العبور

تصميم| محمد صلاح

Written By جنة الله أشرف عطية
2025-08-15 03:00:05

وقف آدم بين زملائه في قاعة الاحتفال المتسعة، مرتديًا عباءة التخرج السوداء التي بدت أثقل من أن تحتملها كتفيه النحيلتين.

الأضواء الكاشفة ساطعة، والهتافات تتعالى فرحاً، والتصفيق الحار يتكرر مع كل طالب يصعد إلى المنصة بابتسامة واثقة ليعلن عن خططه المستقبلية بكلمات متوهجة: "سأنضم إلى شركة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي".. "سأغادر إلى الخارج لاستكمال دراستي العليا في جامعة مرموقة".. "سأفتتح مشروعي الخاص في مجال الطاقة المتجددة".

أما آدم، الطالب المجتهد الذي قضى ليالي طويلة يدرس الأدب المقارن بشغف صامت، فكان قلبه يرتجف  تحت طبقات الصمت التي فرضها على نفسه. الكلمات المتعلقة في حلقه كانت كثيرة، لكنها تبدو جوفاء بلا معنى، والمستقبل يبدو أمامه كفراغ شاسع بلا حواف واضحة المعالم.

كلهم يعرفون الطريق المرسوم أمامهم، وأنا لا أزال أبحث عن خيط البداية في متاهة نفسي، ماذا لو لم أكن جيدًا بما فيه الكفاية لأي من هذه المسارات؟ ماذا لو ضعت في هذا الفراغ للأبد؟.

حاول أن يبدو هادئًا ومتماسكًا، بينما يغرق عقله في صراع عاصف من الشكوك والتساؤلات. كم مرة تساءل سراً إن كان قد اختار التخصص الخطأ، تخصصاً يبدو بعيداً كل البعد عن صخب سوق العمل؟ كم مرة تظاهر بالحماس أمام والدته القلقة كي لا يزيد من همومها؟ لم يكن يملك خطة واضحة، ولا حتى رغبة ملحة تجاه مسار محدد؛ فقط خوف متجذّر يتظاهر بالتماسك الخارجي.

اقترب منه زميله "كريم"، الشاب اللامع الذي ضمن بالفعل وظيفة مرموقة في شركة استشارات عالمية، وهمس ممازحًا بابتسامة واثقة: "آدم، مش ناوي تفاجئنا بكلمة تهز بها القاعة؟ ولا ناوي تخلّيها صمت فلسفي يليق بعالم الأدب؟"

ابتسم آدم بخفة مرتبكة، ورد بابتسامة باهتة وهزّ رأسه نفياً دون أن ينطق بكلمة. بدا كل حرف فارغًا من المعنى، مجرد صدى لكلمات الآخرين.

عندما أدرك أن اسمه يقترب من المناداة، شعر بانقباض حاد في صدره كأن أحدهم يحكم وثاقه من الداخل، يسلب منه القدرة على التنفس. الهواء ثقيل مثل قدميه كأنهما مغروسين في الأرض، والقاعة بدت تدور ببطء في عينيه المضطربتين. لم يستطع أن يتحمل هذا الضغط المتزايد، فاستدار وغادر القاعة متعجلاً، متفاديًا أعين زملائه التي لاحقته بدهشة واستفهام.

خرج إلى الممر الطويل المضاء بفتور والذي بدا له كأنه ممر ولادة ثانية نحو مستقبل مجهول... أو ربما نفق هروب مؤقت من المواجهة. الجدران باهتة اللون، والإضاءة الخافتة بطريقة توحي بكآبة غير مرئية تكمن في مكان ما. كان يسمع وقع خطواته المترددة كأنه دويّ داخلي يتردد في أعماقه، لا أحد سواه يسمعه، لكنه يثقله ويذكره بعزلته.

أنا فاشل... لا، لست فاشلًا، فقط تائه في بحر الاحتمالات... ولكن أليس التيه في هذه اللحظة هو نوع من الفشل؟ لماذا لا أشعر بالفرح واليقين كالآخرين؟ هل هناك خطبٌ ما في تكويني؟

مدّ يده إلى جيبه، شعر أصابعه لامست حافة ورقة مطوية، أخرجها بتردد. كانت رسالة قصيرة بخط أمه المرتعش، كتبتها له في الليلة التي سبقت التخرج: "يا بني، أنا فخورة بك، وأعلم يقيناً أنك ستصبح يومًا ما شخصًا عظيمًا بطريقتك الخاصة، فقط لا تتوقف عن المحاولة واكتشاف نفسك."

قبض على الورقة بيده المرتعشة كأنها حبل نجاة أُلقي إليه وسط عاصفة هوجاء. صوت والدته الحنون عاد يتردد في ذاكرته ناعمًا وثابتًا، كما كان وهو طفلٌ صغير يلعب على سجادة غرفة المعيشة دون أن يعرف ما تعنيه الحياة أو ما الذي قد تنتظره منه في المستقبل. حينها، لم يكن عليه أن يثبت شيئًا لأحد، لم يكن عليه أن يُنقذ نفسه من ثقل التوقعات.

رفع رأسه ببطء، والتفت إلى الباب الذي تركه خلفه، لا يزال التصفيق يتعالى في القاعة احتفاءً بزميل آخر، لكنّه هذه المرة لم يُشعره بالاختناق أو الرغبة في الهروب. أدرك فجأة أن الهرب لن يغيّر شيئًا في واقعه، وأن الإجابات الحقيقية لا تُولد في العزلة والانكفاء، بل في شجاعة المواجهة.

قبض على الورقة بقوة، واستدار عائداً إلى القاعة. خطواته هذه المرة كانت أبطأ، لكنها كانت تحمل ثباتاً جديداً لم يعرفه من قبل. مرّ مجددًا في الممر نفسه، لكنه لم يعد يبدو مظلماً أو مخيفاً كما كان قبل دقائق معدودة.

بمجرد دخوله القاعة، التفتت إليه بعض الأنظار المتسائلة. المقدم ناداه باسمه، صوته يحمل نبرة انتظار مهذبة. صعد آدم إلى المنصة، خطواته لا تزال تحمل بعض التردد، لكنه لم يكن وحيدًا هذه المرة... كان يحمل تلك الرسالة الصغيرة في قلبه كدليل ورفيق.

وقف أمام الميكروفون، ونظر إلى وجوه زملائه وأساتذته والجمهور الحاضر. ساد صمت عميق في القاعة، وكأن الجميع ينتظرون كلماته. ثم قال آدم بصوت هادئ لكن واضح وثابت:

"أنا لا أملك خطة واضحة المعالم لما بعد هذا اليوم، ولا وظيفة مرموقة تنتظرني، ولا حتى يقينًا تامًا بشأن الغد. لكنني أعلم شيئًا واحدًا ترسخ في داخلي... لن أهرب مرة أخرى من مواجهة نفسي ومستقبلي."

توقف للحظة، وكأن الزمن قد توقّف معه في تلك الكلمات الصادقة. ثم فجأة، انطلقت موجة من التصفيق الحار من الحضور. لم يكن يعلم إن كان تصفيقهم إعجابًا بصدقه، أم تعاطفاً مع اعترافه، أو ربما تقديراً لشجاعته في الوقوف أمام الجميع بلا قناع. لكنه ولأول مرة، لم يهتم بتفسيراتهم. كان قلبه ينبض بشيء جديد وقوي، وهو القدرة على العبور إلى المجهول، حتى دون خريطة واضحة المعالم، مسلحاً بالإيمان بنفسه ودعم أحبائه.