أكثر من 10 ساعات عمل يومية يقضيها أحمد سعد، 24 عامًا، بين حضور جلسات المحكمة صباحًا والتدريب المكثف في أحد مكاتب المحاماة حتى ساعات متأخرة من الليل، وذلك منذ تخرجه في كلية الحقوق جامعة بورسعيد العام 2023.
رغم هذا الجهد الكبير، لم يكن ما يتقاضاه يتجاوز ألف جنيه شهريًا، مبلغ بالكاد يغطي تكاليف التنقل، ولم يمنحه أي أمان مالي أو استقرار وظيفي، ومع انتهاء فترة التدريب التي حدّدها مدير المكتب بثلاثة أشهر، فوجئ أحمد بتمديدها مرة أخرى.
فجوة التشغيل
يقول: "في بورسعيد والمحافظات لا توجد فرص حقيقية للتوظيف أو رقابة فعالة لتطبيق الحد الأدنى للأجور، تركت العمل وحاليًا أمامي خيارين فقط إما الهجرة من المحافظة، أو الاستمرار بلا مقابل مادي في مجال دراستي الذي أحببته".
تعكس تجربة أحمد الفجوة التي تشير إليها الأرقام الرسمية؛ فقد بلغ إجمالي عدد خريجي التعليم العالي من جامعة بورسعيد لعام 2023 نحو 5,992 خريجًا، وفقًا للنشرة السنوية المجمعة لبحث القوى العاملة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما لم يتجاوز عدد المشتغلين الحاصلين على مؤهل جامعي وفوق الجامعي في بورسعيد 2151 خريجًا فقط خلال العام نفسه.

هذه الفجوة الواضحة بين أعداد الخريجين والفرص الوظيفية المتاحة تسلط الضوء على الواقع الذي يعيشه شباب في محافظة بورسعيد، وتوضح حجم التحديات التي تواجه الخريجين في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم بأجور عادلة.
وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ إجمالي عدد خريجي التعليم العالي في مصر لعام 2023 نحو 752 ألفًا و830 خريجًا. وفي المقابل، تشير البيانات إلى أن عدد المشتغلين بلغ نحو 289 ألفًا و591 خريجًا، ما يعكس فجوة كبيرة بين أعداد الخريجين وفرص العمل المتاحة لهم.
يفسر الدكتور أحمد عبد الظاهر، الخبير الاجتماعي، اتساع فجوة التشغيل في محافظة بورسعيد بـ"الإحساس بالعطالة الممتدة"، حيث يشعر الشباب بأن البقاء داخل المحافظة لا يضيف لهم شيئًا مهنيًا أو اجتماعيًا، في ظل محدودية الفرص المناسبة لمؤهلاتهم، لذا فإن دوافع الانتقال لم تعد مرتبطة بتحسين مستوى الدخل فقط.
ويوضح لـ"البورسعيدية" أن ذلك دفع شريحة واسعة من الشباب إلى الهجرة الداخلية بحثًا عن فرص عمل أكثر استقرارًا، خاصة في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية، وكذلك العاصمة الإدارية مؤخرًا.
مستقبل الوظائف في مصر
وتأتي هذه الصورة معززة بالأرقام، إذ تسجل محافظة بورسعيد معدل بطالة يصل إلى 43.7% لعام 2022، بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من القوى العاملة المؤهلة، وخصوصًا الحاصلين على مؤهلات عليا، غير قادر على إيجاد وظائف مستقرة داخل المحافظة.
يتسق ذلك، مع تأكيد حسن عمّار، نائب مجلس الشعب السابق والمرشح الحالي، على أن نصيب أبناء المدينة من فرص العمل داخل الشركات مثل الغاز والبترول يتراجع، مضيفًا: "على سبيل المثال حين بدء تشغيل حقل ظهر، أكبر حقل غاز طبيعي في البحر الأبيض المتوسط، كان محطة فارقة في ملف التشغيل بالمحافظة، إذ وفر في مراحله الأولى ما يزيد على ألفي فرصة عمل".

ورغم هذا الزخم في تشغيل الحقل، يشير عمّار إلى أن أثره لم يمتد إلى باقي المنشآت الصناعية في المدينة، ما جعل التحسن محدودًا وغير كافٍ لرفع معدلات التشغيل بشكل مستدام، مؤكدًا استمرار التحديات التي تواجه الشباب الباحث عن عمل داخل المحافظة.
يتسق ذلك مع دراسة أصدرها المركز المصري للدراسات الاقتصادية عام 2024، التي خلصت إلى أن مصر تحتل المركز الأول بين الدول من حيث الحاجة لإعادة تشكيل مهارات قوة العمل خلال السنوات الخمس المقبلة، إذ من المتوقع أن يتغير 55% من مهارات العاملين، مقارنة بمعدل عالمي يبلغ 29%، ويعزز هذا التحول ضرورة توظيف فئات مختلفة من الشباب، بما في ذلك الأقليات لتقليص فجوات التوظيف بين المحافظات.
سوق عمل لا يعترف بحديثي التخرج
ذلك ما حدث مع مؤمن مصطفى، 24 عامًا، الذي تخرج في كلية التجارة جامعة بورسعيد العام 2023، إلا أنه من حينها وهو يتلقى خيبات أمل متكررة في سوق العمل، إذ وجد نفسه محاصرًا بين مؤهلاته الأكاديمية وسوق عمل لا يقدّر سوى الخبرات العملية المكتسبة.
حصل مؤمن على إعفاء من الخدمة العسكرية، ومنذ تخرجه وهو يبحث بلا كلل عن وظيفة تتناسب مع تخصصه في شعبة المحاسبة، إلا أن غالبية الفرص المتاحة له اقتصرت على وظائف بسيطة لا تتطلب مؤهلات جامعية، مثل العمل كعامل تعبئة أو خياط في المصانع، بأجور لا تتجاوز الحد الأدنى.
يقول: "إذا كان سوق العمل يقتصر على ذوي الخبرة العالية، فأين يذهب الخريجون الجدد؟ لن يكون أمامهم سوى الهجرة من محافظتهم إلى القاهرة للبحث عن عمل عادل".
- يبدأ الحد الأدنى للأجور في مصر من 7000 جنيه في القطاعين الخاص والحكومي وفق القرار رقم 2594 لسنة 2025.
فيما يوضح الدكتور أحمد عبد الظاهر، الخبير الاجتماعي، أن هذا النمط من الهجرة يترك آثارًا اجتماعية عميقة، أبرزها تزايد الضغوط الاقتصادية على الأسر، وتراجع شعور الشباب بالانتماء لسوق العمل المحلي، وضعف ارتباطهم بمشروعات المدينة، ما يعمّق بدوره دورة البطالة ويجعلها أكثر تعقيدًا عامًا بعد عام.

