"آيلة للسقوط".. أسر مصرية تواجه التشريد أو الموت تحت الأنقاض

Photographer: مريم أشرف - عقار آيل للسقوط

Written By مريم أشرف
2025-08-17 16:10:16

تقف جوري محمد، 26 عامًا، تحت سقف منزلها المتصدع في شارع الفيوم بحي دار السلام، الذي تقيم فيه مع والدها وشقيقها منذ أكثر من 20 عامًا، يدركون تمامًا أن المنزل مهدد بالانهيار في أي لحظة، لكن ضيق اليد وغياب البدائل أجبرهم على البقاء به رغم الخطر.

في مطلع يوليو الماضي، تلقى والد جوري إخطارًا رسميًا من رئاسة الحي بإخلاء العقار قبل إزالته لكونه "آيلًا للسقوط"، ذلك لمدة أسبوع، تقول جوري: "الحي طلب منا نخرج فورًا من غير ما يوفروا بديل، خصوصًا أننا إيجار قديم لكن مش عارفين هنروح فين".

وتواجه نحو 20 أسرة في المنطقة نفسها، إخلاء منازلهم، ضمن حملة محافظة القاهرة لهدم العقارات الآيلة للسقوط، التي تسارعت وتيرتها عقب حادث انهيار منزل بحي السيدة زينب، يوم 18 يونيو الماضي، أسفر عن مصرع شخصين وإصابة خمسة آخرين.

تشريد بلا بدائل

ونفذت رئاسة حي دار السلام خلال يوليو 2025، خطة هدم ثلاثة منازل يقطنها سكان يعيشون تحت تهديد دائم بفقدان حقهم في السكن، كما شهدت منطقة مصر القديمة، 19 يوليو الماضي، انهيارًا جزئيًا لعقار مكون من ثلاثة طوابق، ما أدى إلى إصابة ثلاثة عمال بالداخل، العقار كان ضمن المباني المهددة وأُخليّ قبل الانهيار.

عقارات آيلة للسقوط

وتحدث هذه الإخلاءات في مدة زمنية قصيرة ودون وجود آلية واضحة لتوفير سكن بديل من قبل الجهات المسؤولة المتمثلة في الأحياء أو المحافظة، ما يضع الأسر أمام موقف اضطراري، يجدون أنفسهم في الشارع دون مأوى أو خطة إنقاذ.

ويخالف ذلك المادة 78 من الدستور المصري، التي تنص على أن: "تكفل الدولة للمواطنين الحق في المسكن الملائم والآمن والصحي بما يحفظ الكرامة الإنسانية"، كما تؤكد المادة 59 على "الحياة الآمنة حق لكل إنسان".

يوضح يحيى شوكت، باحث ومحلل لسياسات الإسكان والعمران، في كتابه "العدالة الاجتماعية والعمران" أن هناك 1.3 مليون أسرة في مصر تعيش في بيوت ضيقة آيلة للسقوط، تتكون من غرفة واحدة أو غرفتين وتتكدس بخمسة أو ستة أفراد.

ويؤكد شوكت لـ"صوت السلام"، أن افتقار السياسات العمرانية والاقتصادية في مصر  إلى العدالة، خلق سوق عقاري غير خاضع للرقابة، يتحكم فيه "العرض والطلب" بشكل منفلت.

فعلى سبيل المثال، تعاقب المادة 104 من قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 من ينفذ أعمال بناء مخالفة للأصول الفنية بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تبدأ من 50 ألف جنيه. لكن ارتفاع أسعار المساكن المستمر  دفع الأسر للعيش في وحدات غير ملائمة تفتقر للأمان.

ولم تجد أسرة جوري البديل بسبب ارتفاع سوق الإيجارات في مصر، إذ تتراوح أسعار عقود الإيجار الجديد بين 2000 إلى 5000 جنيه، ما يفوق قدرة أسرتها المالية، رغم وجود شقق في مناطق مثل حدائق المعادي وعزبة خير الله، إلا أنها بعيدة عن المدارس وأماكن عمل الأسرة، فضلًا عن اختلاف نمط الحياة فيها.

واضطرت الأسرة للانتقال مؤقتًا إلى منزل الجدة، حيث يعيش خمسة أفراد في شقة لا تتجاوز 70 مترًا، موزعة على غرفتين فقط: "الحياة أصبحت ضيقة ومش هنقدر نستمر عند جدتي كتير لكن مش عارفين نروح فين؟".

