فوانيس علا أحمد.. من زينة البيت إلى الاحتراف

تصوير: سلمةى الهواري - فوانيس يدوية من قماش الخيامية

كتب/ت سلمي الهواري
2026-03-03 12:36:24

مع اقتراب وقت المغرب، يهدأ المنزل تدريجيًا، لكن هناك ركن صغير في شرفة البيت يظل حيًا ومشتعلًا بالحركة. على طاولة مستطيلة مغطاة بقماش سميك، تتناثر بكرات شريط لامع، وقطع من القماش الأحمر المزخرف بالهلال والفوانيس الصغيرة، إلى جانب مقص حديدي ثقيل ومسدس شمع يترك خيوطًا رفيعة كلما ابتعد عن السطح. 

في هذا الركن تقف علا أحمد، 44 عامًا، ربة منزل وأم لثلاثة أبناء، تميل بجسدها قليلًا وهي تثبّت ضلعًا جديدًا في فانوس رمضاني لم يكتمل بعد، وكأن يديها تكتبان قصةً صغيرة في كل قطعة.

فوانيس يدوية من قماش الخيامية

من زينة البيت إلى أول فانوس

المشهد لا يبدو مجرد صناعة يدوية، بل طقسًا يوميًا تتبعه علا، ابنة مدينة المنصورة، منذ أربع سنوات، حيث تعمل كل ليلة قبل رمضان بأسابيع على صناعة الفوانيس اليدوية من قماش الخيامية الشهير، وتربط كل قطعة بحكاية بدأت بشغف بسيط.

تقول: "أنا طول عمري بحب أعمل كل حاجة بإيدي زينة البيت، المفارش، المخدات، مكنتش بحب أشتري حاجة جاهزة. من أربع سنين، جاتلي فكرة:ليه معملش فانوس بإيدي؟".

كانت البداية متواضعة، مليئة بالتجارب والأخطاء. جرّبت علا أنواعًا مختلفة من الحديد، لتكتشف أن بعضه لا يتحمل الحرارة، وبعضه لا يعطي الشكل المطلوب. في البداية، كان زوجها يصنع لها الهيكل الحديدي يدويًا، لكن التكلفة كانت عالية والمجهود مضاعفًا.

فوانيس يدوية من قماش الخيامية 

تحكي: "كنت بخلي جوزي يعمل الشاسية، وكان بيتكلف معاه، فحسيت إن لازم أتحرك خطوة لوحدي، نزلت سوق الحدادين في المنصورة، ولفيت وسألت لحد ما لقيت صنايعي يفهمني وأفهمه، بقيت أروح بنفسي أشرح له الشكل اللي في دماغي".

من الهواية إلى الاحتراف

تصف علا تلك المرحلة وكأنها انتقال من مجرد هواية إلى مرحلة الاحتراف: "في السنة الأولى كنت بتعلم، وفي الثانية بدأت أثق في يدي أكثر. قعدت أجرب وأغلط، وأعدل في المقاسات، وأشوف إيه اللي يطلع أنضف، لحد ما وصلت للشكل اللي حسيت إنه أقرب للكمال".

رحلة صناعة الفانوس تبدأ بعد انتهاء مهامها اليومية، من إعداد الطعام، ومتابعة دروس أبنائها، وتجهيز احتياجات البيت. تجلس علا إلى طاولتها، تمسك الشاسية، تقيس القماش بدقة، تقصه بهدوء، ثم تبدأ مرحلة اللصق.

فوانيس يدوية من قماش الخيامية 

تضغط بمسدس الشمع بحذر، تثبت الأطراف، وتعيد شد القماش إذا ارتخى، ثم تقص الزوائد بالمقص الحديدي الثقيل.

تضيف: "كل فانوس يستغرق من ساعة إلى ساعتين، لكني لا أحسب الوقت، وأنا بشتغل بحس براحة غريبة، كأني بفصل شوية عن ضغط اليوم".

بين غلاء الخامات وإصرار الاستمرار

لم يكن طريق علا في صناعة الفوانيس اليدوية سهلًا ولكنه مليء بالتحديات الفنية والاقتصادية، إذ ترتفع كل عام أسعار الخامات التي تستخدمها في صناعة الفوانيس اليدوية من قماش الخيامية الشهير: "زمان متر القماش أحسن نوع كان بخمسين جنيه، دلوقتي بقى من 30 لحد 70 و80 جنيه، خصوصًا اللون الأحمر اللي عليه رسومات رمضان كل حاجة بقت تغلى".

فوانيس يدوية من قماش الخيامية

ورغم ذلك، تحرص علا على أن يبقى سعر الفانوس في متناول جيرانها ومعارفها. تتراوح تكلفة الفانوس عليها بين 100 و150 جنيهًا، بينما يتجاوز سعره في المحلات 250 جنيهًا: "الناس بقت تستناني قبل رمضان، جيراني وأصحابي بيطلبوا مني مخصوص، الفرق في السعر بيشجعهم، بس كمان عارفين إنه معمول بإيدي، وده ليه قيمة خاصة".

مشروع يتوسع

مع مرور الوقت، لم يعد الفانوس هو المنتج الوحيد الذي تصنعه علا، إذ بدأت تتجه إلى صناعة مفارش السفرة، مفارش الحائط، المخدات، وزينة رمضانية كاملة.

فوانيس يدوية من قماش الخيامية

 تعلمت الخياطة بنفسها من خلال مقاطع تعليمية وتجارب طويلة: "السنة دي بقيت بعمل كل حاجة بإيدي، من أول الخياطة لحد التقفيل، اتعلمت أظبط الماكينة، وأقيس القماش صح، وأخلص الشغل بشكل أنضف".

علا لا تصف نفسها بصاحبة مشروع كبير، لكنها تعرف جيدًا أن ما تفعله يتجاوز مجرد بيع الفوانيس. هذا النشاط أصبح مساحة خاصة لها، تثبت فيها قدرتها على التعلم والتطور، وتحول من خلاله مهاراتها إلى دخل بسيط.

تصوير: سلمى الهواري - فوانيس يدوية من قماش الخيامية