في بدايات عام 1880، قرر الجد الأكبر محمد القزاز ترك محافظة دمياط والانتقال إلى مدينة بورسعيد، التي كانت آنذاك في طور التكوّن. لم تكن بورسعيد قد تشكّلت بعد بصورتها المعروفة اليوم، لكن جذور عائلة القزاز سبقتها، إذ حمل الجد معه مهنة توارثها أفراد العائلة ورافقت لاحقًا شواطئ المدينة الساحلية.
لم تكن الرحلة عادية، فقد سار محمد القزاز مع بزوغ الفجر على امتداد الشاطئ، مسترشدًا بخط البحر حتى وصل إلى المدينة الوليدة، هناك استقر، وتزوّج، وعمل في مهنة الترزي.

أصول العائلة وبزوغ المهنة في بورسعيد
أنجب محمد ابنه أحمد القزاز، الذي ورث عنه مهنة الترزي العربي منذ صغره، وتعلّم أصولها حتى تمرّس فيها وطوّر أدواته وأسلوبه، ليصبح صنايعيًا ماهرًا عُرف بإتقانه ودقته، ومع الوقت، استقل عن والده وافتتح محله الخاص في حي العرب.
سرعان ما ذاع صيت أحمد القزاز بين سكان المدينة وأعيانها، وكان من بين زبائنه عبد الرحمن لطفي باشا، أحد أشهر بشوات بورسعيد، إلى جانب عدد من الباشوات الذين اعتادوا تفصيل ملابسهم لديه، ثم تزوج وأنجب ابنه محمد العام 1920 الذي سافر إلى القاهرة وتعلم صناعة الشماسي على يد أحد كبار صانعيها، قبل أن يعود إلى بورسعيد حاملًا مهنة جديدة أورثها لابنه طارق القزاز.

جيل جديد.. ومهنة جديدة
حاليًا، يقع محل القزاز في شارع السلطان محمود بحي الإفرنج، شاهدًا حيًا على صناعة الشماسي التي طالما ارتبطت بالمصطافين وكبار عائلات بورسعيد، ولا يزال طارق الوحيد من عائلة القزاز متمسكًا بهذه المهنة.
يحكي طارق: "بعد عودة والدي من القاهرة، افتتح ورشته في شارع السلطان محمود، بحي الإفرنج، قرابة عام 1949، هنا بدأت الورشة نشاطها في صناعة الشماسي، متزامنة مع تشكّل شاطئ بورسعيد، الذي كان آنذاك حديثًا مقارنة بمدن أخرى مثل الإسكندرية، ونجحت الشماسي في فرض وجودها كجزء أساسي من المشهد الصيفي، وصارت رمزًا للحياة الصيفية على شواطئ المدينة".
ويضيف طارق: "كان يجلب كل الخامات من القاهرة، ويصنع الشمسية كاملة داخل الورشة، من أول قطعة حتى آخر مسمار، كل الخطوات تتم يدويًا وبعناية؛ من بناء الهيكل الخشبي أو المعدني، إلى تثبيت القماش وتجميع المسامير، حتى تخرج كل شمسية متينة وجودتها استثنائية".

توارث المهنة وتحديات ما بعد الهجرة
يتذكر طارق فترة تهجير أهالي مدن القناة بعد حرب 1967، حين غادرت العائلة بورسعيد وعادت بعد سنوات، قائلاً: "عندما عدنا من الهجرة لم يكن الصنايعية الذين كانوا يساعدون والدي موجودين، مهنة الشماسي كانت موسمية ولا توفر دخلاً ثابتًا، فاضطروا إلى امتهان حرف أخرى، ولم يعودوا إلى الورشة".
ويوضح: "مع غياب العمال، أصبح والدنا كل شيء في الورشة، يعمل وحده ويعلّمنا خطوة بخطوة كيف نمسك الشاكوش، كيف نثبت المسامير، وكيف نصلح الشمسية قبل التفكير في صناعتها، البداية لم تكن إنتاجًا فعليًا، بل فترة تعلم طويلة تزامنت مع عودة المدينة تدريجيًا إلى الحياة".

منذ تلك اللحظة، اختار طارق، دونًا عن أشقائه، أن يتفرغ لورشة والده منذ الصغر، لتصبح صناعة الشماسي عمله الأساسي على مدار ما يقرب من خمسين عامًا وحتى اليوم.
وخلال هذه السنوات الطويلة، لم يتعامل معها كمهنة ثابتة فحسب، بل حرص على مواكبة كل ما طرأ عليها من تطورات في الخامات والأشكال وطرق التنفيذ.

تطور الحرفة ومواكبة العصر
في مطلع التسعينات، ظهرت في بورسعيد ثقافة مظلات البلكونات والشبابيك "التندة"، وبما أن الشماسي كانت حرفة موسمية، قرر طارق توسيع نشاط الورشة لتشمل "التند"، ما مكّنه من العمل طوال العام بدل الاقتصار على موسم الصيف فقط: "صناعة التند كانت إضافة جديدة للورشة التي كانت تعتمد سابقًا على الشماسي والكراسي الخشبية فقط".
ويُضيف طارق: "زمان كانت الكراسي الخشبية عنصرًا أساسيًا في الشاطئ، لكن مع ارتفاع تكلفتها وصعوبة صيانتها، اختفت تدريجيًا وحلّت محلها الكراسي البلاستيكية، أما الشماسي فاستمرت وتنوعت بين الخيزران والخشب، ولكل نوع استخدامه، فالشماسي الخشبية أثقل وأكثر ثباتًا على البحر، بينما الخيزران أخف وأسهل في النقل".

ويتابع: "شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، فقد كانت الشمسية تُباع بجنيهين قبل الهجرة، وبـ6 جنيهات في منتصف السبعينيات، واليوم تبدأ من 1300 جنيه للخيزران الصغيرة، وتصل إلى 1800 جنيه للمقاسات الأكبر، وهذا الغلاء دفع أصحاب الكافيهات لتقليل الشراء والاعتماد على الإصلاح بدل التجديد الكامل في كل موسم".
على مدار تلك السنوات، لم تكن الورشة مجرد مكان للعمل، بل جزء من تاريخ العائلة وذكرياتها، ورغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية ما زالت قائمة.
واليوم يشارك طارق ابنه هشام، خريج كلية الألسن، أحيانًا في أوقات فراغه، ليبقى حضور الورشة مستمرًا، وتظل الحرفة حية، والذكريات حاضرة، والحكاية التي بدأت قبل أكثر من قرن متواصلة بين الأجيال.