في كل صباح، مع دقات الساعة العاشرة يستيقظ السقا، الرجل السبعيني ذو الابتسامة الصافية، يرتدي قميصًا بسيطًا بلونٍ يسرّ العين، يقود دراجته الهوائية في طريقه إلى شارع الحميدي بحي العرب، هناك، ينتظره محل صغير لا يتّسع لأكثر من خطوتين، تتسلل منه رائحة السمن والسكر، رائحة تأبى أن تغادر المكان.
لأكثر من خمسين عامًا، واظب السقا على هذه العادة اليومية وسط زحام السوق، حيث تتراص المحال وتتنافس لافتات التخفيضات على الملابس، في ركن صغير من المحل الذي ورثه عن والده، يبيع فيه واحدة من أشهر الحلوى البورسعيدية وهي السمنية والتمرية.

عند فتحه لباب المحل، يبدو المكان عشوائيًا من النظرة الأولى، طلاء الجدران متشقق، فرن قديم يحتل المنتصف، طاسة نحاسية عتيقة، أرفف وأدراج أنهكها الزمن، لكن من يعرف الحكاية، يدرك أنه ليس مجرد محل، بل متحف شعبي حيّ، تنبعث منه ذاكرة مدينة بورسعيد.
بداية "عم السقا"
"فتحت عيني على الدنيا والمحل ده موجود، من قبل ما تظهر المنطقة الحرة في بورسعيد، وقت ما كانت الشوارع دي كلها بتبيع أكل، قبل ما تتحوّل لسوق ملابس" بهذه الكلمات يبدأ السقا حكايته، وكأنه يفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا امتلأ برائحة الذكريات.
منذ طفولته، كان يقف إلى جوار والده وأخيه الأكبر، يتعلّم بعينيه قبل يديه، يخزن في ذاكرته كل تفصيلة من تفاصيل المهنة، في زمن الحرب هاجر مع أسرته، ثم التحق بصفوف الجيش المصري مجندًا، عاد بعد انتصار أكتوبر؛ لكن الأب والأخ لم يعودا، كي يفسحا له المجال في أن يقف أمام النار وحده للمرة الأولى، يفتح باب المحل بمفتاح صدئ، ويبدأ في بيع حلويات بورسعيد.

يقف السقا اليوم أمام طاسته النحاسية العتيقة، يُمسك بالسكين بيده اليمنى، يقطع عجينة ذهبية اللون: "بقالي أكتر من خمسين سنة مطفتش النار، لا غطّيت الطاسة، يومي بيبدأ من الساعة تلاتة الفجر، أعجن السمنية اللي بتتكوّن من دقيق وسميد وسكر على نار هادية، وأسيب العجينة تبرد براحتها، وبعد كده تدخل الفرن".
يضيف: "الساعة عشرة الصبح بتكون جاهزة، بعدها بروّح أنام شوية، أرجع الساعة تلاتة العصر، أكمّل الشغل لحد عشرة بالليل، وقت ما ابني محمد ييجي يستلم مني، يكمّل شُغل الليل، وأنا أروّح أرتاح، وأبدأ أجهز لعجنة تانية".

لم يفكر السقا في ترك مهنته رغم غزو الحلوى الغربية وغيرها المجال: "مفيش ولا مرة فكرت أسيب الشغلانة دي، رغم إن كان قدامي شغل كتير أقل تعب وأكتر فلوس، لكن قلبي ما حبش غير المكان ده، أنا عندي ٧٥ سنة، وصحتي على القد في أيام كثيرة بصحى أقول خلاص مش قادر، مش هشتغل النهاردة، لكن أول ما بوصل وافتح الباب بيجيلي قدرة سحرية، يمكن عشان بصحى كل يوم أقول توكلت عليك يارب".
عشق المهنة
يتوقف لوهلة عن تقطيع السمنية، يسرح بنظره في الفراغ كمن يسترجع مشهدًا بعيدًا، ثم يضحك يقول: "زمان كان كيلو الدقيق بنص جنيه، وكيلو السمنة بربع، وقرطاس السمنية بعشرة ساغ، واللي معاه ربع جنيه كان يقدر يفطّر بيه عيال الشارع كلهم، لكن دلوقتي، ببيع القطعة بجنيه، رغم إنها تستاهل أكتر، بس مش عايز أضغط على الناس، لأن حب الزبون عندي أهم من المكسب وعشان أخلي الناس تفضل موجودة وتشتري حلويات بورسعيد".
ورغم أن الجيل الجديد ربما لم يعد يعرف طعم السمنية كما كان، إلا أن الزبائن القدامى لا يزالون يأتون، كأنهم يعودون إلى طقوسهم القديمة، إلى زمن كانت فيه البساطة تملأ الشوارع، وكان السقا جزءًا منها، ولن يغادرها حتى يُغلق المحل من تلقاء نفسه.

من دخل هذا المحل ربّى أولاده الثلاثة، زوّج البنتين، شاركه ابنه محمد الذي يعمل صباحًا عامل أمن، ثم يعود ليلًا ليقف مكان أبيه ويُكمل المسيرة، يبتسم السقا ويقول بفخر: "محمد ابني هو اللي ورث المهنة، وهو اللي هيكمّل بعدي وهيعلّم ابنه كمان، المهنة دي مش هتموت، إلا لما إحنا نموت".
يسكت للحظة، كأنما يخشى أن يفلت منه المعنى، ينظر من خلف الطاسة إلى جدران المحل العتيقة، كمن يقرأ فيها فصول عمره، ثم يعود لاستكمال عمله بهدوء، بدا وكأنه لا يتمسك بالمهنة فقط لأنها مصدر رزقه، بل لأنها جزء من هويته، من ملامح المدينة التي لم تعد كما كانت.