حلقتُ في سماء غزة ولامس حلقي سحبًا كثيفة دخانية، شعرت بغصة وألم في صدري، رأيت الأرض التي لا تكف عن النزف، ودوي صرخة ألم في السماء، كانت هوايتي التحليق بين المدن التي فقدت معالمها، مدينة تلو أخرى.
"غزة"، كانت البداية.. المدينة التي أمضيت بها معظم حياتي، ومع كل قذيفة سقطت رأيت تفاصيلها تتلاشى، لكن مع بداية التهجير، شعرت أن كل شيء أصبح بعيدًا، كان القصف يقترب يومًا بعد يوم حتى وصل إلى الحافة، رأيت أناس يضطرون للرحيل، كان الجميع يتدافع، يسعى للفرار من الجحيم الذي أصبح يقترب أكثر، التهجير بدأ في مدينة غزة ثم انتقل إلى أحياء الشيخ رضوان ثم الزيتون ثم التفاح وأخيرًا رفح، وكأننا كنا نركض خلف الأمل لكن لا شيء كان يرحمنا.
في كل مدينة مررت بها، كنت شاهدةً على مواقف مؤلمة لا تُنسى، ففي الشيخ رضوان رأيتُ طفلة صغيرة في الشارع، تحمل حقيبتها المدرسية التي أصبحت ملطخة بالدماء، حاولت البحث عن أمها وسط الحطام، كانت تردد: "ماما، ماما، وين أنتي؟"، بينما لم تجد سوى صمت الموت المحيط بها، وكأن هذا المكان قد ابتلع صوتها كما ابتلع مئات الأرواح قبلها، لم يكن لها من أحد سوى الحجارة التي تحمل آثار القصف.
وفي حي الزيتون المكان الذي أثار في نفسي صورة من الماضي، راقبت شجرة زيتون عملاقة، كان عمرها أطول من أي جيل، جذورها تتعمق في الأرض كما لو كانت تحتفظ بتاريخ طويل لهذا المكان، في الماضي حرث الناس الأرض وقطفوا الثمار؛ ليصنعوا زيتًا يغذي الأرواح قبل الأجساد، أما اليوم؛ حطمت القذائف تلك الشجرة، رغم ذلك ظلت أوراقها تتمايل مع الريح وكأنها تودعنا.
في "التفاح"، كانت الصور أكثر قسوة حيث شاهدت حصانًا يجرُّ جثثًا بين الأنقاض، وكأن الحياة قد تركت جسده ليحمل الموت على ظهره، الناس كانوا يفقدون حياتهم والحيوانات كان لها دور في أن تظل صامدة، رغم الدمار الذي حلّ بكل شيء، الحصان كان يحمل الجثث لكن قلبه لم يكن يعرف الراحة.
في "رفح"، كانت الكارثة على أشدها، رأيتُ طفلاً صغيرًا يحاول أن يسحب شقيقه الذي أصيب بشظايا القذائف، راكضًا نحو مكان آمن، قائلًا لأخيه: "ما تخافش، أنا معاك، إحنا هنعيش" حملت كلماته البراءة رغم فقدانه كل شيء، لكنه لم يتخيل أن الطفولة قد تتعرض لظلم في مثل هذا العالم.
ومن بين الدمار، ظلت شجرة الزيتون هي رمز الأمل رغم أنها مدمرة، كانت أوراقها الخضراء تطاير في الهواء وسط القصف، كأنها تقول: "ما زال هناك أمل" ومع مرور الوقت واصلنا الرحلة، وتمنيت لو كانت تلك الشجرة تخبرنا بمزيد من الأمل، لكن الواقع كان أقسى من كل تمنياتنا.
بعد المرور على تلك المدن وتلك المواقف التي جعلت قلبي ينفطر، شعرت يثقل في صدري في أثناء التحليق في السماء، الفلسطينيون يرحلون، ولكن الأرض تظل أرضهم، في كل زاوية تجد قصة، تجد صورة من الألم ومن الأمل في آن واحد، أما شجرة الزيتون، فهي الشاهد الصامت التي تظل تروي حكاياتهم حتى وإن كانت تحت الرماد.
وفي النهاية، كنتُ أُحلق فوق الأراضي التي كانت يومًا مليئة بالفرح، ثم أصبح الدمار هو الذي يملأ السماء، لكن أمل العودة يبقى في قلبي، أمل العودة إلى فلسطين، إلى غزة، حيث الأرض ما تزال حية، تنتظرنا جميعًا للعودة يومًا ما.