ما بننسى| رسائل "سامية" الأخيرة.. أن تكفل طفلة من غزة وتفقدها تحت الأنقاض

تصميم| محمد صلاح

Written By مؤمن مسعد
2025-10-06 18:34:05

"كنت أفتح بريدي الإلكتروني وكأني أفتح باب بيت صغير في غزة، خلف هذا الباب كانت تنتظرني طفلة، تبتسم وتقول لي ما زلت هنا، لكن اليوم، أُغلق الباب، وصوتها لم يعد موجودًا".

تروي ماجدة المغربي، 40 عامًا، من محافظة الإسكندرية، تجربتها منذ أكتوبر عام 2024 مع كفالة طفلة من غزة عبر مؤسسة الإغاثة الإسلامية، وهو القرار الذي اتخذته لمواجهة شعورها بالعجز منذ بدء هجوم الاحتلال الإسرائيلي على القطاع: "كانت مشاهد الحرب المتلاحقة تخنق أنفاسي ويتضاعف شعوري بالعجز كلما رأيت طفلًا يُنتشل من تحت الأنقاض".

صدمة الفقد

لم تتردد ماجدة -التي تعمل في مجال البيئة- في اتخاذ القرار، حيث سارعت بالدخول على موقع المؤسسة وقدّمت طلبًا لكفالة طفل من غزة، تاركة لهم حرية اختيار الطفل الأكثر احتياجًا: "لم أنظر إلى الاسم أو الملامح أو حتى العمر، كان شرطي الوحيد أن يكون الطفل من غزة، وبينما أملأ البيانات على الموقع، لم يكن الأمر مجرد إجراء روتيني؛ كان قلبي يخفق بسرعة، وامتلأتُ بسعادة غامرة لأني سأجفف دمعة صغيرة قادمة من تلك الحرب".

بعد ثلاثة أسابيع، وصل إلى ماجدة أول خطاب من المؤسسة يخبرها بقبول كفالتها لطفلة من غزة تُدعى سامية، 8 أعوام، مرت الأشهر الأولى بخير، إذ كانت تطمئن عليها يوميًا عبر البريد الإلكتروني وتتلقى ردودًا تؤكد أن طفلتها بخير، لكن في يوليو 2025 انقطعت الرسائل فجأة، قبل أن تصلها رسالة صادمة من المؤسسة: "سامية مفقودة ولا يمكن الوصول إليها بسبب ظروف الحرب".

عاشت ماجدة واحدة من أقسى التجارب الإنسانية، إذ انتهت كفالتها بمصير مأساوي تمثل في فقدان طفلتها بالكفالة، حيث توسعت كفالة الأطفال في غزة خلال عامين من العدوان الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر 2023، وربما يواجه الكافلين صدمات مماثلة، تحت وطأة القصف المستمر والحرب التي لا تُبقي للأطفال أثرًا.

7 آلاف طفل في غزة على قوائم انتظار الكفالة وفق بيانات مؤسسة الإغاثة الإسلامية، ونحو 7 آلاف يتيم بلا كفلاء بحسب "هيومان أبيل".

تفاصيل أول لقاء

تسترجع ماجدة اللحظة الأولى التي وصلها فيها بريد قبول الكفالة: "كان يحمل صورة طفلة صغيرة بابتسامة خجولة، ومعها بعض المعلومات البسيطة عن عمرها ومدرستها وما تحب من ألعاب".

كانت تلك الطفلة هي سامية، الناجية الوحيدة من قصف دمّر بيتها وأودى بحياة والديها وإخوتها، خرجت من تحت الأنقاض مثقلة بكسور في أطرافها، ونُقلت إلى أحد مستشفيات غزة حيث لم يكن في انتظارها أحد، لم تدرك بعد أن عائلتها بأكملها رحلت، وظلت تسأل الجميع ببراءة عن والديها، فيما كانت عيناها تبحثان بين وجوه الغرباء عن ملامح مألوفة قد تطمئنها.

وتروي ماجدة: "أتذكر كل تفاصيل هذه اللحظة حين رأيت البريد، شعرت وكأني أتعرف على إنسانة أعرفها منذ زمن بعيد، رغم أنني أرى صورتها لأول مرة، قرأت البريد أكثر من عشر مرات كي أحفظ تفاصيلها القليلة والمختصرة".

