ليلى

تصميم| محمد صلاح

Written By نورهان عبد الرحمن
2025-08-15 16:00:05

في زقاقٍ ضيقٍ تلتف حوله بيوت طينية متلاصقة في إحدى قرى صعيد مصر، طلت شرفتان متجاورتان، تفصل بينهما بضعة أمتار.

شرفةٌ تنشر في الأرجاء عبير الياسمين المتسلق، رمزاً لروح متفتحة، وأخرى يفوح منها دائماً رائحة البخور الثقيل، وكأنها حجاب دخاني يحجب عالماً مظلماً. بدا كأنهمل نافذتين لعالمين مختلفين، عالم ليلى وعالم نور.

ليلى، فتاةٌ في الثانية والعشرين من عمرها، ذات عينين حزينتين تنظران إلى الأسفل ووجهٍ شاحب ينم عن قلة الحيلة، كانت تقضي معظم وقتها حبيسة غرفتها الضيقة، تستمع بقلب منكسر إلى كلمات والدتها القاسية التي كانت تخترق روحها كسهام مسمومة: "يا بنتي، خلاص قطار الجواز فاتكِ، لازم تلحقي نفسك قبل ما تبقي عانس"، "بصي لجيرانك وبنات عمك، كلهم اتجوزوا وخلفوا عيال، وإنتي لسه قاعدة زي الشجرة الناشفة مبتطرحيش". 

كانت ليلى ترد بصوتٍ خافت، ونظرات حزينة مرتعشة تتجنب النظر إلى عيون والدتها التي تملؤها قسوة ممزوجة بقلق زائف: "يا أمي، أنا لسه بدرس، نفسي أكمل تعليمي وأشتغل وأكون نفسي".

 لكن الأم كانت ترد بحدة وحزم: "تعليم إيه وشغل إيه في آخر الزمن ده؟ أهم حاجة الستر، والراجل اللي اتقدملك ده مش هيتعوض، عنده أرض وعزوة".

 كانت ليلى تعلم أن "الرجل المناسب" الذي تتحدث عنه والدتها يكبرها بعشرين عاماً على الأقل، وأنه سبق له الزواج مرتين وانتهى زواجه بالطلاق بسبب طباعه الحادة. 

كانت ترتجف من مجرد التفكير في أن تصبح زوجة لرجل غريب ومسن، لكنها لم تجد من يفهمها أو يدعمها في رفض هذا المصير المظلم الذي يلوح في الأفق. كانت تشعر بأنها وحيدة تماماً في مواجهة هذا التيار الجارف من التقاليد والضغوط الأسرية.

أما الجانب الآخر من الزقاق، عاشت نور حياةً مختلفةً تماماً مفعمةً بالحيوية، تضحك بصوت محب للحياة وتملأ شرفتها بالورود الملونة. يعود السبب إلى أسرتها التي آمنت بقدراتها ودعمتها في كل خطواتها، تشجعها على تحقيق أحلامها. كانت نور تعمل بجد في شركةٍ كبيرةٍ في المدينة وتستمتع بعملها في مجال تصميم الجرافيك، وتحلم بتأسيس مشروعها الخاص الصغير الذي يعكس ذوقها الفني. عرفت نور وليلى بعضهما معرفة سطحية، يتبادلان التحية العابرة بابتسامة خجولة.

وفي أحد الأيام الحارة، وبينما كانت نور تجلس في شرفتها تستمتع بنسيم المساء، رأت ليلى تجلس على حافة الشرفة المقابلة، جسدها النحيل منحنياً وعيناها مليئتان بالدموع المتلألئة في ضوء القمر الشاحب. نادت نور على ليلى بصوت قلق: "مالك يا ليلى؟ شكلك زعلانة أوي النهاردة". 

ترددت ليلى في البداية، ثم انهار سد دموعها وانفجرت في البكاء المرير، وحكت لنور بصوت متقطع عن الرجل الذي يضغط عليها أهلها للزواج منه، عن خوفها ويأسها. استمعت نور إلى ليلى باهتمام عميق، وشعرت بوخز حاد في قلبها وهي ترى اليأس يطفئ بريق عينيها، ثم قالت لها بحزم وقوة: "يا ليلى، إنتي مش مجبورة تتجوزي حد مش عايزاه، ده حقك الأساسي، ولازم تدافعي عنه بكل قوتك".