الحي: "ليست مسؤوليتنا"

يوضح محمد أبو الحسن، رئيس حي دار السلام السابق، لـ"صوت السلام"، أن الحي يضم نحو 20 منزلًا مُصنفًا "آيل للسقوط"، بدأ التعامل معها تدريجيًا بعد تكرار حوادث الانهيار، مؤكدًا أن "الحي غير ملزم قانونيًا بتوفير سكن بديل أو تعويضات للأهالي، وأن الأولوية القصوى هي سلامة المواطنين".

بينما علّق المحامي والمستشار القانوني، محمود الروبي، قائلًا إن لم يكن الحي والمحافظة ملزمين قانونًا بتوفير سكن دائم بديل، إلا أن عليهما التزامًا بتوفير سكن مؤقت، خاصًة وأن قرارات الإخلاء غالبًا ما تصدر فجأةً، ضمن مدد قصيرة لا تتيح للأسر فرصة كافية للبحث عن سكن جديد.

ويشير الروبي لـ"صوت السلام" إلى ضرورة إنشاء صندوق أو آلية رسمية لتوفير مساكن مؤقتة أو دعم عاجل للأسر المُخلاة، بما يضمن الحفاظ على كرامتهم وحقوقهم الأساسية في الظروف الطارئة.

تشريد الأسر

ويوضح الدكتور حمدي عرفة، الخبير العمراني، أن غالبية العقارات منذ 50 إلى 80 عامًا تحتاج إلى صيانة دورية أو ترميم جزئي، حتى وإن بدت بحالة جيدة ظاهريًا، ضمن إجراءات وقائية بالتعاون بين الجهات المعنية ومالكي العقارات.

هدم العقارات الآيلة للسقوط

ويشير لـ"صوت السلام" إلى أن غياب هذه الرعاية الوقائية أدى إلى تراكم الأزمة، إذ وصل عدد المنازل المهددة في القاهرة وحدها إلى نحو 5 آلاف منزل، هذا الرقم قابل للزيادة؛ إذا استمر غياب التدخلات المبكرة ويهدد الأسر بالتشريد.

ويعيش محمد عبدالخالق، من سكان حي دار السلام، حال من القلق والارتباك بعد صدور قرار بهدم منزله، منذ تلقيه إخطار الإخلاء، وقد بدأ رحلة البحث عن سكن بديل يناسب أسرته، لكن اصطدم بالواقع الصعب لسوق الإيجارات.

وجد عبدالخالق شقة في منطقة حدائق المعادي، إلا أن السمسار طلب منه سداد إيجار شهرين مقدمًا، إضافًة إلى مبلغ تأمين وعمولة، ليصل إجمالي المبلغ المطلوب إلى نحو 15 ألف جنيه، هو مبلغ لا يملكه.

أين مالك العقار؟

وبحسب ما رواه كلٌ من جوري وحسن وعبدالخالق، فإن ملاك العقارات اختفوا فور صدور قرار الهدم، هربًا من التزاماتهم تّجاه السكان وتفاديًا لدفع أي تعويضات، مما جعلهما دون أي حماية قانونية تضمن حقهم في السكن.

هذا ما أكده أيضًا محمد أبو الحسن، رئيس حي دار السلام السابق، بأن بعض هذه العقارات صدرت بشأنها تقارير هندسية تُثبت خطورتها منذ عام 2017، وأخرى منذ 2022، إلا أن ملاكها لم يُبلغوا السكان عمدًا، لإخفاء حقيقة التهالك حتى لا يُلزموا بدفع تعويضات أو توفير بدائل للسكان، ما يكشف جانبًا من الإهمال الذي يدفع ثمنه المواطن وحده.

وخلال يونيو 2022، حمّل أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب المصري، في لقاء تلفزيوني، اتحاد الشاغلين بأنه المسؤول  عن تفاقم أزمة العقارات الآيلة للسقوط، لافتًا إلى أن هذا الفراغ  المؤسسي أدى إلى غياب آليات لصيانة المباني بشكل دوري،  وإجبار مالك العقار على تحمل مسؤوليته في الترميم والصيانة.