لم تكن سامية بالنسبة لماجدة مجرد حالة كفالة عابرة؛ بل كانت كل رسالة تصل عنها تملأ قلبها بالفرح وتُنعش بداخلها الأمل في أن يكون لهذه الطفلة الصغيرة مستقبل مختلف، مستقبل يتجاوز ما عانته من فقد وخراب.

تتعدد المؤسسات الدولية التي توفر برامج لكفالة الأطفال الفلسطينيين، ومن أبرزها مؤسسة "هيومان أبيل" التي تكفل نحو 16,181 طفلًا في فلسطين، بينهم أكثر من 11 ألف طفل في غزة، وتبلغ قيمة الكفالة لتغطية احتياجات المأوى والغذاء 50 دولارًا شهريًا، أو 600 دولار سنويًا.

أما مؤسسة "الإغاثة الإسلامية عبر العالم"، التي تدعم ما يقارب 21 ألف يتيم في غزة، تشير تقاريرها إلى أن برنامج كفالة الأيتام شهد منذ أكتوبر 2023 توسعًا غير مسبوق، حيث تضاعف ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه في السابق. 

وتتيح المؤسسة خيارات متعددة للكفالة تبدأ من 2.5 دولار ليوم واحد، و17.5 دولارًا أسبوعيًا، و70 دولارًا شهريًا، وصولًا إلى 840 دولارًا لمدة عام كامل.

خيط رفيع من الأمل

في أبريل الماضي، انقطعت الرسائل الإلكترونية فجأة بين ماجدة والمؤسسة، وظل الصمت يمتد لعدة أشهر، قبل أن تصل رسالة مفاجئة من المؤسسة تخبرها بأن سامية مفقودة ولا يمكن الوصول إليها بسبب ظروف الحرب. 

كانت الصدمة أكبر من أن تُحتمل، وكادت ماجدة تستسلم لثقل الفقد، لولا أن جاءها بعد ثلاثة أسابيع تسجيل صوتي قصير من أحد العاملين في المؤسسة، بصوت سامية تقول فيه جملة واحدة: "أنا كويسة يا حبيبتي".

تتذكر ماجدة تلك اللحظة قائلة: "شعرت أن قلبي عاد لينبض من جديد. كان صوتها متعبًا، لكنه كان كافيًا ليعيد إليّ الأمل. كانت هذه أول مرة أسمع صوتها، وأقرب لحظة شعرت فيها أنها جزء من حياتي".

- لا تخضع الكفالة العابرة للحدود، مثل كفالة أطفال غزة، لأي نص قانوني مباشر في مصر، وتنفذ عبر مؤسسات خيرية دولية، يُعامل المشارك فيها كمتبرع مالي منتظم دون أن يُمنح صفة الكافل الشرعي.

إحساس ماجدة لم يدم طويلًا؛ ففي يوليو وصل لها آخر خطاب من المؤسسة: "سامية فُقدت مرة أخرى"، هذه المرة كان الخبر أكثر صدمة وقسوة، ومنذ ذلك اليوم باتت ماجدة تشعر وكأنها فقدت فردًا من عائلتها، رغم أنها لم تلتقِ بها يومًا. 

تقول: "تلك اللحظة كسرتني، فقد اعتدت في كل مرة أن أنتظر خبرًا يطمئنني عليها، لكن هذه المرة وصلني خبر يقول إنها رحلت"، ورغم ثقل الفقد، تتمسك ماجدة بخيط رفيع من الأمل: "بداخلي يقين أنها ما زالت على قيد الحياة، ولعل يومًا ما يصلني خطاب آخر يخبرني بعودتها".

بعد عامين من الحرب ما زالت تتضاعف قوائم الأيتام يومًا بعد يوم، ويظل فعل الكفالة واحدًا من آخر الخيوط التي تمنحهم بارقة أمل في حياة أكثر أمانًا وحنانًا، أما ماجدة تتمسك بخيط الأمل أن يأتي يوم تسمع فيه من جديد صوت سامية.