ما بننسى| رغم الخسارة.. بائعو حنظلة والكوفية: "هكذا ندعم القضية الفلسطينية"

تصميم| محمد صلاح

Written By فاطمة محمد
2025-10-07 17:37:31

على واجهة محله وسط السوق السياحي في أسوان، تتراص كوفيات وميداليات وحظاظات شبابية تحمل رموزًا فلسطينية، وتجاورها تحف وانتيكات اعتاد فوزي محمد، خمسيني، بيعها منذ بداية عمله داخل السوق.

لم يكن هذا هو المشهد المعتاد لمحل فوزي قبل السابع من أكتوبر 2023، "كنت أبيع الكوفية الفلسطينية ذات اللونين الأبيض والأسود وأعرفها باسم شال عرفات، وبعد 7 أكتوبر، بدأ الزبائن يسألوني عنها باسم الكوفيّة الفلسطينية خصوصًا الأجانب منهم، وهنا شعرت أن الأمر ليس مجرد بيع وشراء، وأن الاسم الجديد يحمل روح القضية وقررت استخدامه أنا أيضًا".

حنظلة والكوفية الفلسطينية

ومنذ انطلاق الحرب، اتجهت عدة محال إلى توفير منتجات تحمل رموزًا للقضية الفلسطينية مثل العلم، الخريطة، الكوفيّة الفلسطينية، حنظلة، صور المسجد الأقصى، مفتاح العودة… ورغم أن الإقبال على اقتناء هذه الرموز، تراجع نسبيًا -وفقًا لشهادات عدد من أصحاب المحال في السوق- إلا أنهم ما زالوا متمسكين بتوفيرها في واجهات وأروقة محالهم إحياءً للقضية وتذكير دائم بالمعاناة.

"هكذا أشارك في رفض الإبادة"

تراجع الإقبال على الشراء لم يثني فوزي عن  استمرار توفير الرموز داخل محله، يقول: "لم أكن وقتها أعلم أن الحرب ستكون مجزرة وإبادة جماعية بهذا الشكل ولكن شعرت بأن من الضروري المشاركة، لذا بدأت أطلب من التجار الذين أتعامل معهم تزويدي بالشال الفلسطيني، والميداليات والحظاظات الشبابية التي تزينها أعلام فلسطين كان إحساسي بالعجز كبيرًا، وكل ما أستطيع فعله هو نشر رموز القضية".

حنظلة والكوفية الفلسطينية

وبالإضافة إلى الكوفية الفلسطينية ذات الألوان الأبيض والأسود، أضاف فوزي إلى محله الكوفيات ذات اللون الأحمر والأخضر، "لكل لون جمهوره، لكن الأبيض والأسود يظلان الأصل والرمز الحقيقي الذي لا يمكن استبداله، لأنه يمثل هوية فلسطين وصمودها". 

على مدار عامين، كان أكثر ما يلمس فوزي في عمله تلك اللحظات التي يسأله فيها الزبائن عن معنى الكوفية، ويتحول عندها من بائع إلى راوٍ لقصة شعب: "أنا لا أبيع مجرد قطعة قماش، بل أنقل ذاكرة، وما أفعله اليوم ليس تجارة، بل مشاركة في رسالة أكبر من السوق والربح".

ويضيف أن الإقبال على الكوفية في السنة الأولى من الحرب كان كبيرًا، خاصة خلال المظاهرات البسيطة التي نظمها الشباب تضامناً مع فلسطين، حيث كان الطلب يزداد يومًا بعد يوم، مع أسعارها البسيطة إذ تتراوح الإكسسوارات بين 25 - 30 جنيهًا، بينما الشال الفلسطيني من 100 إلى 150 جنيه.

أما الآن، فقد تراجع الإقبال بعض الشيء، لكنه يرفض التوقف عن بيعها: "القضية لا تزال في القلب، وطالما هناك ظلم مستمر، لا يمكنني التوقف عن بيعها، هذه ليست موضة، بل ذكرى لا تنتهي".

