في قلب مدينة المنيا، خفتت أضواء واحدة من أقدم دور العرض في صعيد مصر، لم تكن "سينما بالاس" مجرد مبنى، بل ذاكرة فنية امتدت لعقود، احتضنت جمهورًا تنوعت أجياله من محبي الفن.
يوم الجمعة الماضي، وبعد سنوات من التهالك والإهمال والإغلاق، هُدمت السينما بصمت، تاركة وراءها فراغًا فنيًا وبصريًا لأهل المنيا لكونها آخر دار عرض سينمائي بالمحافظة.
ترجع ملكية سينما "بالاس" الخاصة إلى عائلة "لوندي"، التي احتفظت بالمبنى لعقود رغم توقف نشاطه، ويوضح أحد الورثة لـ"المنياوية" -رفض ذكر اسمه- أن إعادة تشغيل السينما أصبح غير ممكن بسبب التكلفة الباهظة التي قد تصل إلى ملايين الجنيهات.
وأكد أن العائد المتوقع لا يوازي حجم الاستثمار المطلوب، لأن الترخيص الأصلي للمبنى كدار عرض أُلغي رسميًا عام 2008، وبعد تنفيذ قرار الهدم، يدرس إمكانية بيع الأرض بدلًا من إعادة توظيفها كمشروع ثقافي لذا كان لا بد من هدمها وفقًا له.

دور العرض بالمنيا
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كانت مدينة ملوي بمحافظة المنيا تشهد حالة من الازدهار الثقافي، وتضم خمس قاعات سينما شكلت ملامح المشهد الفني والترفيهي في المدينة، من بين هذه الدور، برزت قاعتان متجاورتان هما "سينما بالاس الصيفية" و"السينما الشتوية"، وكانتا من أبرز محطات ارتياد الجمهور لمشاهدة أحدث الأفلام، وفق الباحث والمؤرخ محمود حسن السبروت، في حديثه لـ"المنياوية".
ولكن منذ فترة التسعينيات، أُغلقت أبواب سينما بالاس بمدينة ملوي، تزامنًا مع تصاعد موجات التطرف التي دفعت العديد من دور العرض في الصعيد إلى التوقف، وتحديدًا في عام 1995، وتوقفت السينما عن استقبال الأفلام.
وعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، ظل المبنى قائمًا مثل هيكل صامت يروي ماضيًا فنيًا غائبًا، حتى جاء يناير الماضي، حيث علّقت على واجهته لافتة تحمل رخصة الهدم، ما أثار موجة من الحزن والاستياء بين سكان ملوي، الذين رأوا في السينما أحد معالم المدينة القديمة وأحد أقدم دور العرض في الصعيد منذ افتتاحها عام 1950.
يقول السبروت أن قرار الهدم لم يكن مجرد إجراء إداري بالنسبة لأبناء المدينة، بل صدمة ثقافية ومؤشر جديد على غياب الرؤية في التعامل مع الموروث العمراني الفني.