وتنص المادة 90 من قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 على أن للمحافظ أو رئيس الهيئة المختص الحق في إصدار قرار بإخلاء العقار كليًا أو جزئيًا، إذا ثبت من تقرير لجنة المنشآت الآيلة للسقوط أن المبنى يشكل خطرًا.

ومع ذلك، تتيح المادة 119 حلولًا أخرى قد تُتخذ قبل اللجوء إلى الهدم الكامل؛ أبرزها: الترميم أو التدعيم أو حتى الهدم الجزئي، إلا أن ذلك لم يحدث مع أصحاب المنازل الآيلة للسقوط في دار السلام.

يقول الدكتور حمدي عرفة، الخبير العمراني، إن اللجان الهندسية في الأحياء تميل إلى اختيار الهدم الكامل، باعتباره الخيار الأسرع والأكثر أمانًا من حيث حماية الأرواح.

ويؤكد أن هذا الحل، رغم وجاهته من الناحية الفنية، يؤدي إلى فقد السكان لمساكنهم.

مسؤولية الدولة

يواجه سامح حسن، 30 عامًا، أحد سكان المنازل المهددة بالسقوط، حالة من عدم الاستقرار، بعد أن اضطر لتخزين جزء من أثاث منزله على سطح منزل والدته، في حين ما زال يبحث عن شقة تؤوي أسرته المكونة من أربعة أفراد. 

يلاحق سامح حسن الزمن في محاولة يائسة لتأمين سكن لأسرته قبل بداية العام الدراسي الجديد، إذ يخشى أن يؤثر هذا التنقل المستمر على استقرار أطفاله الدراسي والنفسي، لحين العثور على سكن: "فوجئنا بالقرار وأن علينا ترك المنزل خلال أسبوع، المنزل آيل للسقوط لكن مينفعش حد يبلغنا متأخر بدون بديل".

تدعم المادة 97 من قانون البناء الموحد مطالب سامح وغيره، إذ تنص على إنشاء صندوق يتولى الإقراض بدون فوائد لأعمال الترميم والصيانة، كذلك توفير سكن بديل للسكان المتضررين، على أن يُخصص له من الموازنة العامة للدولة ما لا يقل عن 0.5% من الموازنة الاستثمارية.

ويصدر نظام عمل الصندوق وقواعد الإقراض بقرار من رئيس الجمهورية، ما يعكس وجود سند قانوني واضح يتيح للدولة التدخل لحماية المتضررين من قرارات الإزالة والإخلاء.

ويُحمّل يحيى شوكت، مدير ومؤسس "مرصد العمران"، الدولة تتحمل مسؤولية أزمة انهيار العقارات: "الحكومة هي من وضعت نظام الإيجار القديم وحددت قيمته، ما أدى إلى تدني العوائد الإيجارية، بالتالي عزوف الملاك عن إجراء الصيانة الدورية وفي بعض الحالات، يتعمد المالك إهمال العقارات لتسريع تدهورها ودفع المستأجرين للمغادرة".

كما يشير إلى أن الإدارة المحلية، مسؤولة عن غياب متابعة متابعة أوضاع العقارات والتدخل، بدلًا من الانتظار حتى تصل إلى مرحلة الخطر وتُجبر الأسر على الإخلاء القسري دون بدائل.

وتواصلت "صوت السلام" مع وزير الإسكان شريف الشربيني، والمتحدث الرسمي باسم الوزارة عمرو خطاب، عبر الهاتف وتطبيق "واتس آب"، للحصول على رد رسمي بشأن جهود الدولة في التعامل مع أزمة المنازل الآيلة للسقوط، تحديدًا ما يتعلق بتوفير سكن بديل للأسر المُخلاة، لكن لم نتلقَ أي رد، كما حاولنا التواصل مع محافظ القاهرة، إبراهيم صابر، بنفس الوسائل، دون استجابة.

بينما تمضي محافظة القاهرة في تنفيذ خطتها لإزالة المنازل الآيلة للسقوط بدعوى الحفاظ على سلامة المواطنين، تُترك الأسر المتضررة دون سكن بديل أو حتى مأوى مؤقت، لتتحمل وحدها ثمن أزمة عمرانية تراكمت بفعل الإهمال والتقصير، منهم جوري وحسن وعبدالخالق و20 أسرة أخرى في حي دار السلام.