رجب حسن.. تجارة أصبحت موقفًا

مثل فوزي، لازال رجب حسن، خمسيني وصاحب محل في السوق السياحي بأسوان، متمسكًا ببيع الرموز الفلسطينية بعد عامين على الحرب: "في بداية الحرب كنت أشتري القلائد والميداليات والأساور التي تحمل علم فلسطين بكميات صغيرة، لكن سرعان ما أدركت أن الأمر يتجاوز البيع والشراء، كل قطعة تمثل صدى لقضية لا تموت، وأننا البائعون لنا دور في نشر تلك الرموز بالاستمرار في بيعها".

مع مرور عامين أصبحت تلك الرموز جزءً من قناعته الشخصية، لأنها تذكره دائمًا بأن فلسطين حاضرة في القلوب، وأن الشعوب لم تنس: "كنت أظن أن الاهتمام بالقضية يقتصر على الجيل الأكبر، لكن حين أرى شابًا صغيرًا يحمل الكوفية بفخر، أشعر بأن الوعي انتقل إلى جيل جديد يعرف معناها وقصتها".

حنظلة والكوفية الفلسطينية

كما لم يعد فوزي ينظر لأرباح بيع تلك الرموز: "كل ما يهمني أن أبيع أكبر عدد ممكن منها دون أن أكترث للربح الشخصي. تمر أحيانًا شهور دون أن أبيع شيئًا، ورغم ذلك أستمر في طلبها من التجار دائمًا، أشعر بأن هناك ضرورة لأن تتواجد في محلي".

حسان: "رغم الخسارة لن أتوقف عن البيع"

يتشارك حسان عبدالرحيم، أربعيني، نفس شعور فوزي ورجب تجاه الاستمرار في بيع رموز القضية الفلسطينية بعد عامين من الحرب: "بدأت منذ اندلاع الحرب، بسبب شعوري أنها ليست تجارة ولكن مشاركة متواضعة مني في إيصال صوت شعب لا يزال يقاوم من أجل حريته وكرامته، كل كوفية أو سوار أو علم صغير يحمل جزء من قصة نضال طويلة، جزءًا من ذاكرة شعب لا يُنسى".

حنظلة والكوفية الفلسطينية

يوضح أن أغلب زبائنه من الشباب والسياح الذين ينجذبون إلى هذه الرموز لما تحمله من عمق إنساني: "الشباب يأتون وهم يعرفون تمامًا ما يريدون، لأن الكوفية بالنسبة لهم موقف وانتماء، أما السياح فيسألون عن معانيها، وحين أشرح لهم، أرى في عيونهم تعاطفًا حقيقيًا وإحساسًا بأن القضية لم تعد بعيدة، وحين أرى شابًا يضع الكوفية على كتفه، أو سيدة تختار سوارًا يحمل ألوان العلم الفلسطيني، أشعر بأن هناك خيطًا غير مرئي يربطنا جميعًا".

كان الإقبال على الرموز كبيرًا في بداية الحرب، حيث تُباع بكثرة وكأنها تعبير جماعي عن الغضب والأمل في آنٍ واحد: "أما اليوم فقد هدأ المشهد قليلًا، لكن بالنسبة لي لا شيء انتهى، حتى لو قل الشراء، لن أتوقف عن بيعها، القضية لا تزال حية، وما زال هناك شعب يقاوم، وطالما فلسطين لم تتحرر، ستظل هذه الرموز موجودة".

حنظلة والكوفية الفلسطينية

ومع مرور عامين على الحرب، ورغم تراجع الإقبال الذي أدى إلى بعض الخسائر، يظل "فوزي ورجب وحسان" متمسكين ببيع الرموز الفلسطينية، مؤكدين أن القضية باقية في القلوب مهما تكبدوا من خسائر: "فلسطين لا تزال حاضرة في قلوبنا مهما اشتدت المصاعب".