وقتها في الالتحاق بجامعة حكومية، لكن وجدت الجميع يطلب أرقامًا ضخمة للدراسة، اضطررت لترك التعليم حتى تتمكن والدتي من العلاج والعمل مساعد مطبخ في مطعم شعبي في مدينة المنصورة".
يعمل داوود 14 ساعة يوميًا مقابل 3500 جنيهٍ لكن لا ينفك عن باله حلمه بأن يكون طبيبًا: "أريد أن أمسك مشرطًا في غرفة العمليات وأنقذ الأرواح بدلًا من تقطيع الطعام، قال لي أحد الزبائن بلدك خسرت طبيبًا كلماته لا تزال ترن في أذني أريد استكمال تعليمي وحلمي".
تؤكد بيانات وزارة التربية والتعليم في غزة، استشهاد ما يقارب من 13,037 طالبًا و612 من الكوادر التعليمية، وإصابة قرابة 20,000 طالب وأكثر من 2,700 معلم حتى 25 مارس 2025.

وحتى المدارس التي لا تزال قائمة لم تعد مخصصة للتعليم، إذ تحوّل معظمها إلى ملاجئ للنازحين؛ حيث يواجه أكثر من 90% من مباني المدارس إمّا أضرارًا جسيمة أو استخدامها كمراكز إيواء، ما يجعل العودة إلى التعليم في بيئة آمنة أمرًا شبه مستحيل.
وعلى الرغم من أن كثيرًا من الطلبة ما زالوا مستعدين لمتابعة دراستهم، فإن العقبات المادية، وغياب الوسائل التكنولوجية، وضياع الوثائق التعليمية في بعض الحالات، حالت دون استكمال الآلاف منهم لمسارهم الجامعي.
مدارس مدمرة تتحول إلى ملاجئ
أما مؤسسات التعليم العالي، فلم تكن بمنأى عن الدمار؛ فقد أُصيب 28 حرمًا جامعيًا تابعًا لـ21 مؤسسة تعليمية عليا بأضرار متفاوتة، بعضها لحقت به خسائر جسيمة جعلت استمراره مستحيلًا، والبعض الآخر توقّف بالكامل عن العمل.
ذلك ما حدث مع جامعة رنا كرد، فلسطينية، كانت تدرس الأدب الإنجليزي في جامعة الأزهر في غزة، وتحلم أن تصبح مترجمة وتنقل الأدب الفلسطيني إلى كل العالم قبل أن تُقصف الجامعة وتتوقف، وتغيّر الحرب مسارها: "قصفنا الاحتلال في الحرب وضاعت كتبي وأوراقي بين الركام، لذا نزحت إلى مصر على أمل استكمال الدراسة".
الرسوم الباهظة أعاقت رنا مثلما حدث مع أحمد وداوود، لذا التحقت بالعمل في محل بقالة في المنصورة بمقابل 5 آلاف جنيه شهريًا: "يبدأ يومي في السادسة صباحًا أرتّب الرفوف، أصفّ البضائع، أراقب تواريخ الصلاحية، أتذكر موقفًا قاسيًا لم أنساه حين تفاجئ أحد الزبائن بأنني كنت طالبة وأتحدث لغات عدة وقالي لي لولا الحرب ستكونين معلمة مدهشة".
ورغم ما يثقلها من تعب وخذلان، لا تزال رنا تتشبث بخيط رفيع من الأمل؛ تترجم لنفسها مقاطع قصيرة بين حين وآخر، وتكتب رسائل إلى صديقاتها باللغة الأجنبية، وكأنها بذلك تحافظ على حلمها حيًا لا ينطفئ.
بعد مرور عامين من الحرب، لا تزال قصص أحمد وداوود ورنا تختصر مآسي جيل كامل من طلاب غزة، الذين وجدوا أحلامهم مُحاصرة بالركام والرسوم الباهظة والعمل القاسي بعيدًا عن قاعات الدرس.