قرية الفردوس تحت الهدم.. مأساة 1167 مالكًا بين القانون والواقع

صورة أرشيفية لهدم أحد مباني قرية الفردوس ببورسعيد

Written By مؤمن مسعد
2025-12-04 18:42:37

لم يكن صباح 6 مايو 2025 عاديًا بالنسبة لملاك شاليهات قرية الفردوس غرب بورسعيد، فقد فوجئوا بجرارات تابعة للمحافظة تبدأ في هدم الشاليهات دون إخطار مسبق، كما تقول أماني أحمد، إحدى الملاك: "أمضينا سنوات في هذه القرية ولدينا فيها ذكريات كثيرة، وفجأة هدموها".

توضح أماني لـ"البورسعيدية" أن الملاك البالغ عددهم 1167 مالكًا سددوا منذ عام 2019 مديونية مستحقة للمحافظة في عهد المحافظ السابق اللواء عادل الغضبان، بلغت قيمتها 35 مليون جنيه، بينما قضى حكم محكمة القضاء الإداري في 2020 (حصلنا على نسخة منه) بأن المديونية الفعلية للمحافظة 25.6 مليون جنيه فقط، ما يعني وجود 11 مليون جنيه لم تُستردّ للملاك حتى الآن.

ورغم ذلك، تؤكد أماني أن "المحافظة أصرت على الإخلاء والهدم دون تعويضات مالية أو توفير بديل، أو حتى ردّ الأموال المتبقية".

قرية الفردوس بمحافظة بورسعيد قبل الهدم

هدم مفاجئ دون إخطار أو تعويض

تأتي شهادة أماني ضمن استغاثات من ملاك الفردوس بشأن نزع ملكية الشاليهات دون أي تعويض أو بديل، وذلك منذ صدور القرار الجمهوري رقم 550 لسنة 2019، بإعادة تخصيص 3075 فدانًا غرب بورسعيد لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، ثم اعتماد مخططًا استراتيجيًا للمنطقة من وزير الإسكان في 2023، ثم قرار رئيس الوزراء في يناير 2025 الذي مهّد لبدء عمليات الإخلاء.

- يحمي الدستور المصري الملكية الخاصة ويمنع نزعها إلا للمنفعة العامة وتعويض عادل، ويكفل حق المواطنين في سكن ملائم يحفظ كرامتهم وفق المادتين 35 و78.

بينما يلزم قانون 119 لسنة 2008، بالإخطار المسبق ومدة للإخلاء وتقرير هندسي معتمد قبل الهدم لضمان عدم المساس بحقوق شاغلي العقار.

فيما يصف ديوان العمران -غير حكومي متخصص في تحليلات سياسية العمران- ما يحدث في الفردوس بـ"الإخلاء القسري" وهو إخلاء الأشخاص من منازلهم قسرًا دون حماية.

خلفية النزاع.. تسلسل زمني

بدأت قرية الفردوس في أكتوبر 1989 -وفق أول عقد تمليك حصلنا على نسخة منه- حين أنشأتها محافظة بورسعيد كأحد أوائل المصايف المخصصة للعاملين بالنقابات والمواطنين، على أرض مُخصصة بنظام حق انتفاع غير محدد المدة مقابل رسوم سنوية. 

ورغم أن الشاليهات كانت مخصصة للاستخدام الموسمي، فإن أزمة السكن دفعت عددًا من الأسر إلى الإقامة الدائمة داخل القرية على مساحة 130.8 ألف متر مربع ، ما غيّر طبيعتها تدريجيًا من مصيف موسمي إلى تجمع سكني شبه كامل.

وفي عام 1994 وقّعت المحافظة عقود بيع ابتدائية مع الملاك دون تحديد مدة الانتفاع، قبل أن توقع عقود تمليك للمباني في 1996، مع الإبقاء على حق الانتفاع بالأرض، ومع مرور السنوات، بدأت الخلافات بين الملاك والمحافظة.

في 6 مايو 2025 بلغت الأزمة ذروتها بهدم المحافظة لجميع شاليهات القرية وسط انتشار أمني مكثف وتحركات قانونية من الملاك لوقف الإخلاء، بينما في 31 مايو الماضي أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا (حصلنا على نسخة منه) بوقف تنفيذ قرارات الإخلاء ورغم ذلك استمرت أعمال الهدم -وفق الملاك-.

يمتد السياق الأوسع لأزمة قرية الفردوس إلى ما هو أبعد من نزاع محلي بين الملاك والمحافظة، إذ يرى المعماري والباحث العمراني أحمد زعزع أن ما يحدث يندرج ضمن ملف أكبر يتعلق بـ"أمان الحيازة" في مصر، وما يواجهه المواطنون من تهديد لحقوقهم حتى في الحالات التي تستند إلى عقود قانونية.

