يخرج الجراف ببطء من الحارة الضيقة في منطقة "وقف طبطباي"، بعدما انتهى من هدم منزل نعمة محمود، 60 عامًا، فيما تقف هي في صمت ثقيل تتابع المشهد بعينين زائغتين. قبل ساعات قليلة فقط كان هنا بيتها الذي وُلدت فيه، وعاشت بين جدرانه 45 عامًا، يكبر مع أبنائها وتكبر معهم ذكرياته. الآن لم يتبقَّ سوى ركام متناثر وغبار يملأ المكان.
بيت يتحول إلى ركام
تقول نعمة: "ده مش بيت وبس ده عمر كامل اتجوزت هنا وخلفت هنا، كنت فاكرة إنهم ممكن يسمعونا أو يلاقوا لنا حل، لكن في الآخر بقينا في الشارع". ورغم رفضها الإخلاء ومقاومتها لسنوات، انتهى منزلها إلى المصير ذاته الذي لحق ببقية منازل المنطقة، من دون أن تحصل على تعويض مالي كافٍ أو سكن بديل.

19 فبراير الماضي تقدّم عدد من أهالي "وقف طبطباي" بالمنيل في حي مصر القديمة بالقاهرة بشكوى ضد رئيس الحي محمود صقر، حملت رقم 17558 لسنة 2026 عرائض النائب العام، اعتراضًا على ما وصفوه بعمليات هدم عشوائية لمنازلهم وإجبارهم على الإخلاء دون تعويضات عادلة، وذلك في إطار مشروع تسميه الحكومة "تطوير منطقة المنيل القديمة" بالتعاون بين محافظة القاهرة ووزارة الأوقاف المصرية.
يعود أصل المشروع إلى عام 2013، عقب بروتوكول بين المحافظة والوزارة استنادًا إلى قرار رئيس مجلس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، نظرًا لملكية وزارة الأوقاف لأرض "وقف طبطباي". وكان المخطط أن يشمل المشروع جزءًا سكنيًا يوفر وحدات بديلة للأهالي، إلا أن عمليات الهدم بدأت تدريجيًا عام 2018 بعد اعتماد المشروع، ثم شُكلت لجان حصر في 2022، قبل أن تتوقف الأعمال وتُستأنف جزئيًا في أكتوبر الماضي.
خلال الأسبوع الماضي، قُطعت المرافق من كهرباء ومياه وخطوط تليفون أرضي عن عدد من السكان للضغط من أجل الإخلاء -وفق شهادتهم- بعد إنذارهم أكثر من مرة بالإخلاء دون توضيح البديل. تقول نعمة إنها تمسكت بالبقاء حتى توفير تعويض مناسب: "عرضوا علينا 300 ألف جنيه المبلغ ده ما يجيبش شقة لأسرة أسعار الشقق في المنيل بتعدي المليون جنيه". ورغم رفضها، هُدم منزلها قبل ثلاثة أيام، وتعيش حاليًا لدى هي وابنائها الاثنان لدى أحد أقاربها في المنطقة نفسها، لتبقى قريبة من المكان الذي كان يومًا بيتها.
في المقابل، صرّح محافظ القاهرة إبراهيم صابر في وقت سابق لإحدى الصحف المحلية بأن التعويضات صُرفت لأهالي طبطباي، باستثناء أصحاب المحال، مؤكدًا استعداده لاستقبال المتضررين لبحث شكاواهم.
وبحسب جولة ميدانية لـ"صوت السلام" في منطقة "وقف طبطباي"، تضم الأرض نحو 35 منزلًا، هُدم منها 10 منازل بالكامل، فيما تضرر 10 منازل أخرى بشكل جزئي نتيجة أعمال الإزالة المتتالية. ويتجمع عدد من السكان يوميًا أمام منازلهم المهددة، في ظل انتشار قوات أمن قسم شرطة مصر القديمة وتمركز سيارات الحي والجرافات، حيث تبدو بعض البيوت وقد تحولت إلى ركام، بينما تُركت أخرى نصف قائمة بجدران متشققة وأساسات مكشوفة، في مشهد يعكس حجم القلق الذي يعيشه الأهالي يومًا بعد يوم.
ووفق شهادات خمسة من الأهالي -نستعرض ثلاثة منهم-، شهدت الأيام الماضية مشادات متكررة بينهم وبين قوات الأمن، في مشهد يعكس حجم التوتر والقلق الذي يخيّم على المنطقة.

خوف من التشريد
المشهد ذاته تعيشه فاطمة جابر، 67 عامًا، إحدى سكان "طبطباي"، التي تقول إنها تقيم في منزلها منذ ما يقرب من خمسين عامًا، ولا تملك أي سكن بديل يمكنها الانتقال إليه. تقف يوميًا أمام بيتها برفقة باقي الأهالي، رفضًا لعمليات الهدم، مؤكدة أن جزءًا من منزلها تضرر بالفعل نتيجة هدم المنزل المجاور، في منطقة تصف منازلها بأنها باتت جميعها مهددة، إما بالتصدع أو بالإزالة.
تقول فاطمة: "أنا هنا في المنيل من وقت ما كانت أرض زراعية بسيطة، وقبل ما الشارع يبقى اسمه شارع المنيل مستحيل أسيب بيتي". بهذه الكلمات تختصر سنوات طويلة من الارتباط بالمكان، حيث لا ترى في المنزل مجرد جدران، بل عمرًا ممتدًا وجيرةً وتاريخًا شخصيًا لا يمكن تعويضه.
