"في الوقت اللي بنحاول تدبير تكلفة الأدوات المدرسية والدروس الخصوصية، نفاجَأ بقرار رفع المصروفات قبل أسبوع واحد فقط من بدء الدراسة"، بهذه الكلمات عبّرت رحمة منصور، ولي أمر ثلاثة طلاب بمدرسة أبو بكر الصديق التجريبية في حي الزهور بمحافظة بورسعيد،–ولدان في المرحلة الابتدائية وبنت في المرحلة الإعدادية-، عن استيائها من زيادة المصروفات المدرسية.
وأثار قرار وزارة التربية والتعليم، بالإعلان عن زيادة مصروفات المدارس التجريبية قبل أيام قليلة من انطلاق العام الدراسي الجدل بين أولياء الأمور، ومن المقرر انطلاقه السبت 20 سبتمبر المقبل، ورأوا أن القرار جاء دون تمهيد مبكر يتيح للأسر الاستعداد، ما حرم أولياء الأمور من فرصة كافية للتخطيط المالي أو حتى البحث عن بدائل تعليمية.

وتوضح رحمة: "إحنا بقالنا كذا سنة في التعليم التجريبي وكملنا السنة دي وبالفعل بدأنا الدروس مع المدرسين، لكن بشكل مفاجئ حصلت زيادة في المصروفات مش عارفين هنقدر نوفر مصاريف إيه الدروس ولا الكتب ولا الأقساط، والغريب أن الإشاعات عن زيادة المصروفات كانت منتشرة من شهر يونيو، لكن الوزارة ما أكدتش إلا دلوقتي، وده ضغط علينا جدًا".
وجاء في نص القرار الوزاري رقم 224 لسنة 2025، الصادر في 7 سبتمبر 2025، أن وزارة التربية والتعليم قررت ضم رسوم الكتب المدرسية إلى المصروفات الدراسية في المدارس التجريبية للغات، ونص القرار كذلك على أن: "في جميع الأحوال يتم تحصيل كافة مبالغ المصروفات، ومقابل الخدمات وثمن الكتب ومقابل الانتفاع، وكافة ما يستحق من مبالغ مالية بجهات وسائل الدفع غير النقدي، وفقًا لأحكام قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي، دون غيرها، ويحظر سداد أي مدفوعات نقدية بأي وسيلة".

أسعار "الرسمية للغات" الجديدة
وحددت وزارة التربية والتعليم مصروفات المدارس التجريبية للغات للعام الدراسي الجديد لتصل إلى 2427.43 جنيهًا للمرحلة الأولى رياض الأطفال، و1875 جنيهًا للمرحلة الثانية رياض أطفال، و2125 جنيهًا للصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، و2425 جنيهًا للصفوف من الرابع حتى السادس الابتدائي، و2645 جنيهًا للصفين الأول والثاني الإعدادي، و2445 جنيهًا للصف الثالث الإعدادي.