ويقول زعزع لـ"البورسعيدية" إن سياسات الهدم في السنوات الأخيرة لم تقتصر على إزالة المباني المخالفة، بل شملت في بعض الأحيان مساكن قائمة بشكل قانوني، مستشهدًا بما حدث في الحي السادس والسابع بمدينة نصر، والعوامات في الزمالك، ومثلث ماسبيرو. 

- ينص القانون المدني في المادتين 802 و803 على أن للمالك وحده حق استعمال العقار واستغلاله والتصرف فيه، ولا يُجبر على التخلي عنه إلا وفقًا للقانون.

ويرى أن هذه الوقائع تُظهر نمطًا متكررًا يضع السكان في مواجهة قرارات تطوير تُنفّذ غالبًا دون توفير بدائل عادلة أو حماية كافية لحقوق الحائزين، ضمن ما يعرف بقانون نزع الملكية العامة.

- يمنع قانون نزع الملكية نزع أي عقار إلا بقرار من رئيس الجمهورية يحدد مشروع المنفعة العامة، مع صرف تعويض عادل بالقيمة السوقية قبل الإخلاء ومنح السكان مهلة مناسبة.

نزاع قانوني حول ملكية القرية

ويتقاطع ما أشار إليه زعزع حول اتساع نطاق النزاعات العمرانية مع ما تشهده قرية الفردوس حاليًا، إذ تتمسك المحافظة بالرؤية الرسمية التي تعتبر القرية ملكًا عامًا خالصًا، بينما يستند الملاك إلى عقود وأحكام تثبّت حقوقهم. 

وظهر هذا التضارب بوضوح في مقطع فيديو نشرته محافظة بورسعيد في 25 يونيو، خلال مؤتمر صحفي أكد فيه اللواء محب حبشي، محافظ بورسعيد، أن ملكية القرية آلت بالكامل للمحافظة اعتبارًا من 30 يونيو 2019، بعد صدور حكم قضائي نهائي برفض الطعون.

في المقابل، يرفض الملاك هذا التفسير. يقول أحمد مسعد، إن ادعاء انتهاء حق الانتفاع في 2019 يتعارض مع أحكام مدنية نهائية صدرت من محكمة بورسعيد الابتدائية (حصلنا على نسخة منها)، تثبت أن عقود حق الانتفاع ممتدة حتى زوال المباني. 

ويؤكد لـ"البورسعيدية" أن المحكمة التي أصدرت حكم وقف الهدم اقتنعت بالمستندات المقدمة من الملاك، بينما لم تقدم الجهة التنفيذية الأوراق التي تقول إنها تمتلكها.

تتفق معه أماني مشيرة إلى صدور أحكام قضائية نهائية في عام 2024 (حصلنا على نسخة منها) ألغت قرارات سابقة صادرة عن القضاء الإداري، وأكدت صحة العقود المدنية المبرمة التي تثبت حق الملاك.

وفي سياق الأحكام التي استند إليها الملاك خلال النزاع، كانت المحكمة الابتدائية في بورسعيد أصدرت خلال 2023 حكمًا ببطلان قرار المحافظ السابق الخاص بنقل تبعية القرية إلى المنطقة الحرة (حصلنا على نسخة منه)، معتبرة أن العلاقة بين الملاك والمحافظة علاقة إيجار مدني تخضع للقانون المدني وليس للقانون الإداري.

ومع استمرار الخلاف، تقدّم اتحاد الملاك في مارس 2025 بدعوى جديدة تحمل رقم 503 لسنة 2025، طالبوا فيها بتثبيت حق الشاغلين في البقاء داخل القرية.

لذا يؤكد زعزع عدم قانونية الهدم قبل صدور الأحكام القضائية النهائية، وبإخطارات غير كافية للسكان، لكن ذلك يضع الأهالي في مواجهة مباشرة مع الدولة ويقوّض الشعور بالأمان في الحيازة.

قبل عام من الآن، نفذت محافظة بورسعيد إجراءً مشابهًا في ضاحية الجميل، عبر هدمًا كاملًا لمساكن، حيث فقد أكثر من 2500 أسرة منازلهم في 316 عقارًا، بعد تنفيذ عمليات إخلاء قسري من قبل قوات الأمن، وسط مقاومة الأهالي.

وجاء هدم الجميل وقرية الفردوس ضمن ما تسميه الدولة خطة التنمية العمرانية، التي تستهدف إعادة تخطيط منطقة غرب بورسعيد وصولًا إلى حدود دمياط، لتحويل المنطقة إلى مدينة عمرانية جديدة بمخطط استراتيجي يغطي 3075.38 فدانًا، شملت نقل 432 فدانًا من الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية لصالح هذا المشروع.