أما دار العرض الثالثة، كانت تقع أعلى محل "بنزايون" الشهير بشارع صلاح الدين، المعروف حاليًا باسم شارع الصاغة، إلا أن هذه السينما اختفت تمامًا من الذاكرة الجمعية للمدينة، وفقًا لما يرويه الباحث محمود السبروت، الذي لم يعثر على أي توثيق رسمي أو بصري لها سوى خريطة قديمة تشير إلى اسمها كان "كرمولوليس".
ويرى المخرج مينا يسري، ابن مركز ملوي وصانع الفيلم التسجيلي "سينما الجنوب"، أن السينما ليست رفاهية كما يظن البعض، بل حق ثقافي أصيل يجب أن يتوفر في كل مدينة، مضيفًا: "هدم أي دار عرض يعني محو صرح ثقافي ويعمق أزمة العدالة الثقافية في الصعيد، حيث أن المسؤولية لا تقع فقط على الورثة، بل على وزارة الثقافة التي يجب أن تتحمل دورها في توفير المساحات الفنية بالمحافظات".
ورغم أن مينا لم يعاصر زمن عروض الأفلام داخل سينما بالاس، إلا أن والده عاش تلك التجربة وحكاها له بشغف، عن مقاعد القاعة الواسعة، وضوء الشاشة، وتفاعل الجمهور، يقول: "أول مرة شاهدت فيها فيلمًا في دار عرض كانت في الإسكندرية، وشعرت بسحر التجربة، ومنذ ذلك الوقت تمنيت أن يكون في ملوي سينما نستطيع من خلالها مشاهدة الأفلام بجدية، لا عبر الشاشات الصغيرة أو الإنترنت".
يوضح: "في محافظة المنيا كلها لا توجد سوى دار عرض واحدة فقط، داخل مول تجاري بمدينة المنيا الجديدة، وهي مخصصة بشكل أساسي للأفلام العائلية، والوصول إليها من ملوي يتطلب السفر لمسافة تقارب 46 كيلومترًا".
وكانت السينما الرابعة بالمنيا تابعة إلى وزارة الثقافة، وتقع أعلى مبنى المطافئ، قبل أن تتوقف لاحقًا عن العمل ويتحول موقعها إلى "قصر ثقافة ملوي"، لتكون بذلك الدار الوحيدة المملوكة للدولة، بينما كانت باقي دور العرض مملوكة للقطاع الخاص أو أفراد.

أما السينما الخامسة فكانت من نوع مختلف تمامًا، إذ جاءت في شكل سينما متنقلة تقام في الشوارع، تُنصب فيها شاشة من قماش أبيض وتوضع ماكينة العرض على منضدة خشبية، بينما يُفرش المكان بالحصر لاستقبال الجمهور.
ورغم أن المعلومات المتوفرة عن هذه السينما المتنقلة شحيحة، كما يشير السبروت، فإن "سينما بالاس الصيفية" هي الوحيدة التي بقيت عنها بيانات موثقة نسبيًا.
وهنا ويتسائل مينا كيف يمكن لشباب الصعيد أن يندمجوا في الحياة الثقافية بينما تغيب عنهم أدواتها الأساسية؟ إذ أن السينما ليست ترفًا، بل وسيلة لتشكيل الوعي ومواجهة التطرف من جذوره.

جمهور بالاس: "كانت آخر أمل"
رغم إغلاقها منذ عقود، ظل مبنى سينما بالاس حاضرًا في ذاكرة جمهورها القديم، الذين تمسكوا بالأمل في أن تعود أبوابها مفتوحة ذات يوم، لكن ذلك الحلم تبدد نهائيًا مع قرار الهدم.
من بين هؤلاء، سيد فتحي، معلم رياضيات متقاعد، وأحد الذين عاصروا السينما في أوج نشاطها، يقول بأسى: "أشعر بحزن عميق بعد سماع خبر الهدم، لقد شاهدت داخل هذه القاعة عشرات الأفلام التي ساهمت في تشكيل وعي جيلنا".
ويضيف: "هذا المبنى كان علامة مميزة في مركز ملوي، كنا نحدده كنقطة لقاء؛ نقول لبعضنا نلتقي عند مبنى السينما القديم، حلمنا دومًا أن يُعاد افتتاحها لتكون للأجيال الجديدة نافذة على الثقافة والوعي، كما كانت لنا، في الماضي، كنا ننتظر يوم الأحد بفارغ الصبر لنشاهد الفيلم الجديد، وكانت السينما مناسبة تجمع بين المتعة والمعرفة".
ويستعيد لويس بطرس، ستيني من ملوي، مشاهد من زمن كانت فيه السينما جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية: "شكّلت دور العرض لعقود طويلة مساحة للتجمع الأسري، ووسيلة للتثقيف والمتعة في آنٍ واحد، ولم تكن مشاهدة الأفلام مجرد تسلية، بل نافذة مفتوحة على ثقافات وتجارب مختلفة، أثرت وعي الناس، كبارًا وصغارًا".
ولا يزال بطرس يرى أن متعة المشاهدة الحقيقية لا تتحقق إلا داخل قاعة السينما، حيث الأجواء الخاصة، والإضاءة، والصوت، والمشاركة الجماعية، وبالنسبة له، لا شيء يعوّض الإحساس الذي تمنحه الشاشة الكبيرة.