وتضيف رحمة: "الطبيعي إن المصاريف ما تزيدش إلا لما يعلنوا قبلها بوقت كافي خصوصا أن المدارس فيها مشاكل زي قلة المدرسين لبعض المواد، والأولاد مش فاهمين حاجة، وبعد كده بيطلب مننا ندفع أضعاف بدون خدمة حقيقية".
تنص المادة 19 من الدستور المصري على: "التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، وتلتزم الدولة بتوفيره وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وهو إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية وفقًا للقانون".
غير أن المدارس التي كانت تُعرف سابقًا بالمدارس التجريبية للغات تغيّر اسمها رسميًا بموجب القرار الوزاري رقم 285 لسنة 2014 وتعديلاته، لتصبح "المدارس الرسمية للغات"، إذ أُنشئت لتقدم خدمة إضافية وهي تدريس بعض المواد العلمية باللغة الإنجليزية، مقابل رسوم محددة، وبهذا تظل هذه المدارس جزءًا من المنظومة الحكومية الخاضعة لإشراف وزارة التربية والتعليم، لكن مع فرض مبالغ إضافية نظير ترجمة وطباعة الكتب أو تدريس مواد "المستوى الرفيع"، ما يجعلها تمثل صيغة وسطى بين التعليم الحكومي المجاني والتعليم الخاص.
خبيرة تربوية: زيادة في وقت غير مناسب
تؤكد الدكتورة مايسة فاضل، الخبيرة التربوية، وأستاذة علم النفس التربوي بالمركز القومي للامتحانات، أن إعلان الوزارة عن زيادة المصروفات جاء في توقيت غير مناسب، ولم يُترك لأولياء الأمور وقت كافٍ للتخطيط المالي، وتضيف: "من حق ولي الأمر أن يعرف مسبقًا حجم المصروفات ويحسب ميزانيته بدقة، بدل ما يكتشف الزيادة قبل بدء الدراسة مباشرة".
وعن تحسين جودة التعليم تقول مايسة لـ"البورسعيدية": "أي زيادة في المصروفات يجب أن ترتبط بتحسين مستوى التعليم داخل المدرسة، بما يقلل الحاجة للدروس الخصوصية المكلفة، لو كانت الزيادة ستؤدي فعليًا إلى رفع مستوى التعليم، سيكون القرار منطقيًا، والناس ستكون مستعدة للتضحية بدفع مبالغ إضافية".
وترى مايسة أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين كفاءة المعلمين في المدارس الرسمية، بدل فرض أعباء مالية إضافية على الأسر، وتوضح: "المدارس الرسمية فقدت في السنوات الأخيرة جزءًا من كفاءتها، ومعظم الأسر تضطر لدفع مبالغ كبيرة للدروس الخصوصية. إذا ركزت المدارس على تحسين جودة المعلمين، سيتمكن أولياء الأمور من توفير هذه الأموال، وتصبح أي زيادة مبررة فقط بعد دراسة دقيقة للقدرة المالية للأسر".
-بحسب بيانات النشرة السنوية للتعليم قبل الجامعي للعام الدراسي 2022/2021 الخاصة بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء العام ، بلغ عدد المتسربين من التعليم في المرحلة الابتدائية 30 ألف و219 طالب، وفي المرحلة الاعدادية 95 ألف طالب، بينما إجمالي المتسربين من التعليم في مصر بلغ 125 ألف و226 طالب.
ويعرف "جهاز الإحصاء" المتسربين من التعليم، بأنهم التلاميذ المنقطعون عن الدراسة لعامين متتالين لأسباب غير النقل أو الإعادة أو الوفاة، بينما انخفض نمو عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم قبل الجامعي بنسبة 84٪ في الـ5 سنوات الأخيرة، وفق بيانات الكتاب الإحصائي لوزارة التعليم في يناير الماضي.
ولي أمر: "السبب هو المستوى الرفيع"
أما أمل حسان، ولي أمر طالبين في المرحلة الابتدائية في مدرسة بورسعيد الرسمية للغات في حي الشرق، عبرت عن غضبها من ارتفاع المصروفات الدراسية بشكل مفاجئ، موضحة أن السبب الأساسي هو سعر كتاب المستوى الرفيع، الذي أصبح أغلى بكثير من سعره في السوق، واعتبرت أن فرض الكتاب على الطلاب الحاليين ظلم، خاصة وأنه كان من المفترض أن يكون اختياريًا، مشيرة إلى أن أي قرار بجعله إلزاميًا يجب أن يطبق على الدفعات الجديدة فقط.
وقالت أمل: "كنا نشتري كتاب المستوى الرفيع من الخارج بحوالي 400 جنيه، بينما المدرسة فرضت سعرًا يقارب ثلاثة أضعاف هذا المبلغ، ويزعمون أنهم يخففون العبء على أولياء الأمور، نحن في مدارس حكومية المفروض نستلم الكتب إجباريًا دون تحمل مصاريف إضافية، السنة الماضية استلمنا الكتب ولم ندفع فرقًا كبيرًا كهذا".
واختتمت حديثها برسالة مباشرة إلى وزير التربية والتعليم: "أنت أب وتعلم أعباء المعيشة، كيف يتحمل أولياء الأمور كل هذه المصروفات بجانب الملابس والشنط والكتب؟ قرار الزيادة يجعل التعليم متاحًا فقط لمن يستطيع الدفع، بينما غير القادر يحرم من حقه في التعلم".
كانت وزارة التربية والتعليم قد أصدرت قرارًا يقضي بتحويل الطلاب غير المسددين للمصروفات الدراسية في المدارس الرسمية للغات إلى مدارس عربية، لكن الوزير أوضح لاحقًا في تصريحات نقلتها صحف محلية، أن القرار يخص فقط الطلاب الذين لم يسددوا مصروفات العام الماضي، مؤكدًا عدم وجود توجيهات عامة بتحويل جميع المتأخرين عن السداد.