تدعم شهادة أحمد مسعد ما ذكره زعزع عن أن عمليات الهدم غالبًا تتم قبل صدور أحكام قضائية، إذ تمت أعمال الهدم باستخدام معدات ثقيلة وبالقوة، مبينًا أن الإنذار الوحيد كان من مدير أمن بورسعيد، في 6 مايو بعد محاصرة قوات الأمن للقرية، وكانت مهلة 72 ساعة لإخلاء الشاليهات قبل البدء في هدمها، وفي اليوم التالي مباشرة وقبل انتهاء المهلة المحددة، بدأت القوات في هدم المباني.

حق الانتفاع يُكتسب بعمل قانوني أو بالشفعة أو بالتقادم، ويمكن توريثه بين الأشخاص، ويعرفه القانون القديم بأنه "حق المنتفع في استعمال ملك غيره واستغلاله".

وليس ذلك فحسب، بل أن المحافظة حين بدأت أعمال الهدم قطعت المياه والكهرباء دون توجيه إنذار قانوني مسبق، وفق أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب عن الدائرة الثانية في بورسعيد، الذي طالب بتحويل الملف إلى لجنة الإدارة المحلية لدراسته واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وأوضح لـ"البورسعيدية" أن الملاك قد سددوا المستحقات المتأخرة التي طالبت بها المحافظة، مشيرًا إلى أن قرار الهدم تجاهل البعد الإنساني للأسر التي فقدت منازلها واضطرت لمغادرة القرية، رغم وجود دعاوى قضائية لم يُبت فيها بعد.

في 31 مايو 2025، قدم النائب طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء(حصلنا على نسخة منه) أكد فيه: "قرية الفردوس خصصتها المحافظة عام 1994 بنظام حق انتفاع غير محدد المدة مقابل قيمة إيجارية، وأدخلت كافة المرافق على نفقة الملاك ولا يجوز هدمها دون سند قانوني".

30 عامًا من الذكريات هُدمت

يتذكر رمضان سالم، مهندس على المعاش، 73 عامًا، طفولته في القرية، إذ إنه مالك الوحدة رقم 33/2 منذ ثلاثين عامًا: "القرية هي بيتي الثاني ومكان مليء بالذكريات".

يروي سالم أنه اشترى الشاليه بـ50 ألف جنيه من مدخرات عمله في السعودية خلال فترة السبعينيات، وأن يوم الهدم كان صادمًا: "بلدوزرات، قوات أمن، وبلطجية يقتحمون الشاليهات ويسرقون محتوياتها، وكل ذلك دون أي إنذار رسمي بالإخلاء أو وعد بالتعويض المادي".

يوضح أن نحو 300 مالك اتفقوا على رفع دعوى مع المحامي سامح عاشور في أواخر ديسمبر الجاري، ليس للحصول على تعويض بل للمطالبة بإعادة بناء القرية.

تزامنًا مع قرارات الإخلاء، شهدت المنطقة إقامة مشروعات استثمارية ضخمة، أبرزها مشروع "بورتوسعيد" لرجل الأعمال منصور عامر باستثمارات تبلغ 3 مليارات جنيه على بُعد 12 كيلومترًا من قرية الفردوس، ومشروع "تاور باي" باستثمارات 5 مليارات جنيه على بعد 13.5 كيلومتر.

حاولنا التواصل مع وزير الإسكان عمرو الشربيني والمتحدث الرسمي للوزارة عمرو خطاب للحصول على ردهم حول أزمة قرية الفردوس، إلا أنهما لم يردا حتى نشر التقرير.

فيما يؤكد المعماري الحقوقي أحمد زعزع أن الهدم خارج المسار القانوني يضع السكان في موقف ضعيف، ويستدعي إعادة النظر في السياسات العمرانية لتحقيق توازن بين التنمية وحماية حقوق الملكية.

بينما النائب فرغلي يلقي بالمسؤولية على الجهات التنفيذية فيما يخص التلفيات والتعويضات، مشددًا على ضرورة حماية الملكية الخاصة للمواطنين. 

ويظل رمضان وأماني ومسعد، مثل باقي ملاك القرية، يعيشون صدمة فقدان منازلهم وذكرياتهم التي تراكمت على مدار سنوات، وسط انتظار طويل لتعويض عادل يحمي حقوقهم، ما يسلط الضوء على الأثر الإنساني لقرارات الهدم والإخلاء دون إطار قانوني.