شجعت نور ليلى على التحدث بصدق وجرأة مع أهلها، وعرضت عليها مساعدتها في إيجاد عملٍ في المدينة يساعدها على الاستقلال المادي والهروب من هذا المصير المفروض. تشجعت ليلى بكلمات نور الدافئة، وقررت أن تواجه أهلها بشجاعة لم تعرفها من قبل. 

لكنهم رفضوا الاستماع إلى توسلاتها ودموعها، وأصروا بعناد أعمى على أن تتزوج من الرجل الذي اختاروه لها، معتبرين رأيها مجرد نزوة فتاة. حاولت ليلى الهروب مرة، في ليلة ظلماء تسللت خارج المنزل، لكن أهلها اكتشفوا أمرها وأمسكوها وأعادوها قسراً، وحبسوها في غرفتها تحت رقابة مشددة.

وفي يوم الزفاف المشؤوم، ارتدت ليلى فستانًا أبيضًا فضفاضاً، لكن قلبها كان ينزف ألمًا. نظرت إلى المرآة المثبتة على الحائط، ورأت وجهًا شاحبًا وعينين دامعتين خاليتين من أي بريق للحياة، ثم اتخذت قرارًا مأساويًا في لحظة يأس مطلق. شعرت أنها محاصرة في قفص خانق، وأنها لم تعد تستطيع تحمل المزيد من الألم والقهر. صعدت إلى سطح المنزل القديم، وفي لحظة يائسة ألقت بنفسها من الأعلى، لتنهي حياتها البائسة التي لم تبدأ بعد.

صُدمت نور بخبر انتحار ليلى، وشعرت بحزنٍ عميقٍ وغضبٍ شديدٍ يتأجج في صدرها. لم تستطع أن تنسى عيون ليلى المليئة باليأس والخوف في آخر مرة رأتها فيها.

 شعرت بالذنب القاسي لأنها لم تستطع فعل المزيد لمساعدتها، وأن كلماتها لم تكن كافية لإنقاذ حياة جارتها المسكينة. في تلك اللحظة، قررت نور أن تكرس حياتها لتكون صوتاً للفتيات اللاتي يعانين من نفس المشكلة، وأقسمت على ألا تصمت أمام الظلم. بدأت نور ببطء في تأسيس جمعية صغيرة للدفاع عن حقوق المرأة في قريتها والقرى المجاورة، مستخدمة مدخراتها القليلة وشبكة علاقاتها في المدينة.

بعد سنوات عديدة من العمل الدؤوب والجهود المضنية، التقت نور بشاب طيب القلب ومتفهم، عاملها باحترام وتقدير، أحبها وأحبته بصدق، وتزوجا وعاشا في سعادة وهناء في منزل صغير مليء بالحب والتفاهم. كانت نور قدوة حقيقية للفتيات في حيها والقرى المجاورة، وكانت قصتها المؤثرة تلهم الكثيرات منهن للتمرد على القيود وتحقيق أحلامهن وطموحاتهن. لكن ذكرى ليلى لم تغب عن ذهن نور أبداً. كانت روحها ترفرف في كل خطوة تخطوها نور في طريقها الطويل والشاق للدفاع عن حقوق المرأة وتمكين الفتيات.

وفي إحدى الفعاليات التي نظمتها الجمعية، وقفت نور أمام حشد من الفتيات الشابات، وعيناها تلمعان بإصرار وعزيمة لا تلين، وقالت بصوت قوي وواضح: "لم أستطع إنقاذ ليلى، لكنني أعدكنّ أمام الله وأمام ضميري أنني سأكون الصوت الذي لم تستطع ليلى أن تطلقه، سأكون صوتاً لكل فتاة تشعر باليأس والقهر والظلم. لن نسمح لليلى أن تكون مجرد ذكرى حزينة تروى، بل ستكون رمزاً لقوتنا وإصرارنا على تغيير هذا الواقع الظالم الذي يسلب الفتيات حقهن في الحياة والحرية والكرامة. سنحمل إرثها في قلوبنا، وسنجعل من حياتها قصيدة للحرية والعدالة والمساواة، قصيدة نرويها جيلاً بعد جيل حتى يتحقق التغيير."

بعد كلماتها المؤثرة التي لامست قلوب الحاضرات، تعالت أصوات التصفيق والهتافات المؤيدة، واشتعلت شرارة الأمل والتغيير في قلوب الفتيات الحاضرات. أدركت نور في تلك اللحظة أن ليلى لم تمت عبثًا، بل كانت بذرة يائسة زرعتها في أرض التغيير المتعطشة للعدل، وستظل تنمو وتزهر في قلوب كل من يناضل من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.