بين أزيز الماكينات، يجلس كامل خالد، 25 عامًا، لأكثر من 9 ساعات يوميًا أمام ماكينة الخياطة في أحد مصانع الملابس بالمنطقة الاستثمارية ببورسعيد، تتحرك يديه بسرعة بين القماش والإبر مقابل 5800 جنيهًا شهريًا؛ ما يجعله بالكاد قادرًا على تغطية مصاريف المعيشة الأساسية.
يقول كامل الذي لم يتزوج بعد: "بشتغل في المصنع من حوالي سنة، والأجور لسه موصلتش للحد الأدنى، أوقات بحس إني مش قادر أعيش حياتي أو أشتري لنفسي أبسط الحاجات، حياتي كلها محصورة في المصنع والمقابل قليل".
الحد الأدنى للأجور غير مطبق
في مارس 2025، قرر المجلس القومي للأجور زيادة الحد الأدنى للأجور في مصر ليصبح 7000 جنيه شهريًا، إلا أن بعض مصانع المنطقة الاستثمارية في بورسعيد لا تزال تدفع أجورًا دون الحد القانوني.
تضم هذه المنطقة عشرات الآلاف من العمال وتشمل 76 مشروعًا صناعيًا بين الحكومي والخاص، منها 30 مصنعًا للملابس الجاهزة، وتعد واحدة من المراكز الرئيسية للإنتاج الصناعي في المحافظة.
تنص المادة 108 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 على ضرورة عدم انخفاض أجر العامل عن الحد الأدنى المقرر، وتحظر احتجاز الأجر أو أي جزء منه دون سند قانوني، وتوقيع غرامات مالية على المخالفين وإلزام المنشأة بسداد فروق الأجور. كما يحق للعامل تقديم شكوى رسمية أو دعوى قضائية، ويجوز لمفتشي العمل تحرير محاضر وإحالتها للنيابة العمالية.
ساعات إضافية تحت تهديد الفصل
ورغم وضوح القانون والعقوبة، يضطر بعض عمال المنطقة الاستثمارية إلى أداء ساعات إضافية إجبارية تتجاوز الحد اليومي المسموح به، مع تهديد مباشر بالفصل حال محاولة الاعتراض أو الشكوى -وفق شهادات العمال لـ"البورسعيدية". يوضح كامل: "المصنع يشغلني ساعات إضافية أكثر من ثلاث أو أربع أيام في الأسبوع، وأي محاولة للاعتراض على الأجر أو التعب تُقابل بتهديد مباشر بالفصل".
وتُجيز المادة 121 تشغيل العمال لساعات إضافية في حالات الضرورة أو الظروف الاستثنائية، ، وتُلزم بصرف مقابل مالي عن ساعات العمل الإضافية لا يقل عن 35% عن ساعات العمل النهارية و70% عن الليلية، مع عدم تجاوز إجمالي ساعات العمل اليومية للعامل 12 ساعة لكن هذا لا يحدث مع كامل وغيره من العمال.
يؤكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات العمالية والنقابية لـ"البورسعيدية"، أن القطاع الخاص يشهد نمطًا واضحًا من الانتهاكات المرتبطة بالأجور، والأمان الوظيفي، والسلامة والصحة المهنية، معتبرًا أن ما يحدث في بورسعيد ليس استثناءً بل جزء من أزمة أوسع يعاني منها عمال القطاع الخاص في مصر.

تشير دراسة اقتصادية بعنوان "أثر الحد الأدنى للأجور على التشغيل في مصر خلال الفترة 1990 - 2023" صادرة عن مجلة "مصر المعاصرة" خلال العام 2025 أن الحد الأدنى للأجور يظل أداة مهمة لحماية العمال الهشين وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، لكنه يواجه تحديات تطبيقية بسبب ضعف الرقابة واختلاف السياسات بين القطاعين العام والخاص.
وأظهرت الدراسة تراجع حصة الأجور من الدخل القومي من 40% في عقود سابقة إلى نحو 25% في الوقت الحالي، كما أن التضخم يقلل من القيمة الحقيقية للأجور، مما يزيد الضغوط على العمال. وتعكس البيانات الرسمية ذلك الضغط، حيث بلغ معدل البطالة في محافظة بورسعيد 43.7% لعام 2022، وسجل معدل الفقر 16.1% وفق كتاب "مصر في أرقام 2023".
تحت وطأة الضغط وسوء المعاملة
نفس المعاناة يواجهها حامد مجدي، 42 عامًا، يعمل في أحد مصانع الأدوات الكهربائية بالمنطقة الاستثمارية ببورسعيد منذ سبع سنوات، إذ يتقاضى راتبًا شهريًا لا يتجاوز 6500 جنيه بعد الزيادة السنوية لهذا العام.
يشير إلى أن يوم الجمعة الذي ينص قانون العمل على اعتباره إجازة أسبوعية مدفوعة الأجر، لا يُعامل إلا كيوم عمل عادي داخل المصنع، دون أي مقابل إضافي: "ممكن في الشهر كله ناخد جمعة واحدة فقط إجازة، والغياب يُحسب جزاء ومفيش حاجة اسمها ضعف أجر أو بدل".