بينما يرجع أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي، الفجوة إلى نسب التشغيل التي لا تعكس كامل جهود الدولة بسبب الزيادة السكانية الكبيرة، ما يجعل عدد الشباب الباحثين عن عمل يفوق بكثير عدد الوظائف المتاحة ويزيد من الاعتماد على العمالة الخارجية.

يؤيده حسن عمّار: "رغم تمركز الشركات الكبرى وقطاع البترول في بورسعيد، لا تتجاوز نسبة العاملين المحليين فيها 40 إلى 50%، بينما تعتمد المصانع على عمالة خارجية تزيد عن النصف، إذ أن أن ضعف تمثيل أبناء بورسعيد في هذه الشركات يتعارض مع مسؤوليتها المجتمعية".
ورغم ما تمتلكه بورسعيد من مناطق صناعية واستثمارية كبرى، فإن عدد المتعطلين فيها بلغ 844 شخصًا، بما يمثل 3.9% من إجمالي العاطلين في مصر وفق كتاب "مصر في أرقام 2023"، فيما سجّل معدل الفقر بالمحافظة 16.1%.
تجارب تكشف أزمة العمل في بورسعيد
على نفس السياق، تعكس تجربة عائشة محمد، خريجة 2024 من كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية جامعة بورسعيد، الصعوبات العملية التي تواجه خريجي المحافظة.
بدأت عائشة العمل في أثناء دراستها في إحدى الحضانات الخاصة براتب 4 آلاف جنيه شهريًا، ومع التخرج واجهت تحديات كبيرة في الحصول على وظيفة مناسبة في التعليم الرسمي أو الخاص، حتى باتت تفكر في الهجرة الداخلية.
اضطرت للعمل في الدروس الخصوصية للمرحلة الابتدائية في منزلها، لكنها وجدت أن قلة الخبرة وغياب السمعة المهنية حدّ من الإقبال على خدماتها: "سوق العمل في بورسعيد بيمشي بالوساطة؛ كثير من الوظائف، خصوصًا في المدارس الخاصة، تُمنح لمن لديهم علاقات أو خبرات سابقة، وده بيصعّب جدًا على الخريج الجديد إنه يدخل السوق لوحده من غير دعم أو توصية".
يعلق على ذلك عمار حسن: "نصف قوة العمل في مشروعات المحافظة من خارج بورسعيد، وهي نسبة كانت أقل سابقًا لكنها مرشحة للارتفاع مع توسّع المستثمرين الأتراك واليمنيين والباكستانيين".
ويضيف أن بعض الفرص الاستثمارية التي كانت موجهة لبورسعيد انتقلت إلى مناطق أخرى مثل القنطرة، ما أدى إلى فقدان فرص عمل كان الشباب في حاجة ماسة إليها، نتيجة غياب التسهيلات الكافية وعدم جذب الاستثمارات.
في أغسطس الماضي، وجهت النائبة عايدة السواركة، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي، سؤال برلماني إلى رئيس الوزراء بشأن خطّة الحكومة لسد الفجوة بين الخريجين واحتياجات سوق العمل، مشيرة إلى أن أهم تحديات السوق في مصر هو زيادة عدد الخريجين سنويًا مقارنة بأعداد المشتغلين والوظائف.
بينما يشير أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي، إلى أن الحل يكمن في تطوير التعليم العالي لمواكبة متطلبات السوق الحديثة، عبر التركيز على المهارات التكنولوجية والعلوم التطبيقية واللغات الأجنبية، ومواكبة التحولات الرقمية مثل تكنولوجيا الجيل الخامس والشبكات الإلكترونية.
لا تزال عائشة تسعى لإيجاد فرصة عمل مناسبة، بينما يواصل أحمد البحث عن وظيفة مستقرة بعد تجربة التدريب المكثف بلا مقابل حقيقي، ومؤمن يواجه خيبات أمل متكررة في سوق العمل الذي يقتصر على ذوي الخبرة العالية، ويفكر ثلاثتهما في الهجرة من بورسعيد بحثًا عن فرص عمل أفضل.