"اليوم، تفتقر مدينة ملوى إلى وسائل ترفيه حقيقية، إذ لم يتبقَّ سوى حديقة صغيرة بالكاد تكفي لتلبية احتياجات السكان، بينما تغيب السينما تمامًا عن المشهد" يضيف بطرس: "هذا الغياب لا يعني فقط فقدان أحد أشكال الترفيه، بل انقطاع تجربة ثقافية كاملة عن الأجيال الجديدة، التي لم تُتح لها فرصة عيش تلك اللحظات التي كانت تجمع الأسر أمام فيلم مفضل، في صالة مظلمة يتردد فيها صوت الماكينة القديمة وهي تدور لبدء العرض".
كانت آخر أفلام عرضت على سينما بالاس، فيلم "أبي فوق الشجرة" للراحل عبدالحليم حافظ، بينما بقي آخر أفيش على واجهتها هو فيلم "الراعي والنساء" بطولة أحمد زكي وسعاد حسني.
السينما في الصعيد
هذا المشهد لا يخص ملوي وحدها، بل يعكس تراجعًا واسعًا في حضور السينما في محافظات الصعيد عمومًا، ففي أوائل الثمانينيات، بلغ عدد دور العرض السينمائي في صعيد مصر 42 دارًا، أما اليوم فلم يتبق منها سوى أربع فقط ما زالت تعمل.
اثنتان في محافظة المنيا، الأولى داخل فندق القوات المسلحة لكنها تفتح أبوابها فقط في عيد الفطر وتعرض فيلمًا واحدًا، والثانية داخل أحد المراكز التجارية في مدينة المنيا الجديدة، أما الداران المتبقيتان واحدة في محافظة الأقصر، والأخرى في أسوان.

ولكن الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، أكد أن هناك قرارًا صادرًا عن وزارة التخطيط ينص على وقف إنشاء دور عرض جديدة، باستثناء تلك التي تجاوزت نسبة التنفيذ بها 70%، مشيرًا إلى أن هذا التوجيه يحدّ من قدرة الوزارة على التوسع في مشروعات ثقافية جديدة في الوقت الراهن.
وعند سؤاله حول واقع دور العرض السينمائي في محافظة المنيا، خاصة بعد ما كانت تشهده من ازدهار خلال تسعينيات القرن الماضي، فضّل الوزير عدم التعليق.
أما فيما يخص سينما "بالاس"، التي لا يزال كثير من المواطنين في المنيا يأملون في إعادة تشغيلها، أوضح الوزير أن السينما تعد منشأة خاصة ولا تتبع وزارة الثقافة إداريًا أو ماليًا، وبالتالي فإن الوزارة لا تملك صلاحية التدخل في ملفها.
وعن وضع المبنى نفسه وإمكانية تسجيله مبنى تراثي لضمان الحفاظ عليه، أشار الوزير إلى أن هذا الملف من اختصاص الوحدة المحلية أو المحافظة، وليس من مسؤوليات وزارة الثقافة بشكل مباشر.
غياب السينما عن مدن وقرى الصعيد لم يكن مجرد انطفاء شاشة عرض، بل انطفاء لجزء من الذاكرة الجمعية والثقافة الشعبية، التي طالما كانت السينما أحد أهم روافدها، ومع هدم "سينما بالاس" في ملوي، خسر أهل المدينة آخر فرصة لمشاهدة أفلام السينما.