يعول حامد أربعة أبناء، اثنان منهم في التعليم الأساسي، ويؤكد أن العمل المستمر دون راحة أسبوعية أثر على صحته الجسدية والنفسية، لكنه لا يملك رفاهية رفض ساعات العمل الإضافية أو المطالبة بحقوقه.
- تشكل الأجور والبدلات أكثر من 85% من أسباب الاحتجاجات العمالية منذ مطلع الألفية الثالثة وحتى الآن.
المفوضية: القوانين حبر على ورق
وفي سياق متصل، كشفت المفوضية المصرية للحقوق والحريات في بيان أصدرته 5 يناير الماضي، أن النصوص التشريعية المتعلقة بالحد الأدنى للأجور في قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 تفتقر لضمانات تنفيذية فعالة للرقابة، ما يجعل القانون شكليًا وغير قادر على تحقيق التوازن في علاقات العمل.
وأوضحت المفوضية أن الحد الأدنى للأجور لا يُطبق فعليًا في أغلب الجهات، وأن التفتيش العمالي يواجه صعوبات كبيرة بسبب قلة الموارد، إذ يُخصّص مفتش واحد لكل 22745 عامل تقريبًا، ما يجعل الرقابة شبه مستحيلة. وأضافت أن التضخم تجاوز 170% خلال خمس سنوات والتهم الأجر الحقيقي.
وفي سياق أوسع للأزمة، يشير كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات العمالية والنقابية، إلى أن أغلب عمال المنطقة الاستثمارية يعملون بعقود محددة المدة، ما يتيح لصاحب العمل إنهاء التعاقد في أي وقت دون حماية حقيقية للعامل.
ويضرب مثالًا بمحمود يوسف، عامل بالمنطقة الاستثمارية ببورسعيد، والذي أمضى أكثر من 22 عامًا في العمل قبل أن يُفصل لمجرد مطالبته باحتساب ساعات العمل الإضافية وفقًا للحد الأدنى للأجور، رغم تأييد مكتب العمل لحقه القانوني.
وفي مصنع آخر للملابس الجاهزة داخل المنطقة الاستثمارية، يعمل إسلام محمود، 29 عامًا، منذ عامين بنظام الورديات المتغيرة، مقابل 5400 جنيه شهريًا يعيل بهم والديه.
يقول: "ليس الأجر فقط ولكن الكثير من العمال غير مؤمن عليهم وأنا منهم رغم اقتطاع نسب التأمين من الرواتب شهريًا، وعندما استفسرت عن وضعي، اكتفى مسؤولي المصنع بالوعود: "لو سبت المصنع مش هلاقي فرصة تانية بسهولة والحياة كل مدى بتكون أصعب".
- بلغ عدد المؤمن عليهم في مصر 13 مليون و631 ألف و982 عامل من إجمالي 20.6 مليون عامل بأجر، ما يعني أن نحو 34% من العمال لا يشملهم التأمين الاجتماعي.
غياب البدائل يعمّق أزمة الأمان الوظيفي
وهنا يؤكد عباس، أن مشكلة الأمان الوظيفي تتفاقم من خلال التأمينات الاجتماعية، إذ لا يؤمن على الكثير منهم، والبعض الآخر يؤمن عليه بأرقام أقل من أجورهم الحقيقية، ما يحرمهم من معاش عادل بعد انتهاء سنوات العمل ويجعلهم عرضة للفقر، بينما يظل التفتيش العمالي ضعيف الموارد وغير قادر على فرض الرقابة الفعلية على المصانع.
حاول محرر "البورسعيدية" التواصل مع محمد جبران، وزير العمل، وعبد الوهاب خضر، المتحدث الرسمي والمستشار الإعلامي لوزارة العمل، وإيمان مسعد، مدير مديرية العمل ببورسعيد، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب" لكن لم يتلق رد حتى نشر التقرير.
فيما يفسر الخبير القانوني أحمد إيهاب أن أزمة عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور في بعض المنشآت ليست نتيجة غياب النصوص القانونية، بل تعود إلى ضعف آليات الرقابة والتنفيذ، حيث تبرز الفجوة بين القانون والواقع خاصة في القطاع الخاص والمناطق الصناعية التي تضم أعدادًا كبيرة من العمال.
ويشير لـ"البورسعيدية" إلى أن الحل يكمن في تفعيل التفتيش العمالي وزيادة عدد المفتشين وتوسيع صلاحياتهم، بما يتيح رصد المخالفات بشكل منتظم وفرض عقوبات رادعة على المنشآت غير الملتزمة.
يؤيده كامل عباس على أن غياب النقابات المستقلة منح أصحاب المصانع سلطة مطلقة في اتخاذ القرارات دون أي تمثيل عمالي: "كان للمنطقة سابقًا أكثر من 20 لجنة نقابية مستقلة لكنها اختفت بالكامل بسبب التهميش، لذا لا بد من إعادة تلك النقابات لحل النزاعات والحفاظ على حقوق العمال".
تعكس شهادات العمال في مصانع المنطقة الاستثمارية ببورسعيد واقعًا مزدوجًا: عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، وساعات إضافية تحت تهديد الفصل، في ظل غياب نقابات مستقلة وآليات الرقابة.
جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.