وبحسب بيانات "ديوان العمران"، بلغت المساحة المنزوعة في القاهرة لصالح "المنفعة العامة" نحو 356,303.341 مترًا مربعًا خلال عام 2025، لتأتي المحافظة في المرتبة الثانية على مستوى الجمهورية بعد محافظة الإسكندرية من حيث عدد قرارات نزع الملكية، فيما شكّل قطاع التنمية العمرانية والإسكان نحو 12.6% من إجمالي تلك القرارات.
يعزو معاذ لأفي، المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أزمة "أرض طبطباي" إلى عدم إعلان السكان بشكل واضح وكامل بإجراءات نزع الملكية، مضيفًا أن "السكان تم تغييبهم عمدًا عن الإعلان"، بحسب وصفه.
ويوضح لـ"صوت السلام" أن هذا الوضع أدى إلى انقسام بين الأهالي؛ بينما وقّع بعضهم على التعويضات المعروضة، رفض آخرون التوقيع مطالبين بتعويض عادل أو سكن بديل داخل المشروع، وهو ما ترتب عليه تعرض الرافضين لضغوط وتهديدات، من بينها قطع المرافق العامة.
ينص قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990، في مادتيه الأولى والثانية، على جواز نزع الملكية لتنفيذ مشروعات ذات نفع عام، مثل الطرق والكباري ومشروعات الري والصرف والنقل والتخطيط العمراني، فيما تؤكد المادة السادسة ضرورة تقدير التعويضات وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار نزع الملكية.
تعويض لا يكفي
لكن معاذ يؤكد أن عمليات الهدم الجارية تمس حق السكان في السكن الآمن، وهو حق يكفله الدستور، معتبرًا أن ما يحدث يضعهم بين خيارين: إما التهجير من منازلهم، أو التوقيع على تعويضات تحت ضغط: "الخطوة القانونية المقبلة ستكون بالتنسيق بين المبادرة والسكان أنفسهم، باعتبارهم أصحاب القرار، بهدف ضمان حصولهم على سكن بديل مناسب أو تعويض عادل".
الضرر لم يقتصر على أصحاب المنازل فقط، بل امتد إلى أصحاب المحال التجارية في "طبطباي". يقول عبد العظيم، 45 عامًا، إنه اشترى محلًا في المنطقة قبل سبع سنوات مقابل مليون ونصف جنيه، ليكون مشروعه المستقبلي لبيع السلع الغذائية ومصدر أمان لأسرته. إلا أن خطته انهارت مع بدء أعمال الهدم، بعدما أُبلغ بأنه سيحصل على تعويض قدره 300 ألف جنيه فقط، وهو مبلغ يراه لا يعكس القيمة الحقيقية للمحل ولا حجم الخسارة التي سيتحملها بفقدان مصدر رزقه.
يقول عبد العظيم: "أنا رفضت الـ300 ألف جنيه، لأن المبلغ ده ما يجيبش حتى ربع تمن محل هنا في المنيل. دلوقتي أسعار المحلات وصلت لحوالي 4 ملايين جنيه، يعني مستحيل أقدر أشتري محل بديل وأكمل شغلي".
ويضيف: "الخسارة مش بس في المكان، أنا باني زبايني واحد واحد بقالـي سنين. الناس هنا عارفاني وبتيجيلي كل يوم، ولو مشيت من المنطقة هبدأ من الصفر، وممكن أخسر كل اللي بنيته".
عرقلة المسار القضائي
من جانبه، يوضح سامح سمير، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أنه في حال صدور قرار نزع ملكية واضح ومعلن للمنطقة، يحق للسكان اللجوء إلى القضاء للطعن عليه، مشيرًا إلى أن بعض الحالات المشابهة لا يصدر بشأنها قرار نزع ملكية مُعلن، ما يعرقل قدرة المتضررين على سلوك المسار القانوني المعتاد، وذلك وفقًا لقانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة.
تنص المادة الثالثة من القانون ذاته على ضرورة نشر قرار نزع الملكية في الجريدة الرسمية، ولصقه في موقع العقار المنزوع ملكيته وفي قسم الشرطة التابع له، لضمان علم السكان به رسميًا. وهنا يؤكد سمير، في تصريحات لـ"صوت السلام"، أن لجوء الأهالي إلى تقديم شكوى ضد رئيس حي مصر القديمة والدخول في مسار التظلمات، يعكس وجود أزمة تتعلق بعدم وضوح القرار أو عدم إعلانه بالشكل القانوني، وهو ما يختلف قانونيًا عن الطعن المباشر على قرار نزع ملكية مُعلن.
وفي سياق متصل، تظهر دراسة بعنوان "نزع الملكية للمنفعة العامة في ست إحصاءات: دراسة بيانات"، نشرها مرصد العمران في يناير الماضي حول عام 2024، أن 109 مشروعات نفع عام استلزمت نزع ملكية عقارات أو أراضٍ خلال فترات تنفيذ تراوحت بين عام وعشرة أعوام، إضافة إلى 43 مشروعًا جديدًا بدأ تنفيذها في 2024، وانتهاء تنفيذ 57 مشروعًا، مع استمرار 10 مشروعات مفتوحة خلال العام نفسه.
حاولت "صوت السلام" التواصل مع الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، هاتفيًا وعبر تطبيق "واتساب"، للحصول على رد بشأن أزمة أهالي "وقف طبطباي" وآلية صرف التعويضات، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا حتى وقت النشر.
تقول نعمة: "أنا مش رافضة التطوير ولا إني أعيش في مكان أفضل، أنا رافضة أخسر بيتي وأتشرد بدون بديل آمن"، وبينما تواصل فاطمة وقوفها اليومي أمام منزلها دفاعًا عنه عله لا يلحق بمنزل نعمة، ويواجه عبد العظيم مخاوف خسارة مصدر رزق أسرته